Breaking

26 يناير 2013

تاريخ قناة السويس: من ضياع الأسهم إلى معاهدة القسطنطينية 1888

تاريخ قناة السويس: من نزيف السيادة وفخ الديون إلى معاهدة القسطنطينية 1888

تلك المفارقة التراجيدية العجيبة التي حكمت مصير مصر؛ أن يُحفر في رملها شريان مائي بأيدي أبنائها ودماء فلاحيها، ليكون في النهاية سبباً في سلب سيادتها واحتلال أراضيها. لم تكد تمضي سنوات قليلة على حفل الافتتاح الأسطوري لقناة السويس عام 1869، حتى بدأت الديون التي أثقلت كاهل الدولة المصرية تؤتي ثمارها المرة لصالح القوى الاستعمارية الكبرى، لتدخل القناة في نفق مظلم من الصراع المالي والسياسي الذي انتهى بفقدان مصر لكل حقوقها في الممر الملاحي.

السقوط في فخ الديون: بيع الحلم المصري (1875 - 1880)

في 15 فبراير 1875، استغلت بريطانيا الضائقة المالية الخانقة التي مر بها الخديوي إسماعيل. وتحرك رئيس الوزراء البريطاني الداهية "بنجامين ديزرائيلي" بسرعة لشراء حصة مصر في أسهم القناة. اشترت بريطانيا 176,602 سهماً مصرياً مقابل مبلغ زهيد بلغ 3,976,580 جنيهاً إسترلينياً. كانت هذه الأسهم تمثل 44% من إجمالي أسهم الشركة، وكانت تمنح مصر تاريخياً الحق في الحصول على 31% من مجموع الأرباح. بضربة القلم هذه، وضعت بريطانيا قدمها رسمياً كأكبر مساهم في إدارة القناة.

ولم يتوقف نزيف السيادة الاقتصادية عند هذا الحد؛ ففي 17 أبريل 1880، وتكليلاً للوصاية المالية الأجنبية في عهد الخديوي توفيق، تنازلت الحكومة المصرية للبنك العقاري الفرنسي عن حقها الأصيل في الحصول على 15% من صافي أرباح الشركة (وهي الحصة التي كانت مقررة للحكومة بموجب فرمانات الامتياز) مقابل 22 مليون فرنك فقط. وبذلك، جُرّدت مصر تماماً من أي حقوق مالية في قناتها، وأصبحت الشركة خاضعة بالكامل للسيطرة المالية الثنائية: فرنسا بحصة 56% من الأسهم، وبريطانيا بحصة 44%.

خيانة دي لسبس لعُرابي: كيف أُستغلت القناة لاحتلال مصر؟


المقاومة الباسلة للجيش المصري بقيادة أحمد عرابي في معركة كفر الدوار عام 1882

في عام 1882، اشتعلت الثورة العرابية بقيادة الزعيم الوطني أحمد عرابي دفاعاً عن استقلال مصر ضد التدخل الأجنبي وسلطة الخديوي الموالية للإنجليز. تحرك الجيش البريطاني لغزو مصر، وتصدى لهم عرابي ببسالة في معركة "كفر الدوار" الشهيرة، ملحقاً بالغازي البريطاني هزيمة نكراء أجبرتهم على التراجع والبحث عن منفذ آخر لدخول البلاد.

هنا، فكر عرابي في ردم أجزاء من قناة السويس أو تعطيلها لمنع الأسطول البريطاني من استخدامها كبوابة خلفية لاختراق مصر من الشرق. لكن فرديناند دي لسبس تدخل بخبث، وقدم وعداً قاطعاً ومؤكداً لعرابي بأن القناة ممر ملاحي محايد تماماً بموجب القانون الدولي، وأن بريطانيا لن تجرؤ على انتهاك هذه الحيادية.

وثق عرابي في وعود دي لسبس، وهو الخطأ الاستراتيجي الذي دفع ثمنه الوطن؛ إذ سرعان ما نكث دي لسبس بعهده وتواطأ مع الإنجليز، فدخل الجيش البريطاني القناة دون أدنى مقاومة، ونزل في الإسماعيلية ليلتف حول الجيش المصري ويهزمه في معركة "التل الكبير" في سبتمبر 1882. وبذلك بدأ الاحتلال البريطاني لمصر الذي استمر لأكثر من سبعين عاماً، واستولى الجيش البريطاني على جميع مرافق شركة قناة السويس، وأوقف المرور فيها بشكل مؤقت لحين إحكام قبضته العسكرية.

الطريق الشائك إلى معاهدة دولية (1883 - 1885)

بعد إحكام الاحتلال، وتجنباً لغضب القوى الأوروبية المنافسة (وعلى رأسها فرنسا)، أصدر وزير الخارجية البريطاني اللورد جرانفيل تصريحاً (منشوراً) في 3 يناير 1883 موزعاً على الدول الكبرى. أعلن فيه رغبة بريطانيا الصورية في سحب جيشها من مصر في أقرب فرصة تسمح بها الظروف، واقترح تنظيم وضع ملاحي وقانوني جديد لقناة السويس بموجب اتفاقية دولية تبرم بين الدول الكبرى لضمان حياديتها.

وتحقيقاً لهذا المقترح، اجتمعت لجنة دولية في باريس في 30 مارس 1885 لصياغة وثيقة قانونية تضمن حرية الملاحة في القناة لجميع الدول وفي كل الأوقات (السلم والحرب). ورغم المناقشات الطويلة، تضاربت المصالح الاستعمارية وفشلت اللجنة في التوصل لاتفاق نهائي في ذلك الوقت.

اتفاقية القسطنطينية 1888: الدستور الملاحي للقناة

معاهدة القسطنطينية لعام 1888
وثيقة اتفاقية القسطنطينية المبرمة في 29 أكتوبر 1888 لضمان حرية الملاحة الدولية في القناة

في 29 أكتوبر 1888، تكللت الجهود الدبلوماسية بإبرام الاتفاق التاريخي الشهير في مدينة القسطنطينية (الآستانة). وقعت على المعاهدة القوى العظمى في ذلك العصر: (فرنسا، النمسا والمجر، إسبانيا، إنجلترا، إيطاليا، هولندا، روسيا، وألمانيا، بالاشتراك مع الدولة العثمانية).

وضعت اتفاقية القسطنطينية النظام القانوني النهائي والملزم لقناة السويس، وجاءت مادتها الأولى كدستور صارم ينص على:

"تظل قناة السويس البحرية بصفة دائمة حرة ومفتوحة، في زمن السلم كما في زمن الحرب، لجميع السفن التجارية والحربية دون تمييز بين جنسياتها... ولن تكون القناة خاضعة مطلقاً لاستعمال حق الحصار البحري".

ورغم أن الاتفاقية اعترفت بسيادة مصر الاسمية على القناة (بصفتها تابعة للدولة العثمانية آنذاك)، إلا أنها فرضت التزامات دولية صارمة قيدت الإدارة المصرية لعقود طويلة لصالح الملاحة العالمية المشتركة.

السيادة المستردة: إعلان مصر أمام محكمة العدل الدولية 1957

ظل هذا الإطار القانوني الحاكم للقناة محل احترام وتطبيق تام. وحتى بعد قرار التأميم التاريخي الذي أعلنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1956، وما أعقبه من عدوان ثلاثي وتطهير للمجرى المائي وإعادة افتتاحه للملاحة في مارس 1957؛ أرادت مصر أن تقطع الطريق على كل الشائعات والاتهامات الغربية التي زعمت أن التأميم سيهدد حرية الملاحة.

وارتباطاً بمسألة الاحترام الصارم والمستمر لنصوص اتفاقية القسطنطينية، بعثت مصر في 17 يوليو 1957 برسالة رسمية تاريخية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي. أبلغت فيها الحكومة المصرية المحكمة بقبولها "الولاية الجبرية" للمحكمة طبقاً لأحكام المادة 36 من قانونها الأساسي، وذلك للنظر والفصل في كافة المنازعات القانونية التي قد تنشأ وتتعلق بالمرور والملاحة في قناة السويس. كانت هذه الرسالة بمثابة تأكيد مصري قوي وذكي على الجمع بين استرداد السيادة الكاملة على القناة (كشركة مساهمة مصرية) والالتزام الطوعي بالقوانين والمواثيق الدولية الملزمة لسلامة الملاحة العالمية.

خاتمة: إن قراءة هذه المحطة من تاريخ السويس تكشف لنا كيف تحولت القناة من فخ استعماري سلب مصر سيادتها لقرن من الزمان، إلى رمز للمقاومة واسترداد الحقوق بالدم والسياسة والقانون. (صيغت المادة التاريخية بالاعتماد على مذكرات المهندس سمير حمدي والوثائق الرسمية لهيئة قناة السويس).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق