‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

25 مايو 2026

تطور أبعاد قناة السويس: ملحمة التعميق والتوسيع من 1869 إلى 2026

تطور أبعاد قناة السويس الهندسية: ملحمة التعميق والاتساع عبر الأجيال

تُشبه قناة السويس الكائن الحي الذي لا يتوقف عن النمو؛ فلكي تحافظ على مكانتها كأهم شريان للملاحة الدولية، كان عليها دائماً أن تخوض سباقاً هندسياً حميماً ضد تطور صناعة السفن وحصيلة الحمولات العالمية. لم تكن الأرقام الفنية للقناة يوماً جامدة، بل هي قصة تحول هندسي مذهل قادته سواعد وعقول واجهت تحديات الجغرافيا لتصنع الممر المائي الأكثر كفاءة وأماناً في التاريخ البشري.

أعمال تعميق وتكريك قناة السويس تاريخياً
أعمال التكريك والتعميق المستمرة مثّلت العصب النابض لتاريخ القناة الفني

البدايات المتواضعة: مواصفات حفل الافتتاح عام 1869

عندما تلاقت مياه البحرين في السابع عشر من نوفمبر عام 1869، كانت أبعاد القناة متواضعة للغاية مقارنة بما هي عليه اليوم. كان طول القناة الإجمالي يبلغ 164 كيلومتراً، وعرضها عند مستوى سطح المياه لا يتجاوز 52 متراً، بعمق متواضع بلغ 7.5 أمتار فقط.

في تلك البدايات، كان الحد الأقصى للغاطس المسموح به للسفن العابرة لا يزيد عن 22.5 قدماً. ولأن التكنولوجيا لم تكن قد وفرت سبل الإضاءة والملاحة الحديثة، كانت حركة السفن تتوقف تماماً مع غروب الشمس، لتقتصر الملاحة على ساعات النهار فقط.

ثورة الملاحة الليلية (1887)

استمر الحال على هذا النظام الملاحي النهاري طيلة 18 عاماً متصلة، شكلت ضغطاً كبيراً مع زيادة وتيرة التجارة العالمية. وتحقيقاً لقفزة نوعية، نجحت الإدارة في إدخال نظام الملاحة الليلية لأول مرة في اليوم الأول من مارس عام 1887، مستخدمة كشافات الإضاءة الحديثة، مما ضاعف من القدرة الاستيعابية للقناة وقلل زمن العبور بشكل ملحوظ.

مرحلة ما قبل التأميم: تحديثات الشركة المؤممة (1869 - 1956)

طوال العقود التي سبقت قرار التأميم التاريخي عام 1956، نفذت الشركة العالمية لقناة السويس البحرية برامج تحسين وتطوير متعددة لمجاراة نمو حركة الملاحة وحجم السفن. أثمرت هذه المشروعات المتلاحقة عن نتائج هندسية ملموسة شملت:

  • زيادة عمق القناة تدريجياً ليتجاوز 13.5 أمتار.
  • توسيع قاع المجرى المائي ليرتفع من 22 متراً إلى 42 متراً.
  • مضاعفة مساحة القطاع المائي المتاح لمرور السفن بأكثر من أربعة أضعاف؛ ليرتفع من 304 أمتار مربعة إلى 1250 متراً مربعاً (واستقر عند 1200 متر مربع قبيل التأميم مباشرة).
  • رفع الغاطس المسموح به ليعبر حاجز الـ 35 قدماً.

وقد بلغت التكلفة الإجمالية لهذه التحسينات المتعاقبة ما قيمته 20,500,000 جنيه مصري، وهو ما يعكس حجم الاستثمار الهندسي الضخم الذي وُجه لتحديث القناة وتوسيع ممرها.

مراحل تطور أبعاد قناة السويس الهندسية عبر العقود
رسم بياني وتوضيحي يبرز التطور المستمر لعمق وعرض المقطع المائي لقناة السويس

الريادة المصرية: قفزات التطوير الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين

بعد استرداد مصر لسيادتها الكاملة على القناة إثر معركة السويس 1956، لم يتوقف قطار التطوير؛ بل انطلق بقوة عبر سواعد مصرية خالصة. ومع استئناف الملاحة في يونيو 1975 وتطهير القناة من مخلفات الحروب بنفس أبعادها السابقة، باشرت الهيئة مشروعات توسيعية طموحة لمواجهة الطفرة العالمية في حمولات السفن.

وبحلول عام 2001، حققت الإدارة المصرية طفرة مذهلة في الأبعاد الفنية والهندسية للممر المائي، حيث بلغت أبعاد القناة:

  • الحمولة المسموحة: استيعاب السفن العملاقة بحمولة كاملة تصل إلى 210 آلاف طن.
  • العمق والغاطس المائي: زيادة الغاطس المسموح به ليصل إلى 62 قدماً، ومساحة القطاع المائي إلى 4800 متر مربع.
  • الطول الكلي للمجرى المائي: تمدد ليصل إلى 191.80 كم بفضل القنوات الجانبية والتفريعات الجديدة.
  • هندسة الانحناءات: تمت إعادة تصميم كافة المسارات المنحنية في القناة لزيادة أمان الملاحة، ليصل نصف قطر كل منحنى إلى 5000 متر كحد أدنى.
  • تفريعة بورسعيد الجديدة: حفر ممر يبدأ من الكم 17 جنوب بورسعيد صعوداً للبحر المتوسط شرق بورفؤاد لضمان عبور آمن للسفن الشمالية دون عرقلة حركة الميناء.

واستمرت عمليات التطوير الحثيثة ليرتفع الغاطس المسموح به في عام 2010 إلى 66 قدماً، وهو ما سمح لأول مرة بعبور جميع سفن الصب في العالم، واستيعاب سفن الحاويات العملاقة بحمولات تصل إلى 17 ألف حاوية مكدسة.

آفاق القرن الحادي والعشرين: قناة السويس الجديدة والقطاع الجنوبي (2015 - 2026)

سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس في عهدها الجديد
الجيل الجديد من سفن الحاويات فائقة الضخامة يعبر القناة بأمان تام بفضل مشروعات الازدواج الحديثة

توجت مصر مسيرة التطوير الممتدة بإطلاق مشروع قناة السويس الجديدة عام 2015؛ حيث تم شق مجرى موازٍ بطول 35 كم (من الكم 60 إلى الكم 95)، إلى جانب توسيع وتعميق تفريعات البحيرات الكبرى والبلاح بطول 37 كم، ليصل إجمالي طول المشروع المزدوج إلى 72 كم. هذا المشروع التاريخي نجح في تقليص زمن العبور من 18 ساعة إلى 11 ساعة فقط، ومكن القناة من استقبال الملاحة المزدوجة بمرونة تامة.

تطوير القطاع الجنوبي: مواجهة التحديات وترسيخ الأمان الملاحي

في أعقاب حادثة جنوح السفينة الشهيرة "إيفر غيفن" عام 2021، سارعت الدولة المصرية بإطلاق مشروع هندسي عملاق لتطوير القطاع الجنوبي الاستراتيجي (الذي يمتد لمسافة 30 كم من الكيلومتر 132 إلى الكيلومتر 162).

اكتمل هذا المشروع الضخم وبدأ تشغيله الفعلي رسمياً في فبراير 2025، وحقق قفزة هندسية نوعية تضمنت:

  • توسيع المجرى المائي بمقدار 40 متراً جهة الشرق، مما يقلل بشكل حاسم من تأثير ضغط ضفتي القناة على السفن ذات الغاطس الكبير.
  • تعميق القناة ليصل عمقها وغاطسها إلى 72 قدماً (بدلاً من 66 قدماً)، مما يسمح بعبور أجيال المستقبل من السفن فائقة الضخامة بأمان مطلق.
  • إنجاز مشروع ازدواج القناة في منطقة البحيرات المرة الصغرى بطول 10 كيلومترات (من الكيلومتر 122 إلى الكيلومتر 132)، مما زاد القدرة الاستيعابية للقناة بمعدل 6 إلى 8 سفن يومياً.
  • اعتماد وإصدار الخرائط الملاحية الإلكترونية والورقية الجديدة رسمياً من قبل شعبة المساحة البحرية المصرية والأدميرالية البريطانية في فبراير 2025 لضمان العبور الآمن لكافة السفن العالمية.

تثبت الأرقام الهندسية لقناة السويس، من غاطس 22.5 قدم عام 1869 إلى غاطس 72 قدم وتدشين الازدواج الملاحي الحديث في 2025، أن الإرادة المصرية لا تعرف المستحيل؛ لتظل القناة الاختيار الأول والآمن لحركة التجارة العالمية وصمام أمان الاقتصاد الملاحي الدولي لقرون قادمة.

خاتمة: إن تتبع قصة نمو أبعاد القناة المائية ليس مجرد سرد لمقاييس هندسية، بل هو توثيق للمجهود الحربي والتنموي والسيادي المتواصل لجمهورية مصر العربية لحماية مصالحها ومصالح العالم أجمع. (صيغت المادة بالاستناد إلى مذكرات المهندس سمير حمدي والبيانات الفنية الرسمية الصادرة عن هيئة قناة السويس).


اقرأ المزيد ←

24 مايو 2026

إعادة افتتاح قناة السويس 1975: ملحمة عبور السلام بعد نصر أكتوبر

إعادة افتتاح قناة السويس 1975: ملحمة العبور الثاني وشريان السلام العالمي

عقب عدوان الخامس من يونيو عام 1967، دخلت قناة السويس في بيات شتوي طويل فرضته ظروف الحرب والاحتلال. تحول المجرى المائي الأهم في العالم إلى خط مواجهة عسكري ملتهب، وركدت المياه لثماني سنوات عجاف تكبد فيها الاقتصاد العالمي خسائر فادحة. ولكن، وبفضل الملحمة العسكرية الخالدة في حرب أكتوبر 1973، تحطمت الأوهام الإسرائيلية، وتغيرت موازين القوى، مما مهد الطريق لقرار مصري شجاع يعيد صياغة حركة الملاحة الدولية ويزف بشرى السلام للعالم أجمع.

الرئيس السادات في قناة السويس
الرئيس محمد أنور السادات من فوق يخت القيادة يتابع حركة عبور السفن في القناة

قرار السادات التاريخي: الملاحة رافداً للسلام لا العقاب

في 29 مارس 1975، وقف بطل الحرب والسلام الرئيس محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب ليلقي خطاباً تاريخياً أعلن فيه للعالم قرار إعادة فتح قناة السويس. لم تكن هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية، بل كانت رسالة إنسانية راقية تعبر عن معدن الشعب المصري الأصيل، حيث قال السادات في كلمته المؤثرة:

"إنني لا أريد لشعوب العالم التي تهتم بالقناة معبراً لتجارتها أن تتصور بأن شعب مصر يريد عقابها لذنب لم تقترفه. إنهم جميعاً أيدونا، ونحن نريد قناتنا كما يريدونها طريقاً لازدهارنا. سوف نفتح قناة السويس ونحن قادرون على حمايتها نفس قدرتنا على حماية مدن القناة التي قمنا ونقوم بتعميرها، فلقد مضى ذلك العهد الذي كانت فيه المسافات حائلاً دون العدوان".

الخامس من يونيو 1975: يوم عانقت فيه مصر مياه البحرين مجدداً

في مفارقة تاريخية مقصودة، اختار السادات يوم الخامس من يونيو عام 1975 ليكون موعداً لإعادة الافتتاح؛ ليحول ذكرى النكسة الأليمة إلى يوم للنصر والسلام والازدهار العالمي. وفي خطابه الأسطوري في ذلك اليوم المشهود، وجّه السادات رسالة وفاء لأصحاب الحق الحقيقيين قائلاً:

"أعلن لابن هذه الأرض الطيبة الذي شق القناة بعرقه ودموعه، همزة للوصل بين القارات والحضارات، وعبرها بأرواح شهدائه الأبرار لينشر السلام والأمان على ضفافها، يعيد فتحها اليوم للملاحة من جديد، رافداً للسلام وشرياناً للازدهار والتعاون بين البشر".

حفل إعادة افتتاح قناة السويس 1975
المهرجان الأسطوري والمسيرة البحرية المهيبة لإعادة افتتاح القناة بحضور دولي حاشد

عقب إلقاء الخطاب، صعد الرئيس السادات في أبهى حُلّة عسكرية على ظهر المدمرة المصرية "6 أكتوبر" ليبدأ بها أول رحلة رسمية عبر القناة المطهّرة. وسارت خلفها قافلة بحرية تاريخية تليق بالحدث، ترتبت كالتالي:

  • تتقدم القافلة كاسحتا ألغام لتأمين الممر الملاحي.
  • تتبعها المدمرة "6 أكتوبر" التي تحمل على متنها الرئيس السادات وضيوفه.
  • يليها اليخت الملكي الشهير "الحرية" (الذي شهد حفل الافتتاح الأول عام 1869).
  • سفينة القيادة بالأسطول السادس الأمريكي "ليتل روك" (تأكيداً على التعاون الدولي في تطهير القناة).
  • السفينتان المصريتان "سوريا" و"عايدة".
  • لنشات عسكرية والقاطرة العملاقة "مارد".
  • وفي نهاية القافلة، ثلاث سفن حربية، تتبعها السفينة القطرية "غزل".

وعند وصول القافلة الميمونة إلى مدينة الإسماعيلية، توجه الرئيس السادات مباشرة إلى مبنى الإرشاد التاريخي، ليزيح الستار عن اللوحة التذكارية بمدخل المبنى، مدشناً عصراً جديداً من الملاحة والسيادة المصرية.

عصر العمالقة يتجدد: عبور الناقلة "إسوسكانديا"

لم يمضِ عام واحد على إعادة الافتتاح، حتى بدأت القناة في تسجيل أرقام قياسية غير مسبوقة تؤكد كفاءتها الفنية العالية وعودتها القوية لخدمة حركة الشحن الثقيل. ففي 31 أكتوبر 1976، شهدت مياه القناة عبور ناقلة البترول الليبيرية العملاقة "إسوسكانديا" (Essoscandia) فارغة.

كانت هذه السفينة بمثابة ديناصور بحري يجسد الجيل الجديد من الناقلات الكبرى؛ إذ تبلغ حمولتها القصوى 254 ألف طن، وطولها 348.5 متراً، وعرضها 51.90 متراً، بغاطس كلي يبلغ 65.60 قدماً (عبرت القناة فارغة بغاطس 28 قدماً فقط). وسجلت الدفاتر الملاحية هذه الناقلة كأكبر سفينة على الإطلاق تجتاز مياه القناة منذ حفرها وافتتاحها الأول عام 1869.

هندسة التطوير: تفريعات التمساح وبورسعيد وتوسيع المجرى المزدوج

مرور السفن والناقلات الحديثة في تفريعات القناة
تطوير تفريعات قناة السويس سمح بمرور مزدوج آمن وسلس لأضخم حاويات الشحن العالمية

مع تزايد حركة الملاحة العالمية، باشرت هيئة قناة السويس تنفيذ مشروعات هندسية عملاقة لتفادي الاختناقات الملاحية وتسيير الحركة في اتجاهين، وجاءت مشروعات التطوير الكبرى كالتالي:

1. تفريعة التمساح (1979)

شهد يوم 22 فبراير 1979 وضع ضربة الفأس الأولى لحفر "تفريعة التمساح" الكبرى. بدأت هذه التفريعة من الكيلومتر 76.6 إلى الكيلومتر 81.7، بطول إجمالي بلغ 5.1 كيلومتر. وتم افتتاحها رسمياً عام 1980، لتسهم وقتها، مع التفريعات الأخرى، في تحقيق ازدواج المجرى الملاحي في مسافة بلغت 68 كيلومتراً من إجمالي طول المجرى البالغ آنذاك 179 كيلومتراً من بورسعيد حتى بورتوفيق في السويس.

2. تفريعة بورسعيد الاستراتيجية (1980)

وفي 19 مارس 1980، احتفلت هيئة قناة السويس ومصر بأسرها بحدث هندسي ضخم، وهو اتصال "تفريعة بورسعيد الجديدة" بمياه البحر الأبيض المتوسط مباشرة. بدأت هذه التفريعة الهامة من الكيلومتر 17 لتلتقي بالمجرى القديم للقناة عند بوغاز بورسعيد عند الكيلومتر 95، ممتدة حتى الكيلومتر 195 ليزيد طولها النهائي عن 36.5 كيلومتر.

كان الهدف الاستراتيجي من هذه التفريعة العبقرية هو تسهيل دخول وخروج السفن والناقلات العملاقة مباشرة من وإلى القناة، دون إعاقة حركة الملاحة أو التسبب في تكدس وتوقف حركة السفن داخل ميناء بورسعيد التجاري العتيق.

خاتمة: إن إعادة افتتاح القناة وتطويرها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم يكن مجرد نجاح ملاحي، بل كان تأكيداً متجدداً على أن قناة السويس ستبقى دائماً رمزاً للسيادة المصرية، وشرياناً للسلام الدولي تصنعه وتبنيه عقول وسواعد هذا الشعب الأبي. (صيغت المادة بالاعتماد على التوثيقات التاريخية للمهندس سمير حمدي وأرشيف هيئة قناة السويس).


اقرأ المزيد ←

23 مايو 2026

تأميم قناة السويس 1956: ملحمة استرداد السيادة وعصر العمالقة الملاحي

تأميم قناة السويس 1956: ملحمة الكرامة الوطنية وعودة الشريان لأصحابه

في مساء السادس والعشرين من يوليو عام 1956، ومن فوق منبر ميدان المنشية بالإسكندرية، صدح صوت الرئيس جمال عبد الناصر ليعلن قراراً زلزل عواصم الاستعمار القديم وأعاد كتابة تاريخ الشرق الأوسط: تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية. لم يكن هذا القرار مجرد مناورة سياسية أو رد فعل عابر على سحب تمويل السد العالي من قِبل القوى الغربية والبنك الدولي، بل كان إعلاناً كاشفاً لسيادة مصر الكاملة على ترابها الوطني، وتصحيحاً لخطأ تاريخي سلب البلاد ثرواتها لقرابة قرن من الزمان.

الرئيس جمال عبد الناصر يلقي خطاب التأميم
الرئيس جمال عبد الناصر معلناً قرار تأميم قناة السويس التاريخي لإعادة الحقوق لأصحابها

قانون التأميم: الالتزام القانوني والوفاء بالحقوق المادية

نصت المادة الأولى من قرار التأميم بوضوح على نقل جميع أموال وحقوق الشركة المؤممة وما عليها من التزامات إلى الدولة المصرية، وحلّ كافة الهيئات واللجان التي كانت قائمة على إدارتها. وتعهدت الدولة بتعويض المساهمين وحملة حصص التأسيس بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق لتاريخ العمل بالقانون في بورصة الأوراق المالية بباريس.

وبالفعل، ورغم محاولات التشكيك الغربية، أوفت الدولة المصرية بكافة التزاماتها المالية بكل شرف وأمانة؛ فمع حلول الأول من يناير عام 1963، كانت مصر قد سددت كامل التعويضات المقررة لمساهمي الشركة المؤممة قبل تاريخ استحقاقها الفعلي بسنة كاملة. وبلغت جملة هذه التعويضات 28,300,000 جنيه مصري (قيمة 800,000 سهم) سُددت بالكامل بالعملة الصعبة، لتثبت مصر للعالم زيف الادعاءات الاستعمارية وتؤكد احترامها الكامل للالتزامات الدولية.

المعركة الدبلوماسية: عبقرية الدكتور محمود فوزي في الأمم المتحدة

خاضت الدبلوماسية المصرية معركة شرسة لتفنيد الأسانيد الغربية التي حاولت النيل من شرعية التأميم. وفي الثامن من أكتوبر عام 1956، وقف وزير الخارجية المصري القدير الدكتور محمود فوزي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليلقي خطاباً تاريخياً مفصلاً، فنّد فيه كافة الادعاءات الاستعمارية مستنداً إلى ركيزتين قانونيتين:

  • الحق السيادي للدول: أكد أن لكل دولة مستقلة الحق المطلق في تأميم أي هيئة تخضع لسيادتها فوق أراضيها، مستشهداً بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 626 الصادر في 21 ديسمبر 1952، والذي يقر بحق الدول في استغلال موارد ثرواتها لرفاهية شعوبها طبقاً لمبادئ الميثاق.
  • مصرية الشركة قانوناً: أوضح أن المادة 16 من الاتفاق المبرم بين الحكومة المصرية والشركة في 22 فبراير 1866 تنص بوضوح على أن "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية هي شركة مساهمة مصرية تخضع لقوانين البلاد وعرفها". والمفارقة الكبرى التي كشفها فوزي هي أن الحكومة البريطانية نفسها كانت قد اعترفت بهذه الحقيقة ودافعت عنها أمام المحاكم المختلطة في 12 أبريل 1939 في قضية الوفاء بالذهب الشهيرة.

وفي ختام خطابه، أعلن تمسك مصر بسيادتها الكاملة على أرضها واحترامها في الوقت ذاته لاتفاقية القسطنطينية لعام 1888، واستعدادها التام للتفاوض للوصول إلى حلول سلمية تحفظ سلامة الملاحة.

مؤامرة المرشدين: حين سطر المصريون ملحمة التحدي

أمام الفشل الدبلوماسي، لجأت القوى الاستعمارية إلى سلاح الخنق الاقتصادي؛ ففي منتصف سبتمبر 1956، سحبت بريطانيا وفرنسا المرشدين والفنيين الأجانب العاملين في القناة بشكل جماعي ومفاجئ، بهدف شل حركة الملاحة وإحراج الإدارة المصرية الوليدة أمام المجتمع الدولي وإثبات عدم قدرة المصريين على إدارة هذا الشريان العالمي المعقد.

مانشيت جريدة الأهرام عن تأميم قناة السويس
الصفحة الرئيسية لجريدة الأهرام تعكس الفخر الشعبي بنجاح الإدارة المصرية في تسيير الملاحة

لكن روح التحدي المصرية صنعت المعجزة؛ إذ نجح المرشدون المصريون، بمعاونة زملائهم من الدول الصديقة، في قيادة السفن بانتظام مذهل بعد يومين فقط من المؤامرة. وعبرت القناة أعداد هائلة من السفن بنجاح باهر:

  • في 16 سبتمبر: عبرت 36 سفينة.
  • في 17 سبتمبر: عبرت 35 سفينة.
  • في 18 سبتمبر: عبرت 32 سفينة.
  • في 19 سبتمبر: عبرت 34 سفينة.

وفي 18 سبتمبر 1956، استقبلت الإسماعيلية خمسين من كبار المراسلين الأجانب الذين عاينوا بأنفسهم دقة النظام الملاحي المصري. وفي اليوم التالي، تزينت الصفحات الأولى للصحف المصرية، وعلى رأسها الأهرام، بالمانشيت الشهير: "إعجاب الصحفيين الأجانب بنظام الملاحة في القناة.. بعد أن شاهدوا قوافل السفن تمر في سلام".

حتى الصحافة الغربية وقفت مذهولة أمام هذا النجاح المصرى؛ حيث نشرت مجلة "تايم" الأمريكية في أول أكتوبر 1956 مقالاً تحت عنوان "تحت ظل الإدارة الجديدة" كتبت فيه: "بعد ثمانية أسابيع من تأميم القناة، وبعد أسبوع واحد من انسحاب ثلثي مرشديها، يبدو أن ناصر برّ بما كان يفخر به؛ فقد مرت منذ التأميم 2432 سفينة بسلام وأمان، منها 301 سفينة عقب الانسحاب الجماعي للمرشدين الأجانب".

العدوان الثلاثي: معركة السويس التي دفنت عصر الاستعمار

قاد هذا النجاح المصري الساحق القوى الاستعمارية الموتورة (بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل) إلى شن عدوان عسكري غاشم على مصر، استمر من 31 أكتوبر إلى 22 ديسمبر 1956. ورغم أن العدوان تسبب في إغلاق القناة مؤقتاً بسبب السفن التي غُرقت فيها، إلا أن المقاومة الباسلة لشعب مصر وجيشها على ضفاف القناة وفي بورسعيد حولت الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي وتاريخي مجيد في 23 ديسمبر 1956.

لقد كانت "معركة السويس المجيدة" بمثابة المسمار الأخير في نعش عصر الاستعمار القديم، ودشنت بلا جدال حقبة التحرير الوطني والاستقلال لدول العالم الثالث بأسره. وبنفس عزيمة البناء، استُؤنفت الملاحة في القناة في 29 مارس 1957 بعد نجاح السواعد المصرية في انتشال السفن الغارقة وتطهير المجرى الملاحي بالكامل.

مشروعات التطوير وعصر ناقلات البترول العملاقة

بعد عودة الملاحة، لم تكتفِ مصر بإدارة المجرى الملاحي بل خططت لتطويره جذرياً؛ ففي الأول من يناير 1958، بدأت هيئة قناة السويس في تنفيذ المرحلة الأولى من "مشروع ناصر للتطوير". كان الهدف زيادة القطاع المائي للقناة من 1250 متراً مربعاً إلى 1800 متر مربع، وزيادة الغاطس المسموح به للسفن العابرة من 35 قدماً إلى 37 قدماً. وشهد هذا العام تدعيم أسطول الكراكات بالكراكة الماصة "15 سبتمبر" وشقيقتها "26 يوليو".

وتسارعت وتيرة العمل حتى انتهت المرحلة الأولى من المشروع في 30 أبريل 1961، والمرحلة الثانية في أول سبتمبر 1961، ليتوج هذا العام بوضع حجر الأساس لترسانة هيئة قناة السويس البحرية الكبرى في ديسمبر 1961.

توالي عبور العمالقة التاريخيين تحت الإدارة المصرية

أثبتت الإدارة المصرية جدارتها الفنية المطلقة باستقبال وتسيير أضخم السفن والناقلات العالمية التي لم يكن مسموحاً لها بالعبور من قبل، وسجلت الدفاتر الملاحية عبور عمالقة البحار:

  • ناقلة البترول الأمريكية "مانهاتن" (13 مارس 1962): أضخم سفينة تعبر القناة منذ إنشائها حتى ذلك الوقت، بحمولة قصوى بلغت 106,500 طن، وطول 286.7 متراً، وعرض 40.2 متراً، وغاطس أقصى بلغ 15.05 متراً، وكانت تضارع في ارتفاعها عمارة سكنية ذات عشرة طوابق.
  • الناقلة النرويجية "برج هس" (8 أكتوبر 1962): احتفلت الهيئة بعمرها كونها السفينة المائة ألف التي تعبر القناة منذ التأميم. بلغ طولها 194 متراً، وعرضها 26 متراً، وحمولتها الكلية 20,990 طناً.
  • انضمام الكراكة العملاقة "خوفو" (14 أبريل 1964): كراكة ماصة طاردة ذات حفار، بُنيت لحساب الهيئة في اسكتلندا بقوة آلات بلغت 8,500 حصان، ولديها القدرة على تفتيت الصخور حتى عمق 21 متراً وطرد الأتربة لمسافة 3.5 كيلومتر، وبلغ ثمنها آنذاك مليون ونصف مليون جنيه.
  • الناقلة البريطانية "بريتش أدميرال" (8 مايو 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 111,274 طناً.
  • الناقلة البريطانية "بريتش أرجوزي" (17 يوليو 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 112,786 طناً.
  • الناقلة السويدية "سي سبريت" (27 يوليو 1966): عبرت بحمولة بلغت 119,400 طن.
  • الناقلة النرويجية العملاقة "برجهافن" (27 أكتوبر 1966): سجلت رقماً قياسياً جديداً كأضخم سفينة تعبر القناة بحمولة بلغت 153,511 طناً، وطول 278.9 متراً، وعرض 44.2 متراً. ولم تسمح الهيئة بعبورها إلا بعد إجراء تجارب علمية دقيقة على نموذج مصغر لها في معمل الأبحاث بالإسماعيلية تكللت بالنجاح التام.
  • الناقلة السويدية "سي سبراي" (26 نوفمبر 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 116,250 طناً.

خاتمة الفصل: إن هذا التطور الهائل والقدرة الاستثنائية على إدارة وتطوير القناة أثبتا للعالم أجمع أن السواعد المصرية التي حفرت القناة بالدم والدموع بالأمس، هي ذاتها القادرة على قيادتها وتطويرها بأحدث الأساليب العلمية والهندسية لتظل دوماً فخراً للوطن وشرياناً للعالم. (اعتمدت المادة على مذكرات المهندس سمير حمدي وأرشيف الصحافة المصرية التاريخي).


اقرأ المزيد ←

14 أبريل 2025

سالومي ورقصة الأوشحة السبعة: مأساة استشهاد النبي يحيى عليه السلام

سالومي ورقصة الأوشحة السبعة: المأساة الدموية لاستشهاد النبي يحيى عليه السلام

سالومي ورقصة سبعة الأوشحة: مذبحة رأس النبي يحيى
لوحة تشكيلية كلاسيكية تجسد رقصة سالومي الفاتنة التي تسببت في مأساة قطع رأس النبي يحيى

في أشد لحظات التاريخ الديني والسياسي قتامة، تتشابك خيوط الشهوة والطموح العارم والدماء لتصنع مأساة تظل أصداؤها تتردد عبر القرون. إنها قصة استشهاد النبي يحيى بن زكريا عليه السلام (المعروف في العهد الجديد بـ "يوحنا المعمدان")، وهي الملحمة التي ارتبطت فصولها الأخيرة بالرقصة الأكثر شهرة ودموية في التاريخ: "رقصة الأوشحة السبعة". بين أسوار قلعة "مكاور" الموحشة في الأردن، وقصور دمشق العتيقة، سُطرت واحدة من أفظع جرائم الطغيان ضد أنبياء الله.

الجذور الأولى: زكريا والنشأة المباركة في محراب القدس

بدأت فصول هذه الرواية الإلهية في بيت المقدس، حيث كان النبي زكريا عليه السلام يخدم الهيكل المقدس كأحد كبار الكهنة والأنبياء. عاش زكريا وعقيلته "إليصابات" (أشياع بنت عمران) عمراً طويلاً دون ولد، حتى بلغا من الكبر عتياً وكانت زوجته عاقراً. وفي لحظة ضراعة يائسة إلا من رحمة الله، تزلزلت المحاريب بالبشرى الإلهية: ولادة "يحيى"، النبي الذي أوتى الحكم صبياً، ليكون سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين.

في ذات المحاريب الطاهرة، كان زكريا يكفل مريم بنت عمران، ابنة خالة يحيى (على قول الجمهور). نشأت مريم في بيئة تقية طاهرة، تتلقى طعامها غيباً من السماء، حتى جاءها الروح الأمين (جبريل عليه السلام) ليبشرها بميلاد المسيح عيسى عليه السلام، الكلمة الإلهية التي أُلقيت إليها ليكون مخلصاً لبني إسرائيل.

يوحنا المعمدان: زهد الصحراء وصوت الحق العاري

نشأ يحيى عليه السلام طاهراً زاهداً، متفرداً في ورعه. هجر ملاذ الدنيا وعاش في البراري والجبال، يقتات على العسل البري ويرتدي خشن الصوف. بدأ دعوته في ربوع فلسطين والأردن، داعياً بني إسرائيل للتوبة والرجوع إلى شريعة موسى، وكان يجمع الناس عند نهر الأردن ليغسل ذنوبهم بالماء، وهو الطقس الذي عُرف بـ "المعمودية"، فلقبه أهل الكتاب بـ "يوحنا المعمدان".

كان يحيى بمثابة الضمير الحي للأمة، صوتاً صارخاً بالحق في وجه الفساد والظلم والتحلل الأخلاقي الذي أصاب حكام عصره.

هيرودس وهيروديا: زواج الدم والشهوة المحرمة

في تلك الأثناء، كان حاكم المقاطعة هو الملك "هيرودس" (وفي بعض الروايات التراثية هداد بن هداد ملك دمشق). كان طاغية مستبداً، أسير شهواته وطموحاته السياسية. وقع هيرودس في حب امرأة فاتنة متعطشة للسلطة تُدعى "هيروديا" (أريل ملكة صيدا). لم تكن هيروديا سوى زوجة شقيقه "فيليبس" الذي كان لا يزال على قيد الحياة، وكان الزواج منها يمثل انتهاكاً صارخاً للشريعة اليهودية والموسوية.

وقف النبي يحيى عليه السلام كالطود العظيم في وجه هذا الزواج الفاسد، معلناً حرمته بملء فيه، ورافضاً إسباغ أي شرعية دينية على رغبة الملك وهيروديا. أثار هذا الموقف غضب الملك، وأشعل نيران الحقد الأسود في قلب هيروديا التي أدركت أن وجود يحيى يهدد عرشها ومكانتها.

رقصة الأوشحة السبعة: الخديعة الكبرى في ليلة حمراء

تحينت هيروديا الفرصة المناسبة للتخلص من النبي الكريم. وفي يوم ميلاد الملك هيرودس، أُقيم حفل باذخ جُمع فيه أشراف الدولة وكبار القادة. وتحت تأثير الخمر والموسيقى، دفعت هيروديا بابنتها "سالومي" (ابنة أخ الملك وزوجته الفاجرة) لتؤدي رقصة مغوية أمام الملك والضيوف.

كانت سالومي تؤدي رقصتها الشهيرة بسبعة أوشحة، تسقطها واحداً تلو الآخر مع تصاعد أنغام الموسيقى حتى تكشفت تماماً أمام الحاضرين. سحرت الرقصة لبّ الملك وطيرت عقله، فقسم أمام الجميع بعهد غليظ لا رجعة فيه: "سليني ما تشائين، وسأعطيكِ إياه ولو كان نصف مملكتي".

ذهبت الفتاة تستشير أمها الحاقدة، فأملت عليها الطلب البشع الذي لطخ التاريخ بالدم والدموع: "أريد رأس يحيى بن زكريا على طبق من فضة".

شعر هيرودس بالخوف والندم؛ فقد كان يخشى غضب الشعب وهيبة يحيى الروحية، لكن قسمه المتهور أمام كبراء دولته كبّل يديه. أمر جلاده بتنفيذ الرغبة الآثمة، فتسلل الجلاد إلى محراب النبي يحيى وهو قائم يصلي بين يدي ربه، وقطع رأسه الشريفة.

"حملت سالومي الطبق الفضي الذي يحمل رأس النبي يحيى يقطر دماً، وقدمته لأمها الفاجرة. ويُقال إن الرأس الشريف ظل ينطق بكلمات الحق حتى وهو في الطست: لا تحل لك.. لا تحل لك."

الروايات الإسلامية ومصادر التراث: تفاصيل مذهلة ونهايات مأساوية

يزخر التراث الإسلامي وتفاسير المفسرين (مثل ابن كثير وابن عساكر) بتفاصيل مثيرة وعجيبة حول ملحمة مقتل يحيى ووالده زكريا عليهما السلام، ومن أبرز هذه الروايات:

1. حديث الإسراء المنكر والموعظة الغريبة:

روى الحافظ إسحاق بن بشر في كتابه "المبتدأ" أثراً عن ابن عباس (وهو حديث غريب منكر الرفع عند المحدثين والجمهور) يروي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي زكريا ليلة الإسراء والمعراج وسأله عن كيفية قتله وقتل ابنه يحيى. ويروي الأثر أن زكريا قال:

"يا محمد، إن يحيى كان خير أهل زمانه وأجملهم وجهاً، سيداً وحصوراً لا يحتاج النساء. فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغياً، فعصمه الله وامتنع عنها. وفي يوم عيد للملك، طلبت دم يحيى فوهبه لها، وذُبح في محرابه وهو يصلي. فلما علم بنو إسرائيل بغضب إله زكريا، خرجوا يطلبونني لقتلي، فهربت منهم وتصدعت لي شجرة فدخلت فيها، وجاء إبليس فأمسك بطرف ردائي خارج الشجرة ليدلهم عليّ، فشقوني مع الشجرة بالمنشار شقاً، ولم أجد ألماً لأن الله جعل روحي في الشجرة".

وقد علق الحفاظ على هذا الأثر بأنه سياق غريب جداً ولم يصح في أحاديث الإسراء المعتمدة سوى رؤية يحيى وعيسى عليهما السلام ابني الخالة في السماء الثانية.

2. الدم الذي يغلي ونبوءة بختنصر بدمشق:

روى الحافظ ابن عساكر بإسناد صحيح إلى التابعي الجليل سعيد بن المسيب، أن القائد البابلي "بختنصر" (نبوخذ نصر) دخل دمشق (أو بيت المقدس على رواية أخرى) فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي ويفور على الصخرة ولا يسكن. فسأل عنه فأخبروه بقصة قتله ظلماً، فقتل على دمه سبعين ألفاً من بني إسرائيل حتى سكن الدم وهدأ فورانه. وقيل إن الذي وقف على الدم وقال له: "أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله" هو النبي "أرميا" عليه السلام، فهدأ السيف وسكن الدم.

3. معجزة الرأس الشريف في بناء المسجد الأموي بدمشق:

ذكر الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد، قال: "رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق (المسجد الأموي في عهد الوليد بن عبد الملك)، أُخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب من جهة الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله كأنه قُتل الساعة لم يتغير". وجُعل الرأس الشريف تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة، وهو الموضع الذي يُزار فيه مقامه حتى يومنا هذا داخل المسجد الأموي.

4. الخسف الإلهي العاجل بالطغاة:

تروي بعض المصادر التراثية نهاية مرعبة ومباشرة لقاتلي يحيى؛ إذ يروى عن قسيم مولى معاوية أن سالومي حين أخذت طبق الدم وحملته فوق رأسها لتقدمه لأمها، انشقت الأرض وخسفت بها حتى قدميها، ثم إلى وسطها، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن، حتى خسف بها إلى منكبيها، فأمرت أمها السياف بضرب عنقها لتتسلى برأسها، فضرب عنقها ولفظت الأرض بقية جثتها، ليلقى القاتلون الخزي والفناء العاجل في الدنيا قبل الآخرة.

خاتمة: الجسد يفنى وصوت الحق لا يموت

رحل النبي يحيى عليه السلام شهيداً للحق والفضيلة، ودفن تلاميذه جسده الطاهر بإكرام وإجلال. سقطت الأوشحة السبعة لتعري شهوة الطغيان الزائلة، وبقي رأس يحيى رمزاً للكلمة الشجاعة التي لا تنحني أمام بطش الملوك وصخب السكارى. إن مأساة استشهاد يحيى بن زكريا تظل الدرس الأبدي في صراع الحق والباطل؛ حيث يفنى الطغاة في مزابل التاريخ، ويبقى الأنبياء والصالحون منارات هدى تضيء دروب البشرية.


اقرأ المزيد ←

13 أبريل 2025

قائمة الأوبئة التي انتشرت بمصر قبل فيروس كورونا (كوفيد-19)

قائمة الأوبئة التي انتشرت بمصر قبل فيروس كورونا (كوفيد-19)

قائمة الأوبئة التي انتشرت بمصر قبل فيروس كورونا (كوفيد-19)

على مر تاريخ مصر الطويل والعريق، فقد ضربت أوبئة وأمراض معدية انتشرت وحصدت آلاف الأرواح، وخصوصًا في الأزمنة ما قبل التكنولوجيا والتقدم الطبي. ورغم أن التقدم التكنولوجي الحالي أسهم في تنبيه الشعوب بانتشار جائحة أو مرض معدي خطير، مثلما حدث في فيروس كورونا (كوفيد-19)، إلا أنه لم يسهم في تطبيق عملية رفع الوعي لدى جمهور الناس بشكل سريع.

فيروس كورونا

كانت مثل هذه التجربة الاجتماعية العالمية الأخيرة دليلًا واضحًا على انتشار الوعي الاجتماعي والمجتمعي، حيث تم قبول القرارات التي تصدرها الهيئات الطبية أو الوزارات المختصة. وقد شهد المجتمع العربي تحديات في تقبل القرارات أولاً بسبب تأثير الإعلام، والذي ساهم في غياب الوعي والتوجيه السليم.

فيما يلي قائمة بالأوبئة التي ضربت مصر على مر تاريخها:

السنة الوباء عدد الضحايا وسيط العدوى
426-429 قبل الميلاد طاعون أثينا 75 ألف عالميًا البراغيث
1346-1353 الموت الأسود (الطاعون الثاني) 75-200 مليون عالميًا البراغيث
1510 إنفلونزا غير معروف الهواء، العطس والسعال
1609 طاعون 1 مليون عالميًا البراغيث
1801 طاعون غير معروف البراغيث
1812 طاعون غير معروف البراغيث
1831 كوليرا غير معروف المياه
1834-1836 طاعون دبلي غير معروف البراغيث
1847 إنفلونزا غير معروف الهواء، العطس والسعال
1848 كوليرا غير معروف المياه

ورغم هذا التاريخ العريق، فإن مصر واجهت العديد من الأوبئة التي أودت بحياة الكثيرين، ومن بينها إنفلونزا 1918، الذي حصد أرواح 75 مليون شخص عالميًا.

ملاريا

ومن الأوبئة الحديثة، نجد فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) الذي أودى بحياة 25 مليون شخص عالميًا، وكذلك إنفلونزا الخنازير في 2009، الذي أسفر عن وفاة ما بين 200-600 ألف شخص في جميع أنحاء العالم.

المراجع:
- Arielle Kozloff, "Bubonic Plague in the Reign of Amenhotep III?" KMT, 17, 3 (Fall 2006), pp. 36-46
- Kuhnke, Laverne. Lives at Risk: Public Health in Nineteenth-Century Egypt. ark.cdlib.org
- Gallagher, Nancy. Egypt's Other Wars: Epidemics and the Politics of Public Health. Syracuse University Press, c1990.


اقرأ المزيد ←

12 أبريل 2025

قناة السويس: حكاية الحفر والتحدي والإرادة

قناة السويس: حكاية الحفر والتحدي والإرادة

بدء حفر قناة السويس

اللحظة التاريخية التي انطلقت فيها فكرة ربط البحرين — من قلب الصحراء خرج أعظم مشروع مائي في التاريخ

في 25 أبريل 1859، انطلقت واحدة من أعظم المشاريع في التاريخ الحديث: بدء حفر قناة السويس. من مدينة بورسعيد، وفي حفل بسيط شهد حضور مسيو دي لسبس و100 عامل من دمياط، ضُرب أول معول في الأرض ليعلن انطلاق الحفر في المشروع العملاق الذي سيغيّر خريطة التجارة العالمية.

بداية محفوفة بالمعارضة والتحديات

لم تكن البداية سهلة، فقد واجه المشروع معارضة من إنجلترا والسلطان العثماني، ما أدى إلى توقف العمل لفترة. لكن بفضل تدخل الإمبراطورة أوجيني، استؤنف الحفر في 30 نوفمبر 1859.

العمالة في المشروع

ارتفع عدد العمال المصريين إلى 330، مقارنة بـ80 عاملًا أجنبيًا، وتم الاستغناء عن الأجانب لاحقًا بسبب ارتفاع أجورهم واختلاف العادات. وفي عام 1860، ارتفع العدد إلى 1700 عامل، مما تطلّب جلب مزيد من العمال من بحيرة المنزلة، وبدأت أزمة نقص مياه الشرب التي رافقت المشروع طويلًا.

التحول نحو بناء البنية التحتية

في عام 1861، تم تطوير ميناء بورسعيد، وبُنيت منارة للإرشاد وكوبري لتفريغ الشحنات، كما أُنشئت ورش ميكانيكية ومصنع للطوب. ومع استمرار مشكلة المياه، تم التعاقد مع محمد الجيار لنقل المياه من المطرية.

مشاريع موازية لإنجاح الحفر

في أبريل 1861، زار الخديوي سعيد بورسعيد وأشاد بالتقدم، مما أدى إلى إرسال 3000 عامل لحفر ترعة المياه العذبة من القصاصين إلى نفيشة، والتي وصلت مياهها إلى بحيرة التمساح في 23 يناير 1863.

ولادة مدينة الإسماعيلية

في أواخر 1861، قرر الخديوي إسماعيل إنشاء مدينة الإسماعيلية، وطلب دي لسبس زيادة العمال إلى 25,000 شهريًا رغم تدني أجورهم. وفي 18 نوفمبر 1862، تم الانتهاء من القناة المصغّرة التي أوصلت مياه المتوسط إلى بحيرة التمساح.

نضال مستمر رغم الأوبئة

تفشّت الأوبئة مثل الكوليرا (1865) والجدري (1866)، إلا أن المشروع لم يتوقف. وفي 18 مارس 1869، وصلت مياه المتوسط إلى بحيرات مُرّة، ثم تم في 15 أغسطس ضرب الفأس الأخير الذي أكمل الحفر وربط البحرين في الشلوفة.

تكاليف المشروع وأثره التاريخي

تم استخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال، بتكلفة بلغت 369 مليون فرنك فرنسي. شارك في الحفر أكثر من مليون عامل، وبلغت الخسائر البشرية نحو 125 ألف عامل. بلغ طول القناة 165 كم، وعرضها 190 مترًا، وعمقها 58 قدمًا.

خلاصة تاريخ قناة السويس

إن تاريخ قناة السويس ليس مجرد سرد لوقائع حفر قناة مائية، بل قصة ملحمية من التحديات والإنجازات. من مدينة بورسعيد إلى السويس، ومن فأس دي لسبس إلى آخر فأس في الشلوفة، تحوّل الحلم إلى حقيقة، وصارت القناة واحدة من أعظم إنجازات الهندسة المدنية التي غيّرت مسار التجارة بين الشرق والغرب.


اقرأ المزيد ←

06 مارس 2019

معركة السوم 1916: ملحمة الخنادق الأكثر دموية في الحرب العالمية الأولى

معركة السوم 1916: ملحمة الطين والحديد والدماء في حرب الاستنزاف الكبرى

في صيف عام 1916، تحولت ضفاف نهر السوم الهادئ في شمال فرنسا إلى مسرح لأكثر المآسي البشرية ترويعاً في التاريخ العسكري. لم تكن معركة السوم، التي دارت فصولها الدامية في الفترة من 1 يوليو إلى 18 نوفمبر 1916، مجرد مواجهة تكتيكية عابرة بين قوات الحلفاء والجيش الألماني، بل كانت تجسيداً صارخاً لجنون "الحرب الشاملة" وصراع الخنادق الذي التهم أرواح جيل كامل من شباب أوروبا. لقد سُجلت هذه المعركة في الضمير الإنساني كواحدة من أدمى المعارك العسكرية التي عُرفت على الإطلاق، حيث ارتوت حقول فرنسا بدماء أكثر من 1.5 مليون مصاب وقتيل من الطرفين.


جنود الحلفاء في خنادق السوم الموحلة وسط دمار شامل خلفته المدافع الثقيلة

مؤتمر شانتيلي: كيف خُطط للملحمة في الغرف الفارهة؟

ولدت فكرة الهجوم الكبير على نهر السوم من رحم النقاشات الاستراتيجية الرفيعة التي خاضها الحلفاء في قصر شانتيلي بفرنسا في ديسمبر من عام 1915. هناك، وبعيداً عن صقيع الخنادق، اتفق ممثلو التحالف برئاسة الجنرال الفرنسي "جوزيف جوفر" (القائد العام للقوات الفرنسية) على تنسيق هجوم عام ومتزامن ضد القوات المركزية الألمانية في عام 1916، بمساهمة مشتركة من الجيوش الفرنسية، والبريطانية، والإيطالية، والروسية.

كان الهدف الجوهري لهجوم السوم المشترك هو إحداث شرخ عميق وغير قابل للترميم في الخطوط الدفاعية الألمانية الحصينة، ومن ثم توجيه ضربة حاسمة تنهي الحرب. لكن خطط الحلفاء الورقية اصطدمت بالواقع الميداني العنيف؛ إذ شن الجيش الألماني هجوماً ضارياً ومفاجئاً على قلعة "فردان" الفرنسية على نهر ميوز في فبراير 1916. هذا الهجوم الاستنزافي العنيف أجبر الحلفاء على تغيير خططهم على عجل، وبدلاً من هجوم فرنسي رئيسي مدعوم ببريطانيا، تحملت القوات البريطانية العبء الأكبر لهجوم السوم لتخفيف الضغط الرهيب عن الفرنسيين في فردان.

الأول من يوليو 1916: اليوم الأكثر سواداً في تاريخ بريطانيا العسكري

عندما انطلقت صفارات الهجوم في الساعة السابعة والنصف من صباح الأول من يوليو عام 1916، تقدمت موجات المشاة البريطانيين نحو الأسلاك الشائكة وحقول الألغام الألمانية. وفي غضون ساعات قليلة، تحول اليوم الأول للمعركة إلى كارثة عسكرية مروعة؛ إذ تكبد الجيش البريطاني وحده ما يقرب من 60,000 مصاب وقتيل في يوم واحد، وهي أسوأ خسارة بشرية يتلقاها الجيش البريطاني في تاريخه العسكري بأكمله.


خارطة عسكرية توضح جبهات القتال الساخنة على ضفتي نهر السوم عام 1916

كان لهذه الخسائر الفادحة تأثير نفسي واجتماعي عميق وهائل في بريطانيا؛ حيث كانت تركيبة الجيش في تلك المرحلة تعتمد بشكل أساسي على المتطوعين المتحمسين ضمن ما عُرف بـ "كتائب الأصدقاء" (Pals battalions)، وهي كتائب تضم رجالاً تطوعوا معاً من نفس القرى، والبلدات، والمصانع، والنوادي الرياضية. ومحيت بلدات بريطانية بأكملها من خارطة الشباب في يوم واحد. وكان الفقد فاجعاً ومؤثراً بشكل خاص في "دومينيون نيوفندلاند" التي خسرت خيرة شبابها المتطوعين في الساعات الأولى للهجوم، مما ترك إرثاً ثقافياً حزيناً لا تزال أصداؤه تتردد في الوجدان البريطاني حتى اليوم.

سلاح جديد يولد في الطين: أول ظهور للدبابات في التاريخ

على الرغم من فداحة الخسائر ومأساوية السير العام للقتال، سجلت معركة السوم منعطفاً تقنياً وتكتيكياً خارقاً في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ شهدت المعركة **أول استخدام قتالي للدبابات** في التاريخ (الدبابة البريطانية مارك 1). ورغم تعثر هذه الآلات البدائية في الوحل وكثرة أعطالها الميكانيكية، إلا أنها أعلنت للعالم ولادة عصر جديد من الحروب الميكانيكية المدرعة التي ستقضي لاحقاً على جمود حرب الخنادق.

جنرالات خلف خطوط النار: جدل القيادة بين هيغ ورولينسون

لا يزال السير العام لمعركة السوم مصدراً لجدل تاريخي وأكاديمي عنيف بين المؤرخين؛ حيث واجه كبار القادة العسكريين، وعلى رأسهم الجنرال السير دوغلاس هيغ (قائد قوة المشاة البريطانية) والجنرال هنري رولينسون (قائد الجيش الرابع)، انتقادات لاذعة واتهامات بالجمود العسكري والاستهانة بأرواح الجنود، بسبب تكتيكاتهم التقليدية التي تسببت في خسائر بشرية مرعبة دون تحقيق أي من الأهداف الإقليمية المرسومة مسبقاً.

في المقابل، يرى تيار آخر من المؤرخين أن معركة السوم، رغم فداحة ثمنها، كانت بمثابة المطرقة التي حطمت عظام الجيش الألماني واستنزفت نخبته العسكرية التي لا يمكن تعويضها، ممهدة الطريق لهزيمته النهائية في عام 1918. ولهذا السبب، لا تزال المعركة تدرس بعناية في الأكاديميات العسكرية البريطانية للاستفادة من دروسها التكتيكية والتشغيلية الصعبة.

نهاية المأساة: مكاسب جغرافية هزيلة وفشل استراتيجي

عندما وضعت المعركة أوزارها في نوفمبر 1916 تحت وطأة الثلوج الشتوية والأمطار الخريفية الموحلة، كانت قوات الحلفاء (البريطانية والفرنسية) قد نجحت فقط في الاختراق بعمق **6 أميال (9.7 كم)** داخل الأراضي التي يحتلها الألمان.

فشل الحلفاء تماماً في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية الكبرى؛ فلم يتمكنوا من استرداد مدينة "بابوم" (Bapaume) التي ظلوا على مسافة ثلاثة أميال منها، ولم يصلوا إلى مدينة "ترانسلوي" (Transloy)، أو أي من المدن الفرنسية الاستراتيجية الأخرى. وعلى الرغم من الصمود الألماني والتمسك بالأرض، إلا أن الاستنزاف الذي تعرض له جيش القيصر أضعف قدرته الهجومية بشكل لا يمكن ترميمه.

كشف حساب الموت: إحصائيات الخسائر البشرية

تكشف الأرقام الرسمية المسجلة للضحايا حجم الجريمة الإنسانية التي دارت رحاها على ضفاف السوم، وهي أرقام تفوق قدرة العقل على الاستيعاب:

الجيش المشارك إجمالي الخسائر البشرية (قتلى وجرحى ومفقودين)
الجيش الفرنسي 50,000 جندي
الجيش البريطاني 130,000 جندي
الجيش الألماني 160,000 جندي
إجمالي خسائر الطرفين (التقديري الكلي) أكثر من 1,500,000 مصاب وقتيل

خاتمة: تظل معركة السوم نصباً تذكارياً يذكر الإنسانية بكلفة الأخطاء العسكرية وبشاعة الحروب التي تحول البشر إلى وقود للآلات الصماء، وشاهداً على أن النصر الذي يُبنى على جثث مئات الآلاف ليس سوى رماد لا يغني من الجوع. (اعتمدت المادة التاريخية على المعجم التاريخي المعتمد لجامعة راندوم هاوس والوثائق الرسمية للحرب العالمية الأولى).


اقرأ المزيد ←

02 مارس 2019

معركة ذات الصواري 35 هـ: الملحمة التي دشنت أسطول الإسلام الأول

معركة ذات الصواري: الملحمة التي حطمت السيادة البيزنطية ودشنت أسطول الإسلام الأول

لقرون طويلة، ظل البحر الأبيض المتوسط بحيرة بيزنطية مغلقة، أطلق عليها الروم اسم "بحرنا" (Mare Nostrum) دلالة على سيادتهم المطلقة التي لم يجرؤ أحد على تحديها. لكن في عام 35 هـ (655 م)، شهدت مياه البحر المتوسط منعطفاً جيوسياسياً غير مجرى التاريخ؛ حيث تلاقت السفن الإسلامية الناشئة بفلول الأسطول البيزنطي العتيق في معركة مائية كبرى عُرفت باسم معركة ذات الصواري. كانت هذه المعركة أول مواجهة بحرية يخوضها المسلمون، ومثلت النهاية الفعلية للهيمنة البيزنطية على الملاحة في حوض المتوسط.

معركة ذات الصواري
رسم تخيلي يجسد تلاحم السفن وصواريها في معركة ذات الصواري الخالدة

سر التسمية: ذات الصواري بين الغابات والجموع

تعددت آراء المؤرخين حول سبب تسمية المعركة بهذا الاسم، ويدور الخلاف بين اتجاهين رئيسيين:

  • كثرة السفن: يذهب بعض المؤرخين إلى أن الاسم يرجع إلى تشابك وكثرة صواري السفن التي اشتركت في المعركة من الجانبين، حتى بدت كأنها غابة من الأخشاب وسط البحر.
  • ارتباطها بالمكان: وهو الرأي الأرجح الذي تؤيده المصادر؛ حيث دارت المعركة بالقرب من منطقة على ساحل الأناضول (ليكيا) تشتهر بكثرة غابات السرو الكثيفة، وهي الأشجار المستخدمة تاريخياً في صناعة صواري السفن. وقد أشار المؤرخ "أرشيبالد لويس" إلى ذلك بقوله: "ومما يلفت للنظر أن المكان الذي دارت فيه هذه المعركة يزدحم بغابات السرو الكثيفة".

ويعزز هذا الاستنتاج ما ورد في رواية الطبري حين قال: "فركب من مركب وحده ما معه إلا القبط حتى بلغوا ذات الصواري، فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب أو ستمائة"، وقوله أيضاً: "وأقام عبد الله بذات الصواري أياماً بعد هزيمة القوم". وهو ما أكده ابن الأثير بقوله: "وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياماً ورجع"، مما يدل على أن "ذات الصواري" هو اسم موضع جغرافي محدد.

ما قبل المعركة: تحدي السيادة البيزنطية العتيقة

في العصور الوسطى، كانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر بلا منافس على البحر الأبيض المتوسط. امتدت أملاكها من البلقان وآسيا الصغرى شرقاً، إلى مصر وشمال أفريقيا جنوباً، وإيطاليا وأجزاء من إسبانيا غرباً. كان لبيزنطة أسطول دائم ومهيب، يدعمه شبكة من القواعد ودور صناعة السفن في القسطنطينية، وعكا، والإسكندرية، وقرطاج، وسرقوسة، ورافنا.

لم يكن للمسلمين عهد بركوب البحر أو خوض الحروب المائية، لكن فتوحات بلاد الشام ومصر كشفت لهم أن الأسطول البيزنطي يمثل تهديداً خطيراً ومباشراً لأمن الثغور والمناطق المفتوحة. أدرك المسلمون أن بناء أسطول إسلامي لم يعد مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية حيوية لحماية دولتهم الناشئة.

كان معاوية بن أبي سفيان (والي الشام آنذاك) أول من اقترح بناء أسطول بحري على الخليفة عمر بن الخطاب، لكن الفكرة رُفضت خشية على المسلمين من ركوب البحر. ومع تولي الخليفة عثمان بن عفان الخلافة، أذن لمعاوية ببناء الأسطول. فاستغل المسلمون السفن المتوفرة في موانئ الشام ومصر، وطوروها في دور الصناعة لتدخل القوة البحرية في الاستراتيجية العسكرية الإسلامية لأول مرة، وتبدأ سريعاً في ممارسة دورها الاستراتيجي عبر غزو جزر المتوسط كقبرص ورودس لتأمين الشواطئ العربية.

مسار الأساطيل البحرية
خارطة تقريبية لمسار تحرك الأسطول الإسلامي لمواجهة البيزنطيين في مياه الأناضول

الأسباب المباشرة لمعركة ذات الصواري

تتضافر المصادر العربية والأجنبية في تقديم أسباب منطقية أدت إلى هذا الصدام البحري الهائل، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. إجهاض القوة البحرية الإسلامية النامية: يرى المؤرخ "أرشيبالد لويس" أن الغارات الإسلامية التي انتهت باحتلال جزيرة قبرص عام 649 م قد أثارت حماسة البيزنطيين لاستعادة تفوقهم المائي الذي اهتز عقب فشلهم في استرداد الإسكندرية عام 645 م (25 هـ).
  2. تحدي السيادة المائية واسترداد الجزر: يذكر المؤرخان "إرنست وتريفور ديبوي" أن استيلاء المسلمين على جزيرة رودس عام 654 م شكل تهديداً مباشراً لبيزنطة، مما دفع الإمبراطور قسطنطين الثاني (قنسطانز الثاني) لقيادة الأسطول بنفسه لمواجهة العرب.
  3. محاولة البيزنطيين استرداد مصر: يذهب الدكتور "عبد المنعم ماجد"، ومعه عبد الرحمن الرافعي وسعيد عاشور، إلى أن النشاط الإسلامي المتزايد أخاف بيزنطة، فجمع الإمبراطور أسطولاً ضخماً لم يجمع مثله من قبل بهدف غزو الإسكندرية واسترداد مصر.
  4. الانتقام لفتح أفريقيا: يشير الطبري وابن الأثير إلى أن الإمبراطور خرج في جموع الروم انتقاماً للهزائم الساحقة التي لحقت بهم على أيدي المسلمين في أفريقيا (سبيطلة).
  5. إجهاض مشروع غزو القسطنطينية: يرى المؤرخ البيزنطي "تيوفانس" أن معاوية كان يجهز أسطولاً ضخماً في طرابلس الشام لفرض حصار على القسطنطينية، فلما علم الإمبراطور قنسطانز بذلك، تحرك بأسطوله إلى فينيقيا في ليكيا حيث عسكر بانتظار أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
  6. الصراع على أخشاب الصواري: يطرح أرشيبالد لويس فرضية اقتصادية مفادها أن البيزنطيين تحركوا ليحولوا بين المسلمين وبين الحصول على أخشاب السرو الكثيفة على ساحل الأناضول، والتي كانت تُعد العصب الرئيسي لصناعة السفن الحربية.

أحداث المعركة: عندما تحول البحر إلى ميدان بري

أعد الإمبراطور قنسطانز الثاني أسطولاً ضخماً تراوح عدده بين 500 إلى 800 سفينة شراعية، بينما كان أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) يتألف من حوالي 200 سفينة مجهزة بقيادة والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح. التقى الجمعان خارج ساحل ليكيا بآسيا الصغرى، ودارت المعركة وفق التكتيكات التالية:

رسم تخطيطي لمعركة ذات الصواري
مخطط توضيحي للمؤرخ عمر فروخ يبرز تكتيكات اصطفاف السفن والتحام الأسطولين

طبقاً للقواعد العسكرية لقتال السواحل، أنزل عبد الله بن سعد نصف قوته إلى البر بقيادة بُسر بن أبي أرطأة للقيام بمهام الاستطلاع وحماية الظهر من أي كمائن برية للعدو. ومع اقتراب السفن، بدأت الملحمة بالتراشق بالسهام والنبال حتى نفدت. ثم انتقل الطرفان للتراشق بالحجارة؛ حيث كان المقاتلون يصعدون إلى صناديق خشبية مثبتة في أعلى الصواري تُسمى "التوابيت" ليرموا السفن المعادية بالحجارة وهم مستورون داخلها.

وعندما نفدت الحجارة، اتخذ المسلمون قراراً عبقرياً غير مجرى المعركة؛ إذ قاموا بربط وتثبيت سفنهم بسفن الروم باستخدام السلاسل والخطافات الحديدية، ليتحول القتال البحري إلى مواجهة برية ملتحمة بالسيوف والخناجر فوق أسطح السفن المترابطة.

روايات المؤرخين عن الملحمة والانتصار

رواية ابن عبد الحكم (كتاب فتوح مصر وأخبارها):

توضح هذه الرواية اللحظات الحرجة للمعركة؛ فعندما علم عبد الله بن سعد بحشد الروم، استشار رجاله فصمتوا هيبة للحدث، فقام رجل متطوع من أهل المدينة وتلا قوله تعالى: { كم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذن اللهِ والله مع الصابرين }، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله. وتضيف الرواية تفاصيل إنقاذ قائد الأسطول:

"كانت السفن تُقرن بالسلاسل عند القتال، فقرن مركب عبد الله بن سعد بمركب من مراكب العدو، فكاد مركب العدو يجتر مركب عبد الله إليهم لقوته، فقام البطل علقمة بن يزيد العطيفي وضرب السلسلة بسيفه ضربة قاطعة ففصمها وأنقذ مركب القائد من الأسر والهلاك".

رواية ابن الأثير (الكامل في التاريخ):

يروي ابن الأثير الأجواء المهيبة لليلة المعركة وكيف بات المسلمون يصلون ويدعون ويقرؤون القرآن، بينما الروم يضربون بالنواقيس. ومع خيوط الصباح الأولى، جرى التلاحم الرهيب بالسلاسل والسيوف والخناجر، فاستشهد من المسلمين بشر كثير، وقُتل من الروم ما لا يحصى، وصبر المسلمون صبراً لم يصبروا مثله قط، حتى أنزل الله نصره وولى الإمبراطور قسطنطين جريحاً هرباً بأعجوبة، وأقام عبد الله بن سعد بالموقع أياماً بعد الهزيمة تأكيداً للنصر.

رواية المؤرخ البيزنطي تيوفانس المعترف:

تؤكد الرواية البيزنطية فداحة الهزيمة ونجاة الإمبراطور بأعجوبة؛ إذ تذكر أن قسطنطين غير ملابسه الرسمية مع أحد جنوده لكي لا يُعرف، وقفز جندي مخلص على مركبه واختطفه وسط الفوضى العارمة والدمار الذي لحق بالأسطول الرومي لينجو بمعجزة، بينما اصطبغت مياه البحر بدمائهم.

نتائج المعركة وآثارها الجيوسياسية

لخص المؤرخون الآثار الكبرى لمعركة ذات الصواري في نقطتين حاسمتين تصفان حجم هذا التحول التاريخي:

  • انتصار العقيدة والإدارة السليمة: نجاح المسلمين في سحق قوة بحرية تفوقهم بالعدد والعتاد والخبرة بمعدل ثلاثة إلى واحد، بفضل تحويل المعركة إلى تلاحم بري فوق السفن، مستثمرين شجاعتهم القتالية الفائقة.
  • نهاية العصر الذهبي للسيادة البيزنطية: كسر احتكار الروم للبحر المتوسط؛ فلم تعد القسطنطينية قادرة على فرض إرادتها التجارية أو العسكرية، وانفتح الباب واسعاً أمام الأساطيل الإسلامية لبسط نفوذها وتأمين ثغور الشام ومصر وإفريقية لقرون قادمة.

خاتمة: لقد كانت ذات الصواري المعبر المائي الذي عبر منه المسلمون من طور السيادة البرية إلى آفاق السيادة البحرية العالمية، لتظل دليلاً على أن الإيمان وحسن التخطيط يحولان الضعف إلى قوة والهزيمة المحتملة إلى نصر مؤزر. (اعتمدت المادة التاريخية على تدوينات المؤرخين الكبار وأرشيف الملاحم الإسلامية).


اقرأ المزيد ←

01 مارس 2019

انقلاب نوفمبر 1970 في سوريا.. حافظ الاسد

انقلاب البعث في عام 1970، ويُعرف أيضاً باسم الحركة التصحيحية، وهو انقلاب عسكري في الجمهورية العربية السورية قام به وزير الدفاع وعضو القيادة القطرية بحزب البعث الفريق حافظ الأسد، ورئيس الأركان السوري مصطفى طلاس وكثير من الضباط البعثيين الموالين لحافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970 وعين على إثرها أحمد الحسن الخطيب رئيسًا للجمهورية مؤقتًا، وصل بعدها الضابط حافظ الأسد إلى سدة حكم دولة البعث.

وكانت بداية عهد جديد في تقوية دولة حزب البعث فقد أدخلت إصلاحات إلى حزب البعث العربي الاشتراكي وأنهت الصراعات الداخلية في ورسخت سلطة دولة البعث وانهت زمن الانقلابات. وفي أوائل عام 1971 انتُخب الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث حافظ الأسد رئيسًا للجمهورية العربية السورية بأغلبية شعبية ساحقة، وبدأ العمل لإصلاح الأوضاع السياسية في سوريا وتوطيد سلطة البعث. بعام 1972 تم توحيد الأحزاب الرئيسية في الجبهة الوطنية التقدمية تحت سلطة البعث، كما تم وضع دستور جديد للبلاد في مارس 1973. وتطلق السلطات في سوريا على كل ما تحققه من إنجازات أو تبنيه من منشآت صفة منجز من منجزات الحركة التصيحيحة بحزب البعث، فسد الفرات من منجزات الحركة، وكذلك حرب تشرين التحريرية ضد إسرائيل، كما يحتفل كل من حزب البعث السوري ومؤسسات الدولة الأخرى كل عام بذكرى الحركة التصحيحية ويتم الإعلان بمناسبتها عن بعض المشاريع ووضح أحجار أساس مشاريع أخرى .

اقرأ المزيد ←

28 فبراير 2019

انقلاب فبراير 1966 في سوريا.. حزب البعث العربي الاشتراكي

انقلاب 1966 في سوريا يشير إلى أحداث بين 21 و23 فبراير تم فيها الإطاحة بحكومة الجمهورية العربية السورية واستبدالها. وقد تم عزل القيادة القومية الحاكمة لحزب البعث العربي الاشتراكي من السلطة بواسطة اتحاد من اللجنة العسكرية للحزب والقيادة القطرية تحت قيادة صلاح جديد.
نشر قادة الانقلاب بيانًا قالوا فيه أنهم يسعون "لتطبيق برامج الحزب ومقرراته علميًا ورفع مستوى المعيشي لعموم الشعب العربي السوري"، وخلافًا للإدارة التي كانت قائمة بالتقارب مع العراق، فإن القادة الجدد عمدوا إلى بدأ المفاوضات مع نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر للوصول إلى اتفاقية دفاع مشترك، أفضت في نوفمبر 1966 إلى إبرام اتفاقية للدفاع المشترك بينهما.

قبل سحق مظاهرات عام 1964؛ نشبَ صراع على السلطة داخل اللجنة العسكرية وبالتحديد في وسط وزارة الدفاع بين محمد عمران وصلاح جديد. كان عمران يرغبُ في المصالحة مع المتظاهرين وإنهاء المواجهة مع الطبقة الوسطى. في المقابل؛ اعتقدَ صلاح جديد أنّ الحل هو إكراه وقمع المتظاهرين حتى لا يُكرروا ذلك. كانَ هذا الخلاف بمثابة الانقسام الأول داخل اللجنة العسكرية وقد لعبَ دورًا حاسِمًا في في الأحداث اللاحقة.في هذه المرحلة بالذات؛ دعمَ حافظ الأسد ممارسة العنف والقمع ضدّ مثيري الشغب أي أنّه انحازَ لصالح الجديد مما تسبب في سقوط عمران. أعدَّت اللجنة العسكرية خطة محكمة للاستيلاء على حزب البعث بالكامل؛لكنّ عفلق أمين عام القيادة الوطنية كان قد طلب فسخ القيادة الإقليمية السورية ردًا على كل ما حصل. اضطرّ عفلق في وقتٍ لاحق إلى سحب طلبه وذلك بعد ارتفاع وتيرة الاحتجاجات. عادَ عمران وكشف بعض المعلومات حول القيادة الوطنية للشعب مما تسبب في نفيه فبدأ الصراع مجددا في الداخل. بعد سقوط عمران؛ استمرت اللجنة العسكرية في محاولاتها المُتكررة من أجل السيطرة على حزب البعث. لكن وفي المقابل فقد احتجت القيادة الوطنية على ما قامت به اللجنة واتهمتها بمحاولة السيطرة على كامل البلاد. نجحت اللجنة العسكرية فعليا فيما كانت تربو له وذلك بعدما عقدت عديد التحالفات مع مجموعة من الأحزاب المُختلفة.

انهارت الوحدة الداخلية السورية بعد عام 1963 وذلك في غضون الاستيلاء على السلطة من قِبل ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار وأتباعهما اللذان يرغبان في تنفيذ البعثية الكلاسيكية بمعنى أنهم يرغبون في إقامة اتحادٍ مع عبد الناصر في مصر من خلال الاعتماد على شكل معتدل من الاشتراكية هذا فضلا عن وجود حزب واحد يحكمُ الدولة التي تحترم حقوق الفرد، تتسامح مع حرية التعبير وحرية الفكر. ومع ذلك؛ فقد ظهرَ بعض البعثيين في الخلفية والذين عارضوا هذه الفكرة من خلال عقد لجنة عسكرية تقرّر فيها خلق شكل جديد من أشكال البعثية التي تتأثر بشدة بالماركسية–اللينينية. ركّز هذا الشكل الجديد من البعثية على قضية "الثورة في بلد واحد" بدلا من العمل على توحيد العالم العربي. في نفس الوقت؛ شدّد المؤتمر الوطني (اللجنة العسكرية) على تنفيذ الثورة الاشتراكية في سوريا ومن ثمّ الالتزام بالاقتصاد المُخطط المركزي وكذا تأميم التجارة الخارجية. اعتقدَ حزب البعث حينها أن هذه السياسات سوف تُنهي استغلال العمال كما ستقضي على الرأسمالية.

في أعقاب احتجاجات حماة 1964 وغيرها من المدن؛ تراجعَ حكم البعثيون الكلاسيكي وعادت السيطرة للبعثيين "المتطرفين" لفترة وجيزة. شكّلَ البيطار حكومة جديدة أوقفت كل عمليات التأميم كما أكّدت في الوقت ذاته على احترام الحريات العامة والممتلكات الخاصة. ومع ذلك؛ فإن هذه التغييرات في السياسة لم تكن كافية لنيلِ دعم الشعب الذي كان لا يزال يُعارض حزب البعث. في الوقت ذاته واصلت الطبقات العليا استثماراتها الرأسمالية وتهريب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد مما تسبب في خسارة الاقتصاد السوري لملايين الدولارات. خلال هذه الفترة؛ حاولت بعض الأحزاب اليسيارية التي حاولت التطرق لبعض النقط الأخرى بما في ذلك سيطرة الطبقة البرجوازية على الاقتصاد بالكامل. تسببت كل هذه الأحداث في نشوب صراع على السلطة بين البعثيين المعتدلين الذينَ سيطروا على القيادة القومية لحزب البعث والبعثيين المتطرفين الذين سيطروا على القيادة القطرية لحزب البعث والتي أدت إلى الانقلاب العسكري الذي حصلَ عام 1966.


اقرأ المزيد ←

27 فبراير 2019

انقلاب مارس 1963 في سوريا.. حزب البعث العربي الاشتراكي

خلال عام 1962، قضت اللجنة العسكرية لفرع الإقليم السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، في التخطيط للاستيلاء على السلطة، من خلال انقلاب عسكري تقليدي. قررت اللجنة العسكرية آنذاك السيطرة على الكسوة و قطنا، و معسكَرَين آخَرَين من معكرات الجيش، كما أن اللجنة العسكرية سيطرت على اللواء المدرع 70 في الكسوة، الأكاديمية العسكرية في مدينة حمص، و محطة إذاعة دمشق. كانت النظام يتفكك ببطء، و النخبة التقليدية كانت قد بدأت بفقدها للقوّة الفعالة، كان المتآمرون من اللجنة العسكرية من الشباب.حتى ينجح الانقلاب احتاجت اللجنة العسكرية لكسب تأيي بعض الضباط السوريين. انهيار الجمهورية العربية المتحدة، بالإضافة إلى التمرد، و حملات التطهير و عملياتن النقل في الجيش تركت الضباط في حالة من الفوضى الكاملة، و جعلهم قابلين للتحريض ضد الحكومة. في ذلك الوقت، تم تقسيم الضباط في خمسة فصائل مختلفة: فصيل دمشق الذي كان داعمًا للنظام القديم، و أنصار أكرم الحوراني، و فصيل ناصري، و فصيل بعثي، بالإضافة إلى بعض المستقلين. كان فصيل دمشق، عدوًا للجنة العسكرية، باعتباره داعمًا لنظام ناظم القدسي، في حين أن أنصار الحوراني كانوا منافسين بسبب مواقفهم المعادية للوحدة العربية، بينما كان الناصريون حلفاءً لحزب البعث. 
أدّى تحالف اللجنة العسكرية مع الناصريين، أدّى لنشوء اتصال سري مع راشد القطيني رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، و العقيد محمد الصوفي قائد لواء حمص. أمرت اللجنة العسكرية مجموعةً من صغار الضباط بتجنيد الضباط المستقلين البارزينن كالعقيد زياد الحريري، قائد الجبهة السورية الإسرائيلية، بتجنيدهم لصالح قضيتهم. حققت مجموعة الضباط هذه نجاحًا، و أعطت الحرير عهدًا أنه "إذا نجحنا بإمكانك أن تصبح رئيس أركان، و إذا فشلنا يمكنك التبرؤ منا".أيّ الحريري اللجنة لأن ناظم القدسي، رئيس وزراء سوريا آنذاك، كان يخطط لتخفيض رتبته.

بينما كانت اللجنة تخطط للانقلاب، لاقى تحالف الحزب مع الجيش استياءً من قبل البعثيين المدنيين. و كان السبب في تحالف الحزب مع الجيش بالمقام الأول، هو ضمان حماية الحزب من القمع. كانت اللجنة العسكرية لا تحبذ القيادة المدنية للحزب آنذاك، المتمثلة بميشيل عفلق، الذي كان قد اعترض على حلّ الحزب خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة، التي تشكّلت إثر الوحدة بين سوريا و مصر. بينما كان عفلق يحتاج اللجنة العسكرية، للاستيلاء على السلطة، كانت اللجنة أيضًا تحتاج عفلق، لتولّي السلطة، فبدون عفلق لن تتوفر أي قاعدة تأييد. في المؤتمر الوطني الخامس للحزب، الذي جرى في 8 مايو من العام 1962، تقرر إعادة تأسيس الحزب و الحفاظ على عفلق في منصب الأمين العام للقيادة الوطنية. محمد عمران، عضو اللجنة العسكرية البارز، كان حاضرًا في المؤتمر الوطني الخامس، و أخبر عفلق بنية اللجنة العسكرية حياله، وافق عفلق على الانقلاب، إلا أنه لم يجرِ أي اتفاق على كيفية تقاسم السلطة بعد الانقلاب.

ثورة الثامن من آذار، هو الاسم الرسمي الذي يطلق على الانقلاب العسكري الذي جرى في سوريا بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 آذار 1963 ضد الرئيس ناظم القدسي والحكومة المنتخبة برئاسة خالد العظم، وذلك بسبب الرجعية والانفصال عن مصر. كان من نتائج الثورة، إلغاء حرية سياسية والاقتصاديّة وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا وإنفاذ قانون الطوارئ منذ عام 1963 وحتى 2011 بعيد الانفاضة الشعبية كما فرضت الثورة تبني شعارات البعث وسياسته كشعارات عاملة للدولة السورية.
نتيجة التوتر في العلاقات بين الحكومة وحزب البعث قرر مجموعة من الضباط البعثيين في الجيش السوري الانقلاب على الحكومة واستلام السلطة، شارك في التخطيط أشخاص من خارج الجيش أمثال ميشيل عفلق المنظر الأساسي للحزب؛ واتفق قبل الشروع بتنفيذ الانقلاب حول طريقة تقاسم السلطة بعد نجاحه، على أن يكون لؤي الأتاسي رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للوزراء في اليوم ذاته. في صباح الثامن من آذار، تحركت الفصائل المنقلبة من الجيش في دمشق وحاصرت المقرات الهامة في العاصمة واعتقلت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأغلب الوزراء، وحدثت مناوشات عسكريّة غير أن فصائل الجيش في المحافظات اعترفت بسلطة الانقلاب بعد نجاحه، كما درجت عادتها منذ 1949. ثم أخذت الدول الاعتراف بالحكومة الجديدة كان على رأسها العراق البعثي ومصر الناصريّة وتولى الاتحاد السوفياتي إقناع المجتمع الدولي الاعتراف بالنظام الجديد، وقبل انتصاف النهار تألف مجلس قيادة الثورة برئاسة لؤي الأتاسي وجاءت تركيبته من عشرة ضباط.

في اليوم نفسه، دعا حزب البعث حلفاؤه من الأحزاب اليسارية إلى اجتماع في مقر وزارة الدفاع بهدف تشكيل حكومة مدنيّة انتقالية ولدت في صباح اليوم التالي برئاسة صلاح الدين البيطار، وكانت حكومة مدنيّة غير أن وزيري الدفاع والداخلية كانا من الضباط. يذكر أن مجلس قيادة الثورة، ومع استلامه السلطة أعلن حالة الطوارئ في البلاد وهي الحالة التي ظلت سارية المفعول لسبع وأربعين سنة لاحقة، كما عطل العمل بالدستور السوري ولم يتم وضع دستور جديد حتى 1973، كما صدر قرار بحل جميع الأحزاب المناوئة لحزب البعث مع الإبقاء على الحزب الناصري والشيوعي، ونفيت أغلب الطبقة السياسية السورية على رأسهم الرئيس القدسي ورئيس الحكومة العظم إلى الخارج سيّما لبنان، وشهد الجيش عمليات تسريح جماعية لضباط غير بعثيين، كما خرجت بنتيجة الانقلاب رؤوس أموال ضخمة إلى الخارج خوفًا من استيلاء الدولة عليها وفق السياسة الاشتراكية، بكل الأحوال، فقد شهدت البلاد عدة مظاهرات من بعثيين وناصريين مؤيدة للثورة.

اقرأ المزيد ←

26 فبراير 2019

انقلاب سبتمبر 1961 في سوريا.. عبد الكريم النحلاوي

كان الانقلاب السوري عام 1961 انتفاضة لضباط الجيش السوري الساخطين في 28 سبتمبر 1961 وسادس انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث، مما أدى إلى تفكك الجمهورية العربية المتحدة وإعادة تأسيس الجمهورية السورية المستقلة.

في الساعة 4 صباحا من يوم 28 سبتمبر، دخل إلى دمشق رتل مدرع تحت إمرة العقيد عبد الكريم النحلاوي، رئيس مكتب عامر في سوريا ووحدات حرس الصحراء بقيادة العقيد حيدر الكزبري، والتقى بقوات حامية دمشق وسلاحها الجوي. وتم الاستيلاء على مقر الجيش، وعلى محطة الإذاعة، وعلى المطار، وأقيمت نقاط تفتيش، وقامت الدبابات بدوريات في الشوارع. وألقي القبض على كبار الضباط التابعين للجيش السوري وعامر. وو ُضع السراج رهن الإقامة الجبرية. وقبل إلقاء القبض عليه في الساعة 4 صباحا مباشرة ، كان لدى عامر وقت لكي يأمر اللواء المصري أنور القاضي بنقل لواء مدفعية ميداني من قاعدته على بعد 40 كلم من دمشق إلى المدينة وقمع الانتفاضة. في حين أن الضباط المصريين، غير مدركين للشكاوى السورية، أطاعوا الأمر بضمير، في طريقهم إلى دمشق، استقبلهم قائدهم السوري الذي أمرهم بالعودة إلى القاعدة واعتقال جميع الضباط المصريين.

في الساعة 7:25 صباحا أصدرت إذاعة دمشق البيان رقم 1 من القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة الذي أعلنوا فيه أن الجيش قد اتخذ إجراءات للقضاء على الفساد والاستبداد واستعادة الحقوق المشروعة للشعب. ووصفت الرسالة رقم 2 بأنها أكثر اتساما بالطابع السياسي وتدرج فيها شكاوى ضد “الزمرة القمعية والفاسدة” التي أدت إلى تشويه سمعة الاتحاد بين الشعوب العربية. وقد انتُقدت أيضاً القوانين الاشتراكية التي تم الأخذ بها في يوليو والخطط الرامية إلى تطهير الضباط السوريين. أعلن البيان رقم 3 أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة تسيطر سيطرة كاملة وطلب معاملة جميع المصريين بعناية. أعلن البيان رقم 4 إغلاق جميع المطارات والموانئ.

على الرغم من أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة لم تعلن بعد تفكك الجمهورية العربية المتحدة أو انفصالها، إلا أن معظم السوريين تعبوا من الديكتاتورية المصرية، وعلى الرغم من الإعلانات التي لا نهاية لها نحو هدف الوحدة العربية، فقد كانوا سعداء لاستعادة حرياتهم التقليدية.

في الساعة 9:07، اتخذ عبد الناصر خطوة غير عادية بالرد على التمرد من خلال بث إذاعي مباشر. و أعلن أن ه لن يحل الجمهورية العربية المتحدة (التي كان من المقرر أن يقوم بها أنور السادات في عام 1971)، وأن التمرد في دمشق صغير الحجم وأنه أصدر أوامر إلى الجيش السوري لقمعه.

في هذه الأثناء ، قضى عامر وغيره من قادة الجيش السوريين والوزراء المعتقلين يومهم في التفاوض مع المتمردين. وكان عامر على يقين من أنه يمكن إنقاذ جمهورية العربية المتحدة من خلال تلبية مطالب المتمردين بتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي المحلي، وتخفيف قوانين يوليو ومن خلال الإصلاح الزراعي. ليس من الواضح بعد ما إذا كان عامر مخلصاً خلال هذه المفاوضات أم أنه كان ببساطة يلعب من أجل الوقت وينتظر القوات المصرية. وسُمح لعامر بالاتصال بناصر من خلال إذاعة الموجات القصيرة للحصول على موافقته على هذا الاتفاق. وفي هذه المذكرة التوفيقية، أذيع أمر القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة رقم 9 في الساعة 1:26 مساء، والذي أعلن فيه أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة أرادت الحفاظ على الوحدة العربية، وأن عامر “اتخذ القرارات اللازمة لصون وحدة القوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة. وأعيدت المسائل المتعلقة بالجيش إلى مجراها الطبيعي". وقد وصفت إذاعة دمشق نفسها مرة أخرى بأنها “محطة إذاعة جمهورية العربية المتحدة في دمشق”.

في حين بدا لبضع ساعات أن الجمهورية العربية المتحدة أنقذت ، كان الجانبان أبعد ما يكون عن الاتفاق. في وقت مبكر من بعد الظهر ، تلقى المتمردون الدعم من جميع وحدات الجيش السوري تقريباً وكانوا متأكدين من النصر. اتبع ناصر منطق كل مستبد ورفض التفاوض مع المتمردين أو تغيير سياسته في سوريا. في الساعة 17:20 ، تم وضع عامر ومجموعة من الضباط والموالين المصريين على متن طائرة إلى القاهرة ، والتي أعلن عنها في الإصدار 12 في الساعة 5:45 مساء.

في الساعة 6:55 ظهر عبد الناصر مرة أخرى على الراديو. ورفض التفاوض ودعا القوات المسلحة للقيام بواجبه عن طريق سحق المتمردين. في الواقع ، حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً ، أمر ناصر بعض القوات المصرية بالذهاب إلى سوريا في محاولة لقمع التمرد. وبما أن مصر وسوريا لم تشتركا الحدود البرية ، فقد أمرت المظليين الجويين وبعض القوات التي تنقل عن طريق البحر بالمغادرة إلى اللاذقية وحلب ، حيث بقيت قواعد الجيش موالية لعبد الناصر. ومع ذلك ، قبل وصول القوات المصرية بقليل إلى هذه القواعد ، استولت عليها قوات المتمردين. أقل من 200 من المظليين المصريين الذين هبطوا في اللاذقية كانوا محاطين بقوات المتمردين ثم عادوا إلى مصر. ناصر ألغى العملية بأكملها. في 2 نوفمبر ، تم إرسال 870 ضابطًا وجنديًا مصريًا ، بينما عاد 960 سوريًا بسلام من مصر.

في وقت لاحق من مساء 28 سبتمبر ، بدأت إعلانات الراديو المتمردة بمهاجمة ناصر شخصيا ، واصفة إياه بأنه طاغية. وفرض حظر تجول في دمشق من السابعة مساءً حتى الخامسة والنصف صباحاً. إذا لم يكن من الواضح خلال النهار ما إذا كان المتمردون يريدون حرية أكبر لسوريا داخل الجمهورية العربية المتحدة أو استعادة الاستقلال الكامل ، عندما أنهت إذاعة دمشق آخر إذاعاتها في ذلك اليوم بعد منتصف الليل بالنشيد الوطني السوري ، كان من الواضح أنهم اختاروا الاستقلال.


اقرأ المزيد ←

25 فبراير 2019

انقلاب فبراير 1954 في سوريا.. هاشم الآتاسي

في آذار/مارس 1949 تمت الإطاحة بالقوتلي على يد رئيس أركان الجيش حسني الزعيم في أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط، وقد ترأس الزعيم حكومة عسكرية لمدة أربعة أشهر قبل أن يطيح به انقلاب عسكري آخر في أغسطس/آب 1949 بقيادة سامي الحناوي الذي دعا الأتاسي للعودة عن تقاعده وتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على انتخابات من شأنها استعادة الحكم المدني. امتثل الأتاسي لطلب الحناوي وضم حكومة وحدة وطنية تشمل جميع الأطراف بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي حيث مثله ميشيل عفلق بوزارة الزراعة. ثم تمت خلال رئاسته للحكومة صياغة قانون انتخابي جديد، صوتت فيه النساء للمرة الأولى في 15 و16 نوفمبر/تشرين الثاني 1949، وتكونت جمعية تأسيسية انتخب لرئاستها، ثم رشح لولاية ثانية كرئيس للبلاد.

انتخب الأتاسي رئيسًا للمرة الثانية بإجماع الأعضاء في ديسمبر 1949، غير أن القلاقل عادت من جديد مع المطالبة بالوحدة مع العراق، وقد تحالف الأتاسي مع حزب الشعب وعين رئيسه ناظم القدسي رئيسًا للوزراء، وافتتحت مفاوضات للوحدة مع العراق. كذلك فقد شهدت ولايته الثانية إغلاق الحدود مع لبنان بحجة منع تدفق البضائع اللبنانية التي كانت تغرق السوق السورية. طوال 1950 كانت مفاوضات الانضمام إلى العراق تسير قدمًا خصوصًا بعد سفر الأتاسي إلى بغداد ولقاءه فيصل الثاني ملكها، ما أغضب أديب الشيشكلي أحد أبرز قادة الجيش، والذي حذّر الأتاسي من مغبة "استيلاء بغداد على دمشق"، رفض الأتاسي الضغوط العسكرية، فقام الشيكشلي بانقلاب ديسمبر 1949 واعتقل سامي الحناوي وأبرز المتعاطفين مع حزب الشعب، وعدد من الضباط الموالين للعراق في الجيش السوري. في المرحلة الممتدة بين انقلاب 1949 وانقلاب 1951، كان الشيشكلي صاحب الكلمة العليا في البلاد، والجيش طرفًا في الحياة السياسية، طالب الشيشكلي تعيين فوزي السلو وزيرًا الدفاع، لكونه من المقربين منه، بحيث يضمن عدم تأثير موالي العراق على الحكومة، قبل الأتاسي بشروط الشيشكلي الأولى، ومع ذلك طلب من معروف الدواليبي أحد وجوه حزب الشعب تشكيل الحكومة، وقد رفض الدواليبي منح حقيبة الدفاع لفوزي السلو، وبنتيجة ذلك قام الشيشكلي بانقلاب 1951، واعتقل رئيس الوزراء وجميع أعضاء حزب الشعب وجميع الوزراء ورجال الدولة المؤيدين للأسرة الهاشمية، ثم حلّ البرلمان.

احتجاجًا على ذلك قدم الأتاسي استقالته إلى البرلمان المنحل في 24 ديسمبر 1951، ورفض أن يقدمها للشيشكلي، لكون حكمه غير دستوريًا. وطوال حكم أديب الشيشكلي بين 1951-1954 قاد الأتاسي معارضة مستترة ضده مؤكدًا أن حكمه غير دستوري. وبتضافر أنصار الكتلة الوطنية وأنصار حزب الشعب - الذين باتا من الأحزاب المحظورة - إضافة إلى مؤيدي الهاشمية، قامت انتفاضة وطنية من حلب، تلاها انقلاب 1954 بين 24-26 فبراير، واعتقل عدنان نجل الشيشكلي، وكرد على ذلك وضع الشيشكلي الأتاسي تحت الإقامة الجبرية، ولم يقم بوضعه في السجن احترامًا لدوره البارز في الحياة السياسية السورية. في 1 مارس عاد الأتاسي من حمص إلى دمشق وتابع مهامه كرئيس للجمهورية، كما أعاد مجلس الوزراء ورئيسه معروف الدواليبي، واستعاد أيضًا جميع السفراء والوزراء والبرلمانيين الذين عزلهم الشيشكلي مناصبهم السابقة، وحاول الأتاسي خلال متابعته لولايته الثانية بكل قوته القضاء على كل أثر لديكتاتورية الشيكشلي التي دامت أربع سنوات.

الانقلاب العسكري في سوريا 1954، هو خامس انقلاب عسكري في البلاد منذ الاستقلال. أطاح بنظام أديب الشيشكلي ونظام الحزب الواحد الذي تزعمه. ويعتبر ثاني انقلاب سلم قادته العسكريون السلطة لمدنيين (بعد انقلاب سامي الحناوي في 1949)، كفّوا عن التدخل بشؤون البلاد السياسية، لتزدهر بعده الفترة المعروفة باسم "ربيع الديموقراطية" 1954-1958. كما أنه الانقلاب الوحيد الذي بدأ من حلب.
كان أديب الشيشكلي قد أطبق على البلاد عبر نظام الحزب الواحد. اندلعت احتجاجات 1953 الطلابية من حلب، فشكلت أولى بوادر تزعزع النظام. في 25 فبراير 1954، قام الجنرال فيصل الأتاسي مع الفرق العسكرية في حلب باعتقال الجنرال محمد تامر خان القائد العسكري للمنطقة الشمالية، وسيطر الجيش أيضًا على مباني هامة مثل مبنى الاتصالات ودار البلدية وإذاعة حلب، الذي أذيع منها بيان باسم "إذاعة سوريا الحرة"، يدعو في جميع الفرق العسكرية في الجيش "للالتحاق بالثورة". قبل انتصاف الظهر كانت الوحدات العسكرية في اللاذقية ودير الزور وحمص ودرعا قد انضموا للانقلاب ولم يبق في حوزة الشيشكلي سوى الفرق العسكرية في دمشق وريفها.

قضى الأتاسي سنوات حكمه الأخيرة وله من العمر ثمانون عامًا، يحارب نفوذ ضباط الجيش ويسعى للحد من نفوذ الأحزاب اليسارية التي كانت تتنامى في البلاد إلى جانب الاشتراكية والتعاطف مع الاتحاد السوفياتي، وكذلك جمال عبد الناصر، الذي كان يدعمه عدد من وجوه آل الآتاسي من أمثال جمال الأتاسي ونور الدين الأتاسي. واستطاع الأتاسي خلال توليه السلطة تحييد سوريا والحفاظ عليها خارج المعسكر الاشتراكي.


جنازة الرئيس الأتاسي، التي وصفت أنها الأكبر في تاريخ حمص.
خلافًا لمعظم المفكرين والقادة العرب، كان الأتاسي يعتقد أن جمال عبد الناصر كان صغير السن لقيادة مصر والوطن العربي، وعديم الخبرة فضلاً عن آيديولوجيته الحادة، وعمد الرئيس السوري إلى إجراءات صارمة ضد التيار الناصري في سوريا، ووقع خلاف مع رئيس وزرائه صبري العسلي واتهمه بالسعي لتحويل سوريا إلى "قمر صناعي مصري". في عام 1955 كان الأتاسي يميل للقبول بحلف بغداد وهو الاتفاقية المرعيّة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وتهدف إلى احتواء نفوذ الاتحاد السوفياتي في المنطقة، ولكن الضباط الناصريين في الجيش السوري منعوه من القيام بذلك. وخلال الصراع بين العراق الهاشمي ومصر عبد الناصر وقف الأتاسي إلى جانب العراق وتحالف مع نوري السعيد. وبعد أن أقال العسلي عيّن فارس الخوري رئيسًا للوزراء ليكون بذلك السوري المسيحي الوحيد الذي يتولى منصب رئيس الوزراء. وقد أوفد الأتاسي، رئيس وزرائه الخوري إلى مصر، لتقديم احتجاج لدى الحكومة المصرية على "هيمنة عبد الناصر على الشؤون العربية".

انتهت ولاية الأتاسي في سبتمبر/أيلول 1955 واعتزل الحياة السياسية وعاد إلى حمص حيث أقام في دارته حتى يوم وفاته. في عام 1956 أدين ابنه عدنان الأتاسي بالتحالف مع العراق لتدبير انقلاب عسكري للإطاحة بشكري القوتلي الموالي لعبد الناصر، وقد حكم على عدنان بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، لكن احترامًا لوالده تم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. ويعتقد أن الضباط الذي أداروا المحكمة العسكرية قد أصدورا أحكامًا قاسية انتقامًا من الأتاسي خصوصًا لكونه قد كبح جماح السلطة العسكرية خلال ولايتيه الثانية والثالثة، ومع ذلك فقد رفض زيارة ابنه في السجن.

توفي في حمص يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 1960 خلال سنوات الجمهورية العربية المتحدة، وكانت جنازته الأكبر في تاريخ المدينة وحضرها جمال عبد الناصر إلى جانب كبار المسؤولين في الدولة، وقد تحققت رؤيته للجمهورية العربية المتحدة إذ انفصلت عام 1961 بعد ثلاثة أشهر من وفاته، وقد انتخب اثنان من أفراد أسرته هما لؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي رئيسين للجمهورية من بعده.

قيل عن الأتاسي بأنه رجل "المبادئ السلمية" والمؤيد "للطرق الدستورية" إلى جانب احترامه لجميع اللاعبين في السياسة السورية، وهو واحد من قلة في الطبقة السياسية السورية من حقبة ما قبل البعث لم ينتقده البعثيون ويشهروا بسيرته بعد وصولهم إلى السلطة عام 1963. وقد نشرت سيرة حياته في سوريا عام 2005 على يد حفيده،غير أنه لم يترك وراءه أي مذكرات يومية، تؤرخ للمرحلة التي تولى خلالها رئاسة البلاد.

اقرأ المزيد ←

24 فبراير 2019

انقلاب نوفمبر 1951 في سوريا.. اديب الشيشكيلي


عُرف عهد الانقلاب الثالث بعهد الحكم المزدوج (أديب الشيشكلي وهاشم الأتاسي)، ولما كان الشيشكلي عضواً في مجلس العقداء ومسيطراً عليه فقد حل هذا المجلس وألّف بديلاً عنه مجلساً أسماه المجلس العسكري الأعلى.

وهكذا دخلت البلاد في عهد الانقلاب الرابع. ففي ليل 31 تشرين الثاني/1951 تمت خطوة الشيشكلي الحاسمة في الطريق إلى الحكم إذ اعتقل رئيس الوزراء معروف الدواليبي وزج به وبمعظم أعضاء وزارته في السجن، واعتقل رئيس مجلس النواب وبعض النواب، فما كان من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إلا أن قدم استقالته. بعد ذلك أذيع البلاغ العسكرية رقم (1) بتاريخ (2 كانون الأول/1951) جاء فيه (إن المجلس الأعلى بناء على استقالة رئيس الجمهورية وعدم وجود حكومة في البلاد يأمر بما يلي:-

يتولى رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى مهام رئاسة الدولة، ويتولى كافة الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية.

تصدر المراسيم اعتباراً من (2 كانون الأول/1951) من رئيس الأركان رئيس المجلس العسكري الأعلى.

انصب اهتمام الشيشكلي نحو ترسيخ جذور الانقلاب الرابع في البلاد عبر حكم عسكري مباشر واجهته الزعيم فوزي السلو بعد تعيينه رئيساً للدولة وحقيقته العقيد أديب الشيشكلي رئيس الأركان، وأصدر مرسوماً بحل البرلمان، وآخر بتولي الأمناء العامين في الوزارات صلاحية الوزراء، ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة. كما أصدر مرسوماً آخر بإلغاء جميع الأحزاب السياسية، وآخر بتوحيد الصحف وجعلها أربعة صحف تصدر في دمشق وحمص وحلب والجزيرة.

بسبب أزمة سياسية داخلية, استقال رئيس الدولة (الأتاسي) في 2 كانون الأول 1951, وفي اليوم الثاني نصب أديب الشيشكلي الزعيم فوزي سلو (من أصل كردي), رئيساً للدولة, وبقي هذا رئيساً شكلياً حتى أن نصّب الشيشكلي نفسه رئيساً في 10 آب 1953 بموجب "الاستفتاء"!!. ونشر دستوراً جديداً,

بعد أن وضع دستوراً جديداً للبلاد، انتخب رئيساً للجمهورية طبقاً لأحكام هذا الدستور، وهكذا مهد لمرحلة فرض الديمقراطية من خلال الديكتاتورية العسكرية. أما قيادة الأحزاب السياسية المعارضة فقد ألّفت جبهة شعبية معارضة تصدت لسياسة الشيشكلي عبر المظاهرات الطلابية والعمالية والفلاحية، وبدأت معركة المعارضة في دمشق بإلقاء المتفجرات، وأًعلن العصيان في جبل الدروز، فقاومه الشيشكلي بالدبابات والطائرات، فزاد من النقمة على النظام، ثم تنادى السياسيون من الأحزاب والهيئات إلى عقد مؤتــمرٍ في حمص لعقد (ميثاق وطني) فيما بينهم قرر (الدعوة إلى الديمقراطية والحريات العامة، وشجب الحكم الفردي والنظام البوليسي)، ووجهوا إنذار إلى الشيشكلي لإعادة الأوضاع الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف الحرب الأهلية في جبل العرب. وكان رد العقيد على الإنذار باعتقال كل من وقع عليه، واعتقاله كبار الساسة السوريين، وشهدت البلاد حالة من الاضطراب والمظاهرات الطلابية، قاومها رجال الأمن بالعنف والقنابل المسيلة للدموع، وعطلت الدراسة في المدارس، وعمت المظاهرات المدن السورية وهي تنادي بسقوط الديكتاتورية وإلغاء البرلمان، وعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، فكانت التمهيد الشعبي لإسقاط الشيشكلي.

اقرأ المزيد ←

23 فبراير 2019

انقلاب ديسمبر 1949 في سوريا.. اديب الشيشيكلي

الانقلاب العسكري في سوريا في ديسمبر 1949، هو ثالث انقلاب عسكري في البلاد خلال عام واحد. أطاح به الجنرال أديب الشيشكلي بقائد الجيش سامي الحناوي، وشكل ضغطًا على حزب الشعب لمنع الوحدة مع العراق، أو أي تقارب اقتصادي - عسكري معه.

وقع الانقلاب العسكري الأول بقيادة حسني الزعيم في مارس 1949 غير أنه خلع على يد سامي الحناوي في أغسطس 1949 بعد سخط شعبي من حكمه، بانقلاب آخر قام به الجيش بعد ثلاثة أشهر فقط، وكان الزعيم قد ألغى العمل بالدستور لذلك نظمت قيادة الانقلاب انتخابات لجمعية تأسيسية، وتمت الانتخابات في 15 نوفمبر 1949. أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز حزب الشعب بالمركز الأول، كان حزب الشعب المدعوم أساسًا في حلب وحمص، ينافح عن الوحدة مع العراق تحت التاج الهاشمي، وهو ما راق لقادة الانقلاب، في حين خلق ضغط سعودي - مصري على الحكومة والجمعية التأسيسية لمنع تحقيقه، أو أي تعاون سياسي أو اقتصادي.

الانقسام السياسي وصل إلى الجيش، ورغم أن الحناوي كان قد أصدر قرارًا يحظر على الجيش أي نوع من التدخل السياسي أو الولاء الحزبي، إلا أن القرار لم يطبق فعلاً. كان أديب الشيشكلي ضابطًا في الجيش وقائد الفرقة العسكرية في درعا، وقد دعم الزعيم في انقلابه، غير أن الزعيم عاد وأبعده عن منصبهِ، وقام الحناوي بإعادته إلى منصبه في 1 ديسمبر 1949 في درعا. وبعد أيام قليلة، في 19 ديسمبر 1949 تحرك أديب الشيشكلي مع مجموعة من الضباط واعتقلوا سامي الحناوي في دمشق وهرب معاونه وشقيق زوجته محمد أسعد طلس إلى بيروت. وتم الانقلاب سلميًا، وأذاع الشيشكلي بيانًا موقعًا باسم قيادة الجيش ينصّ أن: "الجيش السوري قد تحرك حفاظًا على أمن البلاد، لأن الحناوي وأسعد طلس وعدد من القادة السياسيين عملوا ضد مصحلة البلاد وتحالفوا مع قوى خارجية". قال الشيشكلي أيضًا عبارته الشهيرة: "نحن جمهوريون، ولا نحتاج لملك أبدًا". قال الشيشكلي بأن النظام الجمهوري سيستمر على حالهِ، طالبًا من الرئيس هاشم الأتاسي تأليف حكومة جديدة شكلها خالد العظم، ومثل بها الجيش بضابط في وزارة الدفاع، وقبل الجيش جميع أعضائها، وتدخل في أغلب أعمالها.


اقرأ المزيد ←

22 فبراير 2019

انقلاب اغسطس 1949 في سوريا.. سامي الحناوي

خلال ثلاث أشهر فقد حسني الزعيم معظم الدعم الشعبي الذي حظي به عند بداية الانقلاب، نتيجة سياسته الخارجية، وتجميد الحياة السياسية الداخلية؛ فضلاً أن تسريح ونقل أعداد كبيرة من الضباط قد جعل علاقته مع المؤسسة العسكرية بحد ذاتها متوترة. وفي فجر يوم 13 أغسطس 1949، قام سامي الحناوي بانقلاب عسكري بثلاث فرق عسكرية، حاصر أولاها تحت قيادته قصر الرئاسة، والثانية حاصرت منزل رئيس الوزراء محسن البرازي والثالثة مقر القيادة العامة للشرطة والجيش. كان العقيد الحناوي عند انقلاب الزعيم برتبة مقدم، وتربطه به علاقة مودة وصداقة، لذلك منحه الزعيم رتبة عقيد كما منحه ثقته إذ سلمه قيادة اللواء الأول في الجيش، والذي يعتبر القوة الضاربة التي يعتمد عليها رئيس الجمهورية.

اعتقل الزعيم إثر الانقلاب، في حين آل الحكم مجددًا لقيادة الجيش، واجتمع في وزارة الدفاع نحو خمسين سياسيًا مع الحناوي للتباحث في المرحلة الانتقالية؛ برر الحناوي أسباب الانقلاب بتبديد الثروة العامة وقمع الشعب وازدراء سلطة القانون واعتبار الزعيم نفسه «ملكًا» على سوريا كما صرح هو بذلك؛ والأسوأ من ذلك حسب رأي الحناوي هو السياسة الخارجية «غير المسؤولة». وقد حوكم الزعيم أمام المجلس الأعلى للحرب محاكمة عسكرية عاجلة وأدين بتهمة الخيانة العظمى وأعدم في اليوم نفسه مع رئيس وزرائه محسن البرازي رميًا بالرصاص، حسب الرواية الرسمية. وحسب بعض الجند الذي شاركوا في إعدام الزعيم أنه كان "هادئًا بشكل مذهل، ومتمالكًا نفسه".هناك رواية أكثر شيوعًا يرويها الملحق العسكري البريطاني في دمشق نقلاً عن قائد الدرك السوري بأن الزعيم لقي حتفه بعد وقت قصير من دخول الانقلابيين إلى القصر الجمهوري، وقد أخبر الرائد أمين أبو عساف قائد فصيل الخيالة في الفرقة الأولى قائد الانقلاب الحناوي بمقتل الزعيم بحضور الملحق العسكري البريطاني. لقد أعطى الحناوي، حسب الرواية،انطباعاً بأنه لم يكن في النية قتل الزعيم، ونتيجة لذلك شكل المجلس الحربي الأعلى ولفق رواية المحاكمة العسكرية وصدور الحكم وتنفيذه.ولعلّ اثنين من الضباط المكلفين باعتقال الزعيم وهما فضل الله منصور وعصام مريود، أعدما الزعيم خلافًا لأوامر قادة الانقلاب، لأتهم من القوميين، حسب هذه الراوية فإن التخطيط للانقلاب بدأ عقب مقتل سعادة مباشرة في شهر يوليو، واستغرق إعداده نحو شهر كامل.

اعترفت معظم الدول المجاورة بشرعية النظام القائم بعد الانقلاب سريعًا، وأرسلت لبنان والأردن «تهانيهما» بالانقلاب، في حين كانت إسبانيا السباقة عالميًا للاعتراف، وعبرت السفارة البريطانية في بيان عن سعادتها إذ قالت بأن "غيمة القمع السوداء التي هيمنت على البلد منذ مجيء الزعيم إلى السلطة قد انقشعت"، وعبر رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد عن سعادتهِ بالانقلاب وقال بأن الزعيم "لقي المصير الطبيعي لأي ثورة لا تستند على أي أساس"؛وبينما تلكأت السعودية أعلنت مصر الحداد ثلاث أيام على الزعيم؛ أما على صعيد الصحف المصرية وكذلك عدد من الصحف الغربية، لاسيّما الفرنسيّة، فقد نعته مذكرة بالتشريعات التقدمية التي أقرّها وإصلاحاته الزراعية ووجهت أصابع الاتهام إلى بريطانيا والهاشميين، وبينما تشير المعلومات عن دعم هاشمي من العراق لاسيّما بالأموال للانقلاب تبقى فرضية تدخل المملكة المتحدة بالانقلاب ضعيفة.

شكل الزعيم أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، دافعًا لخطوات مماثلة في عدد من الدول العربية الأخرى فيما يعرف بتأسيس "جمهوريات الضباط". "أثار الزعيم خيال الضباط الأحرار في مصر، فخلعوا الملك فاروق عام 1952". لم تخلّد الدولة السورية ذكرى الزعيم، بتسمية شوارع أو ساحات أو إصدار طوابع بريدية على اسمه. بينما أعدم على طريق المزة، لم يعرف موضع قبره حتى 3 يناير 1950، حين عثر على جثتهِ مدفونة "بثياب النوم التي اعتقل بها" في تابوت خشبي تحت كومة حجارة في منطقة أم الشراطيط قرب نهر الأعوج بدمشق، فنقلت إلى المشفى العسكري في المزة، ثم بسيارة عسكرية إلى مقبرة الدحداح، أغلى مقابر دمشق.لم تصادر الدولة السورية منزل الزعيم الذي امتلكه منذ أن كان قائدًا للجيش، ووافق البرلمان السوري على تخصيص راتب تقاعدي لأرملتهِ وأبنته، وهو ما استمرّ معمولاً بهِ لما بعد عهد الجمهورية الثانية. في 31 أكتوبر 1950 قتل سامي الحناوي في بيروت على يد محمد البرازي، ابن عم محسن البرازي رئيس وزراء الزعيم.
تطرقت الدراما السورية لشخصية حسني الزعيم في عدد من المسلسلات السورية، أبرزها الجزء الثاني من مسلسل حمام القيشاني عام 1995، حيث لعب فيه محمد الطيب دور الزعيم؛ كما ناقشت أعمال درامية أخرى فترة الجمهورية الأولى، وظهرت فيها شخصية الزعيم، منها مسلسل الدوامة من إنتاج 2008.

اقرأ المزيد ←

21 فبراير 2019

انقلاب مارس 1949 في سوريا.. حسني الزعيم

حسني الزعيم (1897 – 14 أغسطس 1949) رئيس الجمهورية السورية الأولى، عبر انقلاب مارس 1949، قبل أن يطاح به بانقلاب أغسطس 1949، لتكون فترة حكمه قرابة أربعة أشهر بين 30 مارس و14 أغسطس 1949. على الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تولى فيها الزعيم السلطة، إلا أنها تركت "علامة فارقة" في تاريخ سوريا الحديث، خصوصًا من ناحية كونها فاتحة عشرين انقلاب ومحاولة انقلابية كان آخرها الحركة التصحيحية.

جمع الزعيم خلال المرحلة الأولى من حكمه بين رئاسة الدولة والحكومة والسلطة التشريعيّة، وأجرى انتخابات رئاسية أفضت لفوزه، فغدا رئيسًا في 26 يونيو 1949؛[1] تمتع الزعيم في الأيام الأولى من انقلابه بدعم شعبي واسع، وتأييد معظم الطبقة السياسة السابقة، وذلك نتيجة لسلسلة الأزمات السياسية والركود الاقتصادي، وفقدان الثقة بالنظام بعد هزيمة حرب 1948. وسرعان ما تبخرت تلك الشعبية مع تفرده بالسلطة، وتسليمه أنطون سعادة، وإقراره اتفاق الهدنة مع إسرائيل. جمعت الزعيم صداقة قوية مع الملك فاروق الأول ملك مصر، وتحالف معه ومع المملكة العربية السعودية، وانقلب بنتيجة التحالف على مشروعي سوريا الكبرى والهلال الخصيب، الذين كان يدعمهما قبل رئاسته.

الزعيم هو أول رئيس من خارج الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية التي حكمت البلاد منذ سقوط سوريا العثمانية، والتي شكلت السمة الأبرز في الحياة السياسية خلال عهد الجمهورية السورية الأولى؛ وهو أول رئيس لا يعتمر الطربوش؛ وقد كتبت صحيفة التايمز أنه "أنهى حكم العائلات الغنية في سوريا، وقضى على الفساد في الدولة"؛ وعلى الرغم من فترة حكمه القصيرة إلا أنه قدم إنجازات هامة، منها منح المرأة حق التصويت، ووضع قانون الأحوال الشخصية. اعتبر الزعيم نفسه زعيمًا في مصاف زعماء كبار كنابليون وأتاتورك وهتلر، وقال في مرحلة لاحقة أنه «ملك سوريا»؛[2] وصف بالديكتاتور وقال عنه خالد العظم أنه «متهور وطائش»،اشتهر بولعه باللباس، وبقوله: «أتمنى أن أحكم الشام يومًا واحدًا ثم أقتل».

مع تزايد حدة الانتقادات للجيش إثر هزيمة حرب فلسطين، وحالة السخط الشعبي على المؤسسة العسكرية والطبقة السياسيّة خصوصاً والنظام القائم عموماً، دخلت البلاد في حالة أزمات سياسة متكررة لم يواجه النظام الجمهوري مثلها منذ قيامه. خلال مناقشة أسباب الهزيمة في البرلمان، تحولت الانتقادات إلى "انتقادات شخصية للضباط، لا سيّما قائد الجيش وبشكل ملحوظ من قبل الحزب التعاوني الاشتراكي؛ وهو ما شكل اللبنة الأولى لانقلاب الزعيم. وَعَدَ رئيس الجمهورية القوتلي بإجراء إصلاحات إدارية واقتصاديّة وتخصيص جزء كبير من الميزانيّة لإعادة بناء الجيش وتسليحه «والعمل على إعادة ثقة السوريين بنظامهم».
كانت بداية التدخل العملي للزعيم في الحياة السياسية في 3 ديسمبر 1948، حين اندلعت أعمال شغب في العاصمة إثر استقالة حكومة جميل مردم واعتذار هاشم الأتاسي عن تشكيل حكومة جديدة، بعد أن نشر الزعيم الجيش في العاصمة دون إذن مسبق من الحكومة أو السلطة السياسيّة، وفي اليوم ذاته أعلن القوتلي حالة الطوارئ وإخضاع البلاد للأحكام العسكريّة وإغلاق المدارس.

في اليوم التالي، بدأ الزعيم جولة لزيارة القطع العسكريّة في المحافظات السورية بهدف «رفع معنويات الجيش»، ما ساهم في تقوية علاقته مع معظم قادة الثكنات من جهة وبروز اسمه «مخلصاً للبلاد» من جهة ثانية. وفي 16 ديسمبر شُكّلت حكومة جديدة برئاسة خالد العظم بعد سلسلة أزمات في التكليف والتأليف، وجاء البرنامج الحكومي كما وصفته الصحافة «تقليدياً ومخيباً لآمال السوريين»، على الرغم من أنه نص على سعي الحكومة «لتحرير فلسطين». لم يساهم تشكيل الحكومة بالتخفيف من حدة الأزمة السياسية، بل تفاقمت نتيجة العداء المتبادل بين رئيس الحكومة خالد العظم وقائد الجيش حسني الزعيم "والذي كان يناله منه تجاهلاً بل تحقيرًا"؛أما النقطة الفارقة في الأزمة فكانت النقاش حول مد خطوط التابلاين في سوريا، ورفع حالة الطوارئ، ومناقشة السياسة العسكرية في مجلس النواب، إذ دفعت الزعيم مع أربعة عشر ضابطٍ للتخطيط للإنقلاب. وقال الصحفي السوري نذير فنصة، الذي جمعته صداقة مع الزعيم، إن تخطيط الانقلاب بدأ في 24 مارس في منزله، وكان سامي الحناوي بين الأربعة عشر ضابطًا الذين خططوا للانقلاب، تلاه اجتماع آخر في القنيطرة، ورغم وصول أنباء الإعداد لانقلاب عسكري وتذمر كبار الضباط للقوتلي، إلا أنه لم يعر هذه الأخبار أي اهتمام.

الانقلاب
يوم الأربعاء 30 مارس 1949، في تمام الساعة الثانية والنصف فجرًا، انتقل الزعيم من مقر عمله في القنيطرة إلى دمشق بعد أن أعطى أوامره بقطع كافة أشكال الاتصالات بينها وبين العالم الخارجي. وبعد وصوله المدينة أمر عددًا من وحدات الجيش السوري بتطويق القصر الرئاسي ومبنى مجلس النواب والوزارات الرئيسية، كما حوصرت مقرات الشرطة والأمن الداخلي والقوات نصف العسكرية المعروفة باسم الجندرمة التابعة لوزارة الداخليّة؛ في حين أعدّ أكرم الحوراني بيان الانقلاب الذي تلته الإذاعة السورية. وقد تمت عملية التطويق والاستسلام في جميع هذه المواقع سلمًا ودون إطلاق رصاصة واحدة. اعتقل الجيش شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم بعد أن بُلغا مذكرة من الزعيم بأن الجيش قد قرر استلام قيادة البلاد، ونقلا إلى مشفى المزة العسكري، ووجه الجيش الذي انتشر في الساحات العامة بيانًا مقتضبًا للشعب حول عملية «انتقال السلطة»؛ ولم يعلن في البلاغ الأول، وسلسلة البيانات الأولى اسم قائد الانقلاب، واكتفى بالإشارة للقيادة الجماعية للجيش؛ وقد اتخذ الزعيم من قصر مديرية الشرطة في ساحة المرجة مقرًا مؤقتًا له، وهو مقر عمله السابق.

في صباح الانقلاب، التقى الزعيم عددًا كبيرًا من أعضاء مجلس النواب يتقدمهم رئيس المجلس فارس الخوري، وأسفر اللقاء عن السماح للخوري بزيارة رئيسي الجمهورية والوزراء في مشفى المزة العسكري بعد ظهر ذلك اليوم، وقد جاءت زيارة الخوري للإطمئنان على صحة الرئيسين من ناحية، وليطلب منهما التوقيع على بيان الاستقالة. طبقًا للقانون الدستوري الدولي، الذي ينصّ على "انتقال" السلطة الشرعية، لا استملاكها بالقوة. وجب على البرلمان في 1 أبريل الانعقاد في فندق الشرق، نظرًا لاحتلال قوات الجيش مبنى البرلمان، وبحضور سبعين نائبًا "فوضت السلطة الشرعية" في البلاد إلى الزعيم، دون معارضة أي نائب، إلا أن غياب بعض النواب فسّر بأنه اعتراض على العملية، وعبرت كلمات النواب عن دعمها للنظام الجديد دون أي معارضة تذكر خوفًا من انقسام الجيش ما قد يدخل البلاد في حرب أهليّة. غير أنّ الأيام اللاحقة شهدت اعتقال عدد من النواب منهم منير العجلاني. في 3 أبريل أعلن الزعيم حل البرلمان، وتفويض نفسه صلاحيات التشريع، وإلغاء العمل بالدستور، لحين وضع دستور جديد للبلاد يعيد للسوريين «حقوقهم وحرياتهم» كما صرح في اليوم ذاته.

بعد أن بدا الوضع الأمني في البلاد مستقرًا بشكل عام، اتجه الزعيم نحو كسب "شرعية دستورية" عن طريق الانتخابات، فقرر عدم الانتظار لوضع دستور جديد للبلاد؛ بل الشروع بانتخاب رئيس جديد على أن تكون من صلاحياته إصدار الدستور العتيد؛ وشكل الزعيم في سبيل ذلك لجنة كتابة الدستور. بين 15 - 20 يونيو 1949، فتح الزعيم باب الترشيح للانتخابات، ولم يترشح أحد سوى الزعيم نفسه، وهو ما حوّل الانتخابات إلى استفتاء حول تبوؤ الزعيم منصب الرئاسة، وتفويضه سلطة إصدار الدستور.

جرت الانتخابات في 26 يونيو، وشاركت بها المرأة للمرة الأولى، وأفضت طبقًا للنتائج الرسمية بفوز ساحق للزعيم.وبعد إعلان النتائج، قلّد الزعيم نفسه منصب رئيس الجمهورية رسميًا، ورفع نفسه لمنصب جديد لم يكن سابقًا ضمن مراتب الجيش السوري هو المشير، وألف حكومة البرازي. مع استحداث رتبة المشير، اعتمد الزعيم شارة المنصب بقيمة 17,500 ليرة سورية (كان الدولار آنذاك 3.5 ليرة)، في حين لم تبارح "العصا الماريشالية" الظهور في يده في جميع المناسبات؛ وقد وضعت في المتحف الحربي السوري بعد خلعه؛ وبشكل عام، فإن "ولع الزعيم بالمظاهر القيصرية، وفي لباسه وشاراته، بشكل مسرحي، كان أحد عوامل سقوط نظامه جماهيريًا".

اقرأ المزيد ←