Breaking

12 يناير 2013

أصل حكاية المثل الشهير "وعند جهينة الخبر اليقين".. قصة غدر ودهاء من عمق البادية!

في حياتنا اليومية، عندما تتضارب الأقوال وتكثر الشائعات حول موضوع ما، ثم يظهر شخص يمتلك الحقيقة القاطعة والدليل الدامغ، نردد فوراً المثل العربي الخالد: "وعند جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليقينُ". ولكن، من هي "جهينة"؟ وما هو هذا الخبر اليقين الذي جعل هذا المثل يعيش لمئات السنين؟ دعونا نعود بالزمن إلى قلب البادية العربية لنكشف سر هذه المقولة.

قصة المثل العربي وعند جهينة الخبر اليقين
صورة تعبيرية من التراث العربي

رفقاء الغدر في الصحراء

تبدأ الحكاية برجلين من دهاة العرب وفتاكهم، الأول يُدعى "الحُصين الغطفاني"، والثاني يُدعى "الأخنس بن كعب" وهو ينتمي إلى قبيلة "جُهينة". خرجا معاً في رحلة عبر الصحراء، وكلاهما معروف بالمكر والغدر.

في طريقهما، التقيا برجل من قبيلة "لخم"، وكان هذا الرجل يجلس وحيداً وأمامه طعام وشراب. وبكرم العرب المعتاد، دعاهما الرجل اللخمي لمشاركته الزاد، فنزلا عن راحلتيهما، وأكلا وشربا معه حتى شبعوا، وبذلك أصبح بينهم "عيش وملح" وحق ضيافة يمنع الغدر في عُرف البادية.

خيانة العهد ونوايا القتل

ابتعد "الأخنس الجهني" قليلاً ليقضي بعض شأنه، وحين عاد، صُدم بمشهد مروع؛ فقد وجد الرجل اللخمي مضرجاً في دمائه بعد أن غدر به "الحصين" وقتله طمعاً في ماله وسلاحه. غضب الأخنس وقال للحصين مستنكراً: "ويلك! كيف فتكت بالرجل بعد أن أطعمنا وسقانا وتحرمنا بطعامه؟"

رد عليه الحصين ببرود وغلظة: "اقعد يا رجل، فقد خرجنا لمثل هذا (أي للنهب والقتل)". جلس الأخنس، وشربا وتحدثا، ولكن الشك بدأ يساور الأخنس، فقد أدرك أن من خان من أطعمه، لن يتورع عن قتل رفيقه ليأخذ الغنيمة كلها لنفسه.

فخ الطائر.. والضربة الاستباقية

كان حدس الأخنس في محله، فقد بدأ الحصين يشاغله بالحديث باحثاً عن لحظة غفلة ليفتك به. وبعد قليل، أراد الحصين أن يصرف انتباه الأخنس، فقال له بمكر: "يا أخا جُهينة، هل أنت زاجر للطير؟ (أي هل تفهم في قراءة طيران الطيور وعلاماتها؟)"

رد الأخنس بحذر: "وما ذاك؟"
قال الحصين: "ماذا تقول هذه العُقاب (طائر جارح)؟"
سأله الأخنس متظاهراً بعدم الانتباه: "وأين تراها؟"
قال الحصين: "هي هذه!" ورفع رأسه إلى السماء ليشير إليها.

في تلك اللحظة الحاسمة التي رفع فيها الحصين رأسه وانكشفت رقبته، كان الأخنس الجهني أسرع من البرق، فاستل سيفه وضربه ضربة قاضية في نحره وهو يقول جملته الشهيرة: "أنا الزاجر والناحر!". ثم جمع الأخنس أسلاب الرجل اللخمي وأسلاب الحصين وانصرف عائداً.

اللقاء بالزوجة.. وميلاد المثل

في طريق عودته، مر الأخنس بقوم من قبيلة "قيس"، ووجد بينهم امرأة تسأل القوافل والركبان بلهفة عن زوجها الغائب. اقترب منها الأخنس وسألها: "من أنتِ؟"، فأجابت: "أنا صخرة، زوجة الحصين الغطفاني".

أدرك الأخنس أنها تبحث عن الرجل الذي قتله للتو، فلم يجبها بشكل مباشر، بل مضى في طريقه وهو ينشد بيتاً من الشعر خلده التاريخ قائلاً:

تُسائلُ عن حُصينٍ كلَّ ركبٍ
وعند جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليقينُ!

متى يُضرب هذا المثل؟

منذ ذلك اليوم، أصبح هذا الشطر الشعري مضرباً للأمثال. ويُستخدم عندما تكثر التكهنات والأقاويل حول موضوع معين، ثم يظهر الشخص الذي يمتلك الحقيقة الكاملة والمعلومة المؤكدة (كما كان الأخنس الجهني يمتلك حقيقة مقتل الحصين).

💡 شاركنا برأيك: التراث العربي مليء بقصص الدهاء وسرعة البديهة. هل تعرف أمثالاً عربية أخرى لها قصص مشابهة؟ اترك لنا تعليقاً لنتناولها في مقالاتنا القادمة على مدونة "حوليات روائي مصري".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق