Breaking

23 يناير 2013

ما هي السادية والمازوخية؟ دليلك الشامل لفهم هذه الاضطرابات النفسية وأسبابها

ما هي السادية والمازوخية؟ دليلك الشامل لفهم هذه الاضطرابات النفسية وأسبابها

كثيراً ما تتردد مصطلحات مثل "السادية" و"المازوخية" في الأفلام، الروايات، وحتى في نقاشاتنا اليومية. لكن، ما هو المعنى الحقيقي والدقيق لهذه المصطلحات في علم النفس؟ وهل تقتصر حقاً على الجانب الجسدي كما يُشاع، أم أنها أعمق من ذلك بكثير؟ في هذا المقال، سنغوص في أعماق النفس البشرية لنفهم هذه الاضطرابات وجذورها التاريخية.

تعريف السادية، المازوخية، والسادو-ماسوشية

في علم النفس، تُصنف هذه الحالات كاضطرابات نفسية تتعلق بكيفية استجابة الفرد للألم، وتُعرّف كالتالي:

  • السادية (Sadism): هي اضطراب نفسي يتجسد في شعور الشخص باللذة والمتعة عند إيقاع الألم (سواء كان جسدياً أو نفسياً) على الطرف الآخر. أي أنها التلذذ بتعذيب الآخرين والسيطرة عليهم.
  • المازوخية (Masochism): وتُعرف أيضاً بـ "الماسوشية"، وهي اضطراب نفسي معاكس تماماً للسادية. يتجسد في شعور الشخص باللذة والمتعة عند وقوع الألم أو الاضطهاد والإهانة على نفسه.
  • السادو-ماسوشية (Sadomasochism): هي حالة نفسية مزدوجة وخليط بين الاضطرابين السابقين. حيث يتبادل الشخص الأدوار؛ فيكون سادياً في أحيان معينة، ومازوخياً خاضعاً في أحيان أخرى.
صورة الماركيز دو ساد الذي اشتقت منه كلمة السادية

الجذور التاريخية: من أين جاءت هذه المصطلحات؟

لم تظهر هذه المصطلحات من فراغ، بل ارتبطت بشخصيات تاريخية وروائية حقيقية أثارت الجدل في عصرها:

1. الماركيز دو ساد (أصل السادية)

ظهر مصطلح "السادية" لأول مرة في فترة الثورة الفرنسية (حوالي عام 1789). واشتُق من اسم الروائي الفرنسي الأرستقراطي دوناتيه ألفونس فرانسوا دو ساد (المعروف بالماركيز دو ساد). عُرف هذا الرجل بمجونه وممارساته العنيفة والقاسية مع النساء. وبسبب فضائحه المتتالية، ضاقت زوجته ذرعاً به، فأمرت باتهامه بالجنون وإيداعه في مصحة عقلية، وهو ما حدث بالفعل، ليُخلد اسمه في علم النفس كرمز للتلذذ بتعذيب الآخرين.

2. ليوبولد فون زاخر مازوخ (أصل المازوخية)

أما مصطلح "المازوخية"، فقد اشتُق من اسم الروائي النمساوي ليوبولد مازوخ، صاحب الرواية الشهيرة "فينوس في الفراء" (Venus in Furs). تضمنت روايته ممارسات خضوعية جسّدت أجزاءً من حياته الشخصية. ورغم محاولاته العديدة (ومحاولات ابنه من بعده) لتغيير هذا المُسمى وإبعاد اسم العائلة عن هذا الاضطراب الذي اعتبروه عاراً، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل، والتصق مصطلح المازوخية باسمه للأبد.

هل السادية والمازوخية ترتبطان بالجنس فقط؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هي ربط هذه الاضطرابات بالممارسات الجنسية فقط. في الحقيقة، تمتد السادية والمازوخية لتشمل تفاصيل حياتنا اليومية، وقد يمارسها الشخص دون وعي منه!

على سبيل المثال: مشاهدة أفلام الرعب. يُعد إصرار الشخص على مشاهدة فيلم رعب، رغم علمه المسبق بأنه سيشعر بالخوف والتوتر والقلق، نوعاً من الممارسة المازوخية الخفيفة؛ فهو يستمتع بالألم النفسي أو الخوف الذي يوقعه على نفسه. وبالمثل، قد تظهر السادية في الحياة اليومية عبر التلذذ بالسخرية اللاذعة من الآخرين أو إحراجهم علناً (التنمر).

السادية والمازوخية بين الرجل والمرأة

تاريخياً، ساد اعتقاد بأن الرجل يميل بطبيعته للسادية، بينما تميل المرأة للمازوخية. استند هذا الرأي إلى التكوين الجسدي؛ فبنية الرجل العضلية القوية قد تسهل عليه ممارسة السيطرة، بينما بنية المرأة الرقيقة قد تدفعها للخضوع. وقد أشار العالم النفسي (G.A. Hadfield) إلى أن غريزة الخضوع قد تقوى أحياناً لتتحول إلى متعة باحتمال الألم.

ولكن في علم النفس الحديث، يُعتبر هذا مجرد تنميط (Stereotype). الانحراف عن المعتاد وارد جداً؛ فهناك الكثير من الرجال المازوخيين، والنساء الساديات. الاضطراب النفسي لا يعترف بالبنية الجسدية أو الجنس.

الأسباب النفسية: كيف تنشأ هذه الاضطرابات؟

لا يولد الإنسان سادياً أو مازوخياً، بل تنشأ هذه الاضطرابات في مراحل مبكرة جداً من الحياة (الطفولة). تبدأ كخيالات وتتطور مع الوقت إلى ممارسات فعلية قد تصل لحد الإدمان.

يرى عالم النفس الشهير سيجموند فرويد أن السادية والمازوخية هما نتاج صدمات نفسية أو تجارب مبكرة قاسية. ويُعد تاريخ "ليوبولد مازوخ" نفسه دليلاً على ذلك؛ ففي صغره، اختبأ في خزانة وشاهد عمته في وضع غير لائق مع عشيقها. وعندما أصدر ضجة واكتشفته، قامت بضربه ومعاقبته بشدة. هنا، ارتبطت اللذة بالألم في عقله الباطن، وأصبح لا يشعر بالمتعة إلا إذا اقترنت بالألم الجسدي أو النفسي.


خلاصة القول: السادية والمازوخية هما غالباً نتاج بيئة غير صحية في الطفولة، مثل التعرض للعنف، التحرش، الاغتصاب، أو حتى مشاهدة مواقف عنيفة. هذه الصدمات تؤثر على نفسية الطفل الهشة، وتجعله يترجم الألم واللذة بطريقة مضطربة في المستقبل. فهمنا لهذه الاضطرابات هو الخطوة الأولى للتعاطف مع النفس البشرية ومحاولة علاجها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق