تاريخ قناة السويس: ملحمة الدم والماء التي غيرت خريطة العالم
قناة السويس: شريان مائي غير خريطة التجارة العالمية
في قلب الجغرافيا النابض، حيث تتعانق قارات العالم القديم، وقفت مصر دائماً كحارس أمين على بوابات التاريخ. لم تكن فكرة شق قناة تربط بين البحرين الأبيض والأحمر وليدة العصر الحديث، بل كانت حلماً قديماً راود الملوك والفراعنة، وتوارثته الأجيال كسرّ من أسرار عبقرية المكان. إن تاريخ قناة السويس ليس مجرد سرد لأرقام وتواريخ هندسية، بل هو ملحمة إنسانية كبرى، اختلطت فيها دماء الفلاحين المصريين بمياه البحرين، لتصنع شرياناً حيوياً غيّر وجه التجارة العالمية إلى الأبد.
الجذور الأولى: حلم الفراعنة الذي عانق مياه البحرين
يُجمع المؤرخون على أن أول من فكر في ربط البحرين الأبيض والأحمر بطريق غير مباشر، عن طريق النيل وفروعه، هو الفرعون المصري العظيم سنوسرت الثالث، من ملوك الأسرة الثانية عشرة. كان هدفه الاستراتيجي توطيد حركة التجارة وتيسير المواصلات بين الشرق والغرب. في ذلك العهد، كانت السفن القادمة من البحر الأبيض المتوسط تسير في النيل حتى تصل إلى منطقة الزقازيق، ومنها تعبر إلى البحر الأحمر عبر "البحيرات المرة" التي كانت متصلة به آنذاك. ولا تزال بقايا وآثار هذه القناة العتيقة شاهدة على هذا المجد في منطقة جنيفة بالقرب من السويس.
محاولات الملوك والفراعنة القدامى لشق وتطهير القناة عبر العصور
توالت العصور، وتعرضت القناة للإهمال والردم، لتشهد محاولات عدة لإحيائها:
- إعادة الشق في عهد نخاو الثاني (610 ق.م): بعد أن امتلأت القناة بالأتربة وتكوّن سد أرضي عزل البحيرات المرة عن البحر الأحمر، بذل الفرعون "نخاو الثاني" (المعروف بنيقوس) جهوداً مضنية لإعادة شقها، فنجح في وصل النيل بالبحيرات المرة، لكنه تعثر في إيصالها بالبحر الأحمر.
- العهد الفارسي (510 ق.م): اهتم الملك "دارا الأول" بالقناة، وأعاد ربط النيل بالبحيرات المرة، لكنه لم ينجح في وصلها بالبحر الأحمر إلا عبر قنوات صغيرة لم تكن صالحة للملاحة إلا في مواسم فيضان النيل.
- العصر البطلمي (285 ق.م): تمكن "بطليموس الثاني" من التغلب على الصعوبات الهندسية، وأعاد الملاحة للقناة بأكملها بعد حفر الجزء الواقع بين البحيرات المرة والبحر الأحمر.
- العصر الروماني (98 م): أدرك الإمبراطور "تراجان" الأهمية التجارية للقناة، فحفر قناة جديدة تبدأ من فم الخليج بالقاهرة وتنتهي في العباسة ليلتقي بالفرع القديم.
- العهد الإسلامي (641 م): بعد الفتح الإسلامي لمصر، أعاد القائد "عمرو بن العاص" الملاحة للقناة وأطلق عليها اسم "خليج أمير المؤمنين". وقد راودته فكرة شق قناة مباشرة بين البحرين، إلا أن الخليفة "عمر بن الخطاب" أثناه عن ذلك خشية أن يؤدي ذلك إلى طغيان مياه البحر الأحمر على الأراضي المصرية.
وفي عام 760 ميلادية، أمر الخليفة العباسي "أبو جعفر المنصور" بردم القناة لمنع وصول الإمدادات والمؤن إلى الثائرين عليه في مكة والمدينة. وبذلك، تعطلت الملاحة بين البحرين لأحد عشر قرناً، اعتمد فيها العالم على الطرق البرية القوافلية لنقل تجارة مصر والشرق.
رياح التغيير: طريق رأس الرجاء الصالح والحملة الفرنسية
تغيرت موازين القوى العالمية باكتشاف الرحالة "فاسكو دي جاما" لطريق رأس الرجاء الصالح. لم تعد السفن التجارية تمر عبر مصر، بل أصبحت تدور حول القارة الإفريقية. ومع إحكام بريطانيا العظمى قبضتها على الهند، بات هذا الطريق المائي الطويل حكراً عليها. هنا، أدركت فرنسا أن استعادة مجدها وهيبتها الإمبراطورية يتطلب ضربة استراتيجية تعيد توجيه طرق التجارة، فبرزت الحاجة الملحة لإعادة إحياء فكرة حفر قناة السويس.
أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وفي 14 نوفمبر 1799، كلف نابليون بونابرت المهندس الفرنسي "لوبيير" بتشكيل لجنة لدراسة منطقة برزخ السويس. إلا أن حلم نابليون تحطم على صخرة خطأ حسابي فادح؛ حيث أصدرت لجنة لوبيير تقريراً خاطئاً يزعم أن منسوب مياه البحر الأحمر أعلى من البحر المتوسط بمقدار 30 قدماً و6 بوصات، محذرة من غرق مصر، فضلاً عن التخوف من تراكم طمي النيل وسده لمدخل القناة. أدى هذا الخطأ إلى طي الفكرة في أدراج النسيان مؤقتاً.
تصحيح الخطأ التاريخي: السان سيمونيون وظهور دي لسبس
في عهد محمد علي باشا، وتحديداً في عام 1833، قدم إلى مصر أتباع المذهب الاشتراكي الفرنسي المعروفين بـ "السان سيمونيين" يحملون حلم ربط الشرق بالغرب عبر قناة السويس. لاقوا حفاوة بالغة من نائب القنصل الفرنسي آنذاك، فرديناند دي لسبس، وعرضوا الفكرة، لكن محمد علي باشا كان حذراً من التدخلات الأجنبية.
جاء التحول العلمي الحقيقي في عام 1840، عندما وضع المهندس الفرنسي "لينان دي بلفون بك"، الذي كان يعمل مهندساً بالحكومة المصرية، مشروعاً لشق قناة مستقيمة تصل بين البحرين. لقد أثبت بلفون بالأدلة القاطعة خطأ نظرية لوبيير، مؤكداً تساوى منسوب البحرين، وأن مياه النيل التي تصب في المتوسط ستساعد في عملية الحفر ولن تعيقها.
وفي 15 أبريل 1846، أسس السان سيمونيون في باريس "جمعية لدراسات قناة السويس". وأصدر المهندس "بولان تالابو" أواخر عام 1847 تقريراً حاسماً مبنياً على دراسات بلفون، أكد فيه الاستحالة العلمية لحدوث أي طغيان بحري في حال شق القناة.
فرمانات الامتياز: صكوك الحفر وشروطها المجحفة
فرمانات الامتياز التي منحت دي لسبس حق تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس
مع تولي "محمد سعيد باشا" حكم مصر في 14 يوليو 1854، وجد دي لسبس، الذي كان صديقاً مقرباً لسعيد منذ الطفولة، الفرصة الذهبية لتحقيق مشروعه. تمكن دي لسبس بدهائه من استصدار فرمان الامتياز الأول في 30 نوفمبر 1854. تضمن الفرمان 12 بنداً، أبرزها منح دي لسبس حق تأسيس شركة لشق القناة، على أن تكون مدة الامتياز 99 عاماً تبدأ من تاريخ الافتتاح، وتحصل الحكومة المصرية على 15% فقط من صافي الأرباح. وقد أثار هذا الفرمان حفيظة إنجلترا التي اعترضت بشدة خوفاً على مصالحها الاستعمارية في الهند.
لتبديد أي شكوك هندسية، شكل دي لسبس لجنة دولية زارت برزخ السويس وأصدرت تقريرها النهائي في ديسمبر 1855، مؤكدة إمكانية شق القناة، وتساوي منسوب البحرين، وصلاحية شواطئ بورسعيد الرملية.
بناءً على ذلك، صدر فرمان الامتياز الثاني في 5 يناير 1856، متضمناً 23 مادة رسخت استقلالية الشركة وحيادية القناة. نصت المادة 14 بوضوح على أن القناة الممتدة من السويس إلى الطينة (بورسعيد) ستكون ممراً محايداً ومفتوحاً للسفن التجارية كافة. إلا أن أخطر ما تضمنه قانون الشركة الأساسي هو إلزام الحكومة المصرية بتوفير العمالة، بحيث يشكل الفلاحون المصريون أربعة أخماس (80%) من إجمالي العمالة المستخدمة في الحفر.
تأسيس الشركة العالمية وانطلاق ملحمة الحفر والدم
في الفترة من 5 إلى 30 نوفمبر 1858، تم طرح أسهم "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية" للاكتتاب العام. بلغ رأس مال الشركة 200 مليون فرنك (8 ملايين جنيه آنذاك)، مقسماً على 400 ألف سهم بقيمة 500 فرنك للسهم. ورغم تخصيص أسهم للدول الكبرى، رفضت إنجلترا والولايات المتحدة والنمسا وروسيا الاكتتاب في محاولة لإفشال المشروع.
أمام هذا التعنت، وبإلحاح خبيث من دي لسبس، اضطرت مصر للاستدانة بفوائد باهظة لشراء الأسهم المتبقية لإنقاذ المشروع. اشترت مصر 177,642 سهماً بقيمة تقارب 89 مليون فرنك، لتصبح مالكة لما يقرب من نصف رأس مال الشركة، وتدخل في نفق الديون المظلم.
وفي 25 أبريل 1859، ورغم المعارضة الإنجليزية العثمانية، ضُربت الفأس الأولى إيذاناً ببدء أعمال الحفر في مدينة "الفرما" (بورسعيد حالياً). بدأت الملحمة بمشاركة عشرات الآلاف من الفلاحين المصريين الذين تم جلبهم بنظام "السخرة". لقد أدوا واجبهم في ظروف إنسانية بالغة القسوة، تحت شمس حارقة وفي بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. وتشير التقديرات التاريخية المفجعة إلى أن هذه الملحمة حصدت أرواح ما يقرب من 341,080 عاملاً مصرياً، ماتوا نتيجة الأوبئة، والعطش، والإنهاك الشديد، لتُحفر القناة بجماجم المصريين قبل فؤوسهم.
تلاقي البحار: إتمام الحفر والافتتاح الأسطوري
بعد سنوات من العرق والدماء، تدفقت مياه البحر الأبيض المتوسط لتملأ منخفض "بحيرة التمساح" في 18 نوفمبر 1862. واستمرت المعجزة الهندسية والبشرية حتى تلاقت مياه البحرين الأبيض والأحمر في 18 أغسطس 1869.
بذلك، اكتمل شق هذا الشريان المائي الحيوي بعد عشر سنوات من العمل المتواصل، تم خلالها استخراج أكثر من 74 مليون متر مكعب من الرمال والأتربة. وقد تضاعفت التكاليف المالية لتصل إلى 433 مليون فرنك (حوالي 17,320,000 جنيه)، وهو ضعف المبلغ الذي كان مقدراً في البداية.
"لقد أصبحت مصر بفضل هذه القناة سيدة الممرات المائية، ولكن الثمن كان فادحاً، دُفع من دماء أبنائها وقوت أجيالها."
وفي 17 نوفمبر 1869، شهد العالم واحداً من أضخم الاحتفالات الأسطورية في التاريخ الحديث، حيث افتتح الخديوي إسماعيل قناة السويس للملاحة العالمية بحضور ملوك وأباطرة أوروبا، وعلى رأسهم الإمبراطورة "أوجيني". لتبدأ القناة فصلاً جديداً من تاريخها المليء بالأحداث الكبرى، من التأميم المجيد عام 1956 الذي أعاد الحقوق لأصحابها، مروراً بإغلاقها إبان حروب الكرامة، وصولاً إلى إعادة افتتاحها في يونيو 1975، لتظل قناة السويس شاهدة على إرادة شعب حفر مجده في قلب الصخر والماء.
*المصادر التاريخية: دراسات تاريخية موثقة حول فرمانات الامتياز وتاريخ الملاحة في مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق