Breaking

08 يناير 2013

أصل حكاية المثل الشعبي "إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه".. من قمح الرومان إلى الوظيفة الحكومية!

في المجتمع المصري، لطالما ارتبطت كلمة "الميري" بالأمان والاستقرار، حتى أصبح الحصول على وظيفة حكومية حلماً تتوارثه الأجيال، ولخص المصريون هذا العشق في المثل الشعبي الشهير: "إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه". ولكن، هل تعلم أن هذا المثل لم يكن له أي علاقة بالوظائف الحكومية عند نشأته؟ بل كان يحمل بين طياته قصة معاناة تاريخية للفلاح المصري!

قصة المثل الشعبي إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه
صورة تعبيرية من التراث

مصر.. سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية

لنفهم أصل الحكاية، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء، تحديداً إلى حقبة الاحتلال الروماني لمصر. في ذلك الوقت، كانت مصر تُعرف بأنها "سلة غلال روما"، حيث كانت تُزرع مساحات شاسعة بالقمح والمحاصيل الاستراتيجية التي كانت تُسمى حينها بـ "الميرة" (وهي كلمة عربية فصحى تعني الطعام والزاد الذي يُدخر).

كان الفلاح المصري يزرع الأرض بعرقه ودمه طوال العام، ولكن عند الحصاد، كان يُمنع منعاً باتاً من أخذ حبة قمح واحدة من محصوله إلا بأمر مباشر من الحاكم الروماني. كانت "الميرة" تُصادر بالكامل لصالح الإمبراطورية الرومانية.

البحث عن الحياة في "تراب الصوامع"

كانت هذه "الميرة" (القمح) تُخزن في صوامع ترابية ضخمة تمهيداً لشحنها عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أطراف الإمبراطورية الرومانية. وفي ظل هذا الظلم القاسي، كان الفلاح المصري الذي لا يحصل على نصيب يكفي لإطعام أطفاله من محصوله الذي زرعه بيده، يجد نفسه مضطراً للبحث عن أي فتات.

كان كبار الفلاحين ينصحون الفلاح البائس بالذهاب إلى تلك الصوامع بعد إفراغها، والبحث في ترابها عسى أن يجد بعض حبات القمح المتساقطة والمختلطة بالتراب ليسد بها رمق عائلته. ومن هنا وُلدت العبارة القاسية:

"إن فاتتك الميرة.. اتمرغ في ترابها!"

التحريف التاريخي: من "الميرة" إلى "الميري"

مع مرور السنين وتعاقب الأجيال والاحتلالات، طرأ تحريف لغوي وتاريخي على المثل. ففي بداية عصر الخلافة العثمانية، ثم لاحقاً إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر وتأسيس الدواوين الحكومية، ظهر مصطلح "الميري" (المشتق من كلمة أميري، أي ما يخص الأمير أو الدولة).

تحولت كلمة "الميرة" (القمح) إلى "الميري" (الوظيفة الحكومية)، وتحول المعنى من البحث عن حبات القمح في التراب، إلى التمسك بأي وظيفة حكومية أو حتى العمل كفراش أو عامل بسيط (في ترابها) طمعاً في الأمان الوظيفي والمعاش الذي توفره الدولة.

خلاصة الحكاية

هكذا تحول مثل يعبر عن قمة القهر والجوع في العصر الروماني، إلى مثل يعبر عن البحث عن الاستقرار والأمان الوظيفي في العصر الحديث. إنها عبقرية الشخصية المصرية التي تطوع الكلمات والأمثال لتواكب تغيرات الزمن.

💡 شاركنا برأيك: هل ما زلت تعتقد أن "الميري" هو الملاذ الآمن في عصرنا الحالي المليء بالعمل الحر والمشاريع الخاصة؟ أم أن تراب الميري لم يعد يكفي؟ ننتظر رأيك في التعليقات!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق