يمتلئ التراث العربي والمصري بشخصيات أسطورية تركت بصمتها في وجداننا، ولعل أشهرها على الإطلاق شخصية "جحا"، ذلك الرجل الذي جمع بين الحكمة والمكر والفكاهة. ومن بين مئات النوادر التي تُروى عنه، تبرز قصة عبقرية أصبحت مضرباً للأمثال في اتخاذ الحجج الواهية للوصول إلى أهداف خبيثة، وهي قصة: "مسمار جحا". فما هي حكاية هذا المسمار الذي أزعج التاريخ؟
صورة تعبيرية من نوادر جحا
البيع المشروط.. فخ جحا الماكر
تبدأ الحكاية عندما مر جحا بضائقة مالية، فقرر أن يبيع داره التي يحبها. ولكنه، وبدهاء شديد، أراد أن يقبض ثمن الدار دون أن يفرط فيها تماماً! عرض جحا الدار للبيع بسعر مغرٍ جداً، وسرعان ما تقدم أحد المشترين السذج لاقتناص هذه الفرصة.
أثناء كتابة العقد، وضع جحا شرطاً غريباً، قال للمشتري: "أنا أبيعك الدار كلها، ما عدا مسماراً واحداً مدقوقاً في هذا الحائط، هذا المسمار لي، وأشترط أن أزوره وأطمئن عليه متى شئت!". استخف المشتري بالشرط، فما قيمة مسمار صغير في حائط دار كبيرة؟ ووافق على الفور دون أن يدرك أنه وقع في فخ محكم.
الزيارات الثقيلة والضيف المفروض
انتقل المشتري وعائلته للعيش في الدار، وما هي إلا أيام قليلة حتى سُمع طرق قوي على الباب. فتح الرجل ليجد جحا أمامه مبتسماً. سأله الرجل عن سبب الزيارة، فأجاب جحا ببراءة مصطنعة:
"جئت لأطمئن على مسماري عزيزي!"
بحكم الأصول والضيافة، رحب الرجل بجحا، وأجلسه، وقدم له الطعام والشراب. لكن الزيارة طالت بشكل مبالغ فيه، وبدأ جحا يكرر هذه الزيارات يومياً، وكان يتعمد اختيار أوقات الغداء أو العشاء ليشارك الرجل وعائلته طعامهم بحجة "الجلوس مع المسمار".
الضربة القاضية.. النوم في ظل المسمار!
بدأ المشتري يشعر بالحرج والضيق الشديدين من هذا الضيف الثقيل الذي لا يرحل. وفي أحد الأيام، تجاوز جحا كل الحدود؛ إذ دخل الدار، وخلع جبته، وفرشها على الأرض أسفل المسمار، وتثاءب متهيئاً للنوم العميق!
لم يطق المشتري صبراً، فصرخ في وجهه: "ماذا تنوي أن تفعل يا جحا؟ هل ستنام هنا؟!". فأجابه جحا بكل هدوء وبرود أعصاب:
"الدار دارك يا أخي.. ولكني متعب، وسأنام قليلاً في ظل مسماري!"
استمر جحا على هذا المنوال المزعج، ينام ويأكل ويجلس في الدار متى شاء بحجة المسمار. وفي النهاية، لم يتحمل المشتري المسكين هذا العذاب النفسي، فحمل أمتعته، وترك لجحا الدار بما فيها وهرب بجلده، ليسترد جحا داره وأموال المشتري معاً!
متى نستخدم هذا المثل اليوم؟
أصبح تعبير "مسمار جحا" يُطلق على كل حجة واهية أو عذر سخيف يتخذه شخص (أو حتى دولة) للتدخل في شؤون الآخرين، أو لفرض السيطرة والبقاء في مكان لا يحق له البقاء فيه. إنه رمز للابتزاز المقنع بغطاء قانوني أو اتفاق شكلي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق