Breaking

21 يناير 2013

حفل افتتاح قناة السويس 1869: أسطورة الخديوي إسماعيل التي أبهرت العالم

حفل افتتاح قناة السويس 1869: أسطورة الخديوي إسماعيل التي أبهرت العالم

حفل افتتاح قناة السويس 1869
لوحة تاريخية تجسد الأجواء الأسطورية لحفل افتتاح قناة السويس عام 1869

في سجلات التاريخ الحديث، ثمة أيام لا تُنسى، تُحفر في ذاكرة الزمان بمداد من ذهب وأضواء لا تخبو. هكذا كان منتصف شهر نوفمبر من عام 1869، حين قرر الخديوي إسماعيل أن يتوج عشر سنوات من العرق والدماء والتضحيات المصرية، بحفل أسطوري لافتتاح قناة السويس. لم يكن الهدف مجرد تدشين ممر مائي، بل كانت رسالة سياسية وحضارية أراد بها إسماعيل أن يثبت للآستانة وللعالم أجمع أن "مصر أصبحت قطعة من أوروبا".

لقد تجاوز هذا الحفل كل حدود الخيال، حتى وصفه الحاضرون بأنه يفوق حكايات "ألف ليلة وليلة" سحراً وبذخاً، حيث تلاقت فيه حضارات الشرق والغرب على ضفاف القناة التي شُقت بأرواح المصريين.

الاستعدادات الكبرى: بورسعيد تتزين لاستقبال ملوك الأرض

الاستعدادات لحفل افتتاح قناة السويس
اصطفاف الأساطيل والسفن في ميناء بورسعيد استعداداً للاحتفال المهيب

بدأت التحضيرات لهذا الحدث العالمي قبل موعده بأشهر طويلة. سافر الخديوي إسماعيل بنفسه إلى أوروبا في 17 مايو 1869، ليطوف عواصمها مقدماً الدعوات الشخصية للملوك والأباطرة والأمراء، ورؤساء الحكومات، ورجال السياسة والعلم والأدب والفن.

وما إن عاد إلى مصر، حتى تحولت البلاد إلى خلية نحل. صدرت الأوامر بالاهتمام الفائق بالمظهر العام، فتم تجديد الأزياء العسكرية، خاصة للعاملين في قطاعي الجوازات والصحة، ليكونوا واجهة مشرفة أمام ضيوف مصر. كما حُثت الأسواق والتجار على توريد أجود أنواع الخضروات واللحوم والأسماك الضخمة إلى بورسعيد، وجُلبت أطنان من الثلج من القاهرة للحفاظ على الأطعمة والمشروبات، وجُهزت أساطيل من السفن لنقل المدعوين من الإسكندرية إلى موقع الحدث.

وفي لفتة ذكية تعكس رغبة الخديوي في إبراز التنوع الثقافي لمصر، أصدر أوامره لمديري الأقاليم بإرسال وفود من الأهالي بعائلاتهم وخيامهم. فانتشر على طول ضفاف القناة الفلاحون، والصعايدة، والنوبيون، والعربان بملابسهم التقليدية الأصيلة، ليشكلوا لوحة بشرية حية أضفت على الاحتفال طابعاً مصرياً خالصاً أذهل الأجانب.

الإمبراطورة أوجيني: درة التاج في ضيافة النيل

الإمبراطورة أوجيني في مصر
الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث، ضيفة الشرف الأولى في احتفالات قناة السويس

كانت ضيفة الشرف الأولى والنجمة المتوجة لهذا الحفل هي الإمبراطورة أوجيني، زوجة إمبراطور فرنسا نابليون الثالث، التي حضرت بمفردها لانشغال زوجها بالاضطرابات السياسية في بلاده. وصلت أوجيني، التي عُرفت بجمالها الآسر وذكائها الحاد، إلى مصر قبل موعد الافتتاح بثلاثة أسابيع.

أعد لها الخديوي إسماعيل برنامجاً سياحياً حافلاً، شمل رحلة نيلية إلى صعيد مصر لزيارة آثار الأقصر. ولأن الخديوي أراد ألا تشعر الإمبراطورة بالغربة، أمر ببناء "سراي الجزيرة" (فندق ماريوت الزمالك حالياً) على طراز يحاكي قصرها في فرنسا. وقد تركت هذه الحفاوة أثراً عميقاً في نفسها، حتى أنها أبرقت لزوجها قائلة: "لقد وصلت إلى بورسعيد في صحة جيدة، واستقبال ساحر، لم أرَ في روعته طوال حياتي".

منصات الشرف: عناق الأديان وتلاحم الشرق والغرب

منصات الاحتفال بافتتاح قناة السويس
المنصات الثلاث التي أُعدت لكبار الزوار ورجال الدين الإسلامي والمسيحي

على شاطئ بورسعيد، نُصبت ثلاث منصات خشبية ضخمة، كُسيت بالحرير والديباج، وفُرشت بأثمن السجاد، وزُينت بالأعلام والرياحين:

  • المنصة الوسطى (الكبرى): خُصصت للملوك والأمراء، وتوسطها الخديوي إسماعيل، وإلى يمينه الإمبراطورة أوجيني، وإمبراطور النمسا "فرانتس يوزف"، وولي عهد بروسيا، وولي عهد هولندا، وإلى يساره سفير إنجلترا بتركيا "إليوت" وزوجته، والأمير محمد توفيق (ولي عهد مصر)، والأمير عبد القادر الجزائري، وفرديناند دي لسبس.
  • المنصة اليمنى: خُصصت لعلماء الدين الإسلامي، وتصدرها الشيخ إبراهيم السقا، والشيخ مصطفى العروسي، والشيخ المهدي العباسي (مفتي الديار المصرية).
  • المنصة اليسرى: خُصصت لرجال الدين المسيحي، وعلى رأسهم المنسيور كورسيا (أسقف الإسكندرية)، والمنسيور باور (المبعوث البابوي).

وفي المرفأ، اصطفت أكثر من ثمانين سفينة، منها خمسون بارجة حربية تمثل أساطيل مصر، وفرنسا، وإنجلترا، والنمسا، وألمانيا، وروسيا، والدنمارك، وهولندا، وإسبانيا، في مشهد عسكري مهيب يعكس أهمية الحدث.

السادس عشر من نوفمبر: انطلاق الملحمة وتلاوة الصلوات

الاحتفالات الدينية في افتتاح قناة السويس
مراسم الدعاء والصلوات التي جمعت بين علماء المسلمين ورجال الدين المسيحي لمباركة القناة

في تمام الساعة الثانية من ظهر يوم 16 نوفمبر 1869، دوت أصوات المدافع معلنة بدء المراسم الرسمية. تقدم شيخ الإسلام محاطاً بالعلماء، وتلا آيات من الذكر الحكيم، رافعاً يديه بالدعاء أن يكلل الله هذا العمل العظيم بالنجاح ويحفظه على مر الزمان. ثم تقدم المنسيور كورسيا ورجال الإكليروس وتلوا صلوات الشكر، أعقبهم الأب باور بخطاب بليغ باللغة الفرنسية، أشاد فيه بجهود الخديوي إسماعيل التي أثمرت عن هذا العناق التاريخي بين الشرق والغرب.

ولائم ألف ليلة وليلة: أرقام مذهلة من قلب الحدث

لم يبخل الخديوي إسماعيل بشيء لإنجاح هذا الحفل، فقد بلغت التكلفة الإجمالية للاحتفالات حوالي 2 مليون و400 ألف جنيه، وهو رقم خرافي بمقاييس ذلك الزمان. ولخدمة الضيوف الذين تجاوز عددهم 100 ألف شخص (بين أجانب ومصريين)، تم استدعاء 500 طاهٍ من مرسيليا وجنوة وترييستي، بالإضافة إلى تخصيص ألف خادم لتلبية رغبات المدعوين.

كما أمر الخديوي بتشييد دار الأوبرا الخديوية في القاهرة خلال خمسة أشهر فقط، بتكلفة بلغت 160 ألف جنيه، لتكون جاهزة لاستقبال الضيوف وتقديم العروض الفنية الراقية.

وعند حلول المساء، مُدت موائد العشاء الفاخرة لستة آلاف مدعو من كبار الشخصيات. وتلألأت ضفاف القناة بالأنوار والزينات حتى بدت كأنها في وضح النهار. وظهر يخت الخديوي "المحروسة" متلألئاً في عرض البحر، بينما انطلقت الألعاب النارية التي استُوردت خصيصاً لتضيء سماء بورسعيد، وسط عزف الفرق الموسيقية لأناشيد الفرح.

فجر السابع عشر من نوفمبر: عبور التاريخ

مع شروق شمس يوم 17 نوفمبر 1869، كانت السفن قد استعدت لشق عباب القناة في أول رحلة رسمية. تقدم الموكب يخت الإمبراطورة أوجيني "النسر" (L'Aigle)، تتبعه سفن الملوك والأمراء، ليعلنوا للعالم أجمع أن الحلم قد أصبح حقيقة، وأن صحراء مصر قد انشقت لتصل بين بحار الأرض.

"لقد كان يوماً تجسدت فيه عظمة الإرادة البشرية، حيث وقفت مصر شامخة، تقدم للعالم شرياناً ينبض بالحياة والتجارة، دُفع ثمنه من دماء أبنائها وخزانة أجيالها."

خاتمة: من 1869 إلى 2015.. التاريخ يعيد نفسه

مرت العقود، وظلت قناة السويس شاهدة على تقلبات التاريخ، من حروب وتأميم وانتصارات. والمفارقة التاريخية الجميلة أنه عندما قررت مصر افتتاح "قناة السويس الجديدة" في 6 أغسطس عام 2015، كانت فرنسا هي ضيفة الشرف الرئيسية في الحفل، حيث حظي الوفد الفرنسي باستقبال استثنائي، في مشهد يعيد للأذهان تلك الروابط التاريخية العميقة التي بدأت مع دي لسبس وأوجيني، وتستمر حتى يومنا هذا، مؤكدة أن مصر ستظل دائماً قلب العالم النابض ومُلتقى حضاراته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق