تاريخ قناة السويس: "سيزوستريس".. حلم الفراعنة الذي عانق مياه البحرين
خريطة توضيحية لمسار قناة سيزوستريس القديمة التي ربطت نهر النيل بالبحر الأحمر.
منذ فجر التاريخ، أدرك المصري القديم بعبقريته الفطرية قيمة الجغرافيا التي وُهبت لأرضه. لم تكن مصر مجرد بقعة يمر بها النيل، بل كانت قلب العالم القديم النابض، وحلقة الوصل الكبرى بين قاراته. ومن رحم هذا الموقع الاستراتيجي الفريد، وُلد حلم عظيم: ربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر. لكن العقلية الفرعونية، بحكمتها الهندسية، لم تختر الطريق المباشر المحفوف بالمخاطر، بل قررت أن تجعل النيل العظيم هو الواسطة والشريان الذي يربط بين البحرين.
هذا الحلم المائي لم يكن وليد لحظة، بل هو سلسلة من الملاحم الهندسية التي تعاقبت عليها الحضارات، من الفراعنة إلى الفرس، ومن اليونان والرومان إلى الفتح الإسلامي، لتُشكل في النهاية الجذور التاريخية العميقة لما نعرفه اليوم بـ "قناة السويس".
المحطات التاريخية لشق القناة: صراع الإنسان مع الجغرافيا
لم تكن القناة القديمة مجرد مجرى مائي، بل كانت مقياساً لقوة الدولة المصرية وازدهارها. كلما نهضت مصر، تدفقت المياه في شريان القناة، وكلما ضعفت، طمرتها رمال الصحراء. وفيما يلي استعراض لأهم المحطات التاريخية لهذا الإنجاز العظيم:
1. عهد سنوسرت الثالث (1850 ق.م): المهد الأول
تعود الريادة الأولى في هذا المضمار إلى الملك سنوسرت الثالث، أحد أعظم ملوك الدولة الوسطى. فقد أمر بشق أول قناة مائية تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط عن طريق نهر النيل، وعُرفت تاريخياً باسم "قناة سيزوستريس" (وهي التسمية الإغريقية لسنوسرت). لم يكتفِ بذلك، بل أنشأ امتداداً لها أسماه قناة "كبريت". أحدثت هذه القناة ثورة تجارية هائلة، حيث تضاعفت حركة التجارة بين مصر وبلاد "بونت" (القرن الإفريقي)، وامتدت أشرعة السفن المصرية لتصل إلى جزر البحر المتوسط مثل "كريت" و"قبرص".
2. عهد سيتي الأول (1310 ق.م): دماء جديدة في الشريان
مع مرور الزمن وتراكم الرمال، توقفت الملاحة، حتى جاء الملك سيتي الأول، خلفاً لأبيه "رمسيس الأول" مؤسس الأسرة التاسعة عشرة. ورغم اختلاف المؤرخين حول حجم دوره الدقيق، إلا أن الرأي الأرجح يؤكد أنه أعاد حفر القناة وتطهيرها في الفترة ما بين عامي (1319 - 1300 ق.م)، ليعيد الحياة إلى هذا الشريان الاقتصادي الحيوي.
3. عهد نخاو الثاني (610 ق.م): شهادة هيرودوت
في عصر الأسرة السادسة والعشرين، برز اسم الملك نخاو الثاني (ابن إبسماتيك الأول). وقد وثّق المؤرخ الإغريقي "هيرودوت" (في القرن الخامس قبل الميلاد) هذه الحقبة قائلاً: "أنجب إبسماتيك نبكوس (نخاو) الذي حكم مصر، وهو أول من شرع في حفر القناة التي تؤدي إلى بحر أروتوري (البحر الأحمر)". ورغم أن نخاو لم يكن الأول فعلياً، إلا أن مشروعه كان ضخماً ومؤثراً في الذاكرة التاريخية.
4. عهد دارا الأول (510 ق.م): البصمة الفارسية
إبان الاحتلال الفارسي لمصر، أدرك "شاهنشاه داريوش الكبير" (دارا الأول) الأهمية الاستراتيجية لبرزخ السويس لربط إمبراطوريته. فأمر بإعادة الملاحة في القناة، وقام بتوصيل النيل بالبحيرات المرة، ومن ثم ربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر، لتزدهر خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس.
5. الإسكندر الأكبر وبطليموس الثاني (335 - 285 ق.م): الحلم اليوناني
عندما فتح الإسكندر الأكبر مصر عام 332 ق.م، أشرف بنفسه على تخطيط مشروع القناة لنقل أسطوله الحربي من موانئ الإسكندرية وأبي قير إلى البحر الأحمر عبر الدلتا والبحيرات المرة. بدأ في تنفيذ "مشروع قناة الشمال"، لكن الموت العاجل أوقف طموحاته. وفي القرن الثالث قبل الميلاد، حمل الراية بطليموس الثاني (فيلادلفوس) عام 285 ق.م، فاستكمل حفر القناة لتصل من النيل حتى مدينة "أرسينوي" (السويس حالياً). ولكن، وكالعادة، أهملها البيزنطيون لاحقاً فطمرتها رمال الإهمال.
6. عهد الإمبراطور تراجان (117 م): الشريان الروماني
أثناء الحكم الروماني، أدرك الإمبراطور تراجان أهمية مصر كـ "سلة غلال" للإمبراطورية. فأعاد الملاحة للقناة عام 117 م، وأنشأ فرعاً جديداً للنيل يبدأ من منطقة "فم الخليج" بالقاهرة، وينتهي في منطقة "العباسة" بمحافظة الشرقية، ليتصل بالفرع القديم الموصل للبحيرات المرة. استمرت هذه القناة تنبض بالحياة لمدة 300 عام، قبل أن يطويها النسيان مجدداً.
7. عهد عمرو بن العاص (640 م): خليج أمير المؤمنين
مع إشراقة الفتح الإسلامي لمصر في عهد الخليفة "عمر بن الخطاب"، أراد الوالي عمرو بن العاص توطيد خطوط الإمداد والمواصلات مع شبه الجزيرة العربية (الحجاز). فأعاد حفر القناة وترميمها عام 642 م، لتمتد من "الفسطاط" (العاصمة الجديدة) إلى "القلزم" (السويس). وأطلق عليها اسماً يعكس روح العصر: "خليج أمير المؤمنين". استمرت هذه القناة تؤدي رسالتها العظيمة كشريان للخير والتجارة لمدة تتراوح بين 100 إلى 150 عاماً.
ردم القناة: نهاية حقبة وبداية أخرى
في مشهد يعكس كيف تتدخل السياسة لتغيير معالم الجغرافيا، أصدر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أمراً حاسماً بردم القناة تماماً، وسدها من ناحية السويس. كان الهدف سياسياً وعسكرياً بحتاً: منع وصول أي إمدادات أو مؤن من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الذين ثاروا ضد الحكم العباسي.
بهذا القرار، أُغلق الطريق البحري التاريخي إلى الهند وبلاد الشرق، وعادت البضائع لتُحمل على ظهور الجمال عبر الصحراء القاحلة في قوافل تجارية بطيئة. غطت الرمال مجرى القناة، ودخل الحلم في سبات عميق استمر لأكثر من ألف عام، حتى استيقظ العالم في عام 1820 على محاولات جديدة، أثمرت في النهاية عن تغيير المجرى والفكرة، لتُحفر القناة المباشرة بين البحرين، وتُعرف باسمها الخالد: "قناة السويس".
إضاءة تاريخية: إن تتبع مسار هذه القناة عبر العصور يؤكد أن عبقرية المكان في مصر تفرض نفسها دائماً على صانع القرار، أياً كانت هويته. (اعتمدت هذه المادة التاريخية على توثيقات المهندس سمير قنبر، مع المعالجة الأدبية والتاريخية الشاملة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق