Breaking

19 فبراير 2019

ما الفرق بين الشعبوية والديماجوجية؟ دليل شامل لفهم الخطاب السياسي

ما الفرق بين الشعبوية والديماجوجية؟ دليل شامل لفهم الخطاب السياسي

في عالم السياسة المليء بالمصطلحات المعقدة، يبرز مصطلحان يكثر استخدامهما في وسائل الإعلام لوصف الحركات السياسية والزعماء: الشعبوية (Populism) والديماجوجية (Demagoguery). فما هو تعريف كل منهما؟ وكيف يتم استخدامهما للتأثير على الجماهير؟ في هذا المقال، سنغوص في أعماق هذين المفهومين وتاريخهما.

أولاً: ما هو تعريف الشعبوية؟

تُعرف الشعبوية بأنها أيديولوجية أو فلسفة سياسية، أو نوع من الخطاب السياسي الذي يعتمد على إثارة عواطف الجماهير باستخدام الديماجوجية لتحييد القوى المعارضة. يعتمد السياسيون الشعبويون على هذا النهج لكسب تأييد الناس لسياساتهم، ولإضفاء شرعية جماهيرية على قراراتهم.

على النقيض من السياسة العقلانية التي تعتمد على تقديم المعلومات، الأرقام، والبيانات لمخاطبة "عقل" الناخب، يعتمد الشعبويون على مخاطبة "العاطفة". ولذلك، غالباً ما يُتهم دُعاة الشعبوية بمعاداة الفكر أو ممارسة ما يُسمى بـ "عبادة الجهل".

خطر الشعبوية: من أكبر النتائج الكارثية للشعبوية هي قدرتها على إقناع الأغلبية الساحقة من الشعب بالقبول بالسلطة المطلقة لفرد واحد أو لمجموعة من الزعماء.
دونالد ترامب كمثال على الخطاب السياسي الجماهيري الحديث

الجذور التاريخية للشعبوية

تُشتق كلمة "الشعبوية" من كلمة "الشعب"، وتفترض التوجه المباشر للجماهير. وللشعبوية حضور بارز عبر التاريخ:

  • اليونان القديمة: ظهرت مع صعود الديماغوجيين مثل "كليون"، مما أدى إلى انتكاس ديمقراطية أثينا. هذا دفع فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو إلى نبذ "حكم الرعاع".
  • الإمبراطورية الرومانية: صعد أباطرة وضباط استخدموا قدراتهم الخطابية لتحريك الجموع عاطفياً للوصول إلى الحكم الاستبدادي، ومن أبرزهم "الأخوان غراكي" و"يوليوس قيصر".
  • الشرق الأوسط: أخذ الشعب تاريخياً دور "الرعية" التي تمارس طقوس الطاعة للحاكم. استغل الحكام البُنى التقليدية (القبيلة والعشيرة) لتعزيز سلطتهم، وغالباً ما كانت النخب تنظر لعامة الشعب بنظرة ازدراء (العوام أو السُّوقة).
  • الثورة الفرنسية: حوّلت الثورة "عامة الشعب" إلى عنصر فاعل. ورغم أنها أسست لقطيعة مع النظام القديم، إلا أنها انزلقت في ممارسات إقصائية دموية، مما سمح بظهور مستبدين جُدد تسلقوا على أكتاف "الشعب".

الشعبوية في العصر الحديث

في ثلاثينيات القرن العشرين، برزت الشعبوية بقوة في أمريكا اللاتينية نتيجة ضعف وفساد الحكومات، ولعل أشهرها تجربة الزعيم "خوان دومنغو بيرون" وزوجته "إيفيتا". وفي العالم العربي، استحكمت السياسات الشعبوية منذ أواخر الأربعينيات، ووصلت ذروتها مع الآيديولوجية الناصرية في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، والتي جذبت المثقفين ورجال الأعمال إلى جانب الجماهير.

استمرت الحركات الشعبوية بأسماء ومبادئ مختلفة، مثل اقتراح الرئيس الإكوادوري عبد الله بوكرم تشكيل "حكومة من الفقراء" رغم إحاطته بالأثرياء، أو الرئاسة الاجتماعية لهوغو شافيز في فنزويلا التي وجهت غضب الجماهير ضد فساد الطبقة السياسية.

خصائص الخطاب الشعبوي

رغم تضارب معاني الشعبوية بين الرومانسية الثورية والدونية السياسية، يجمع دُعاتها عدة صفات مشتركة:

  • ادعاء احتكار تمثيل "الشعب" وأنهم صوته وضميره.
  • الاعتماد على خطاب عاطفي مُبهم يفتقر للرؤى الواقعية لحل المشاكل.
  • تبسيط الأمور المعقدة بشكل مسرحي وكرنفالي.
  • استحضار التاريخ كوسيلة أيديولوجية ذات عمق انفعالي.
بيرني ساندرز والخطاب السياسي الموجه للجماهير

يرى الباحث الفرنسي "بيير أندريه تاغييف" أنه من الخطأ المساواة التامة بين الشعبوية والديماجوجية؛ فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين، بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه أولاً. وتزعم الشعبوية أن السياسة أمر بسيط، وأن تعقيدها هو مكيدة من "النخبة" لإبعاد المواطنين العاديين عن صنع القرار.

ثانياً: ما هي الديماجوجية (الغوغائية أو الدهمانية)؟

الديماجوجية هي استراتيجية سياسية تهدف إلى الحصول على السلطة من خلال التلاعب بالتحيزات الشعبية، والاستناد إلى مخاوف الجمهور وأفكارهم المسبقة. يتم ذلك عادة عن طريق الخطابات الحماسية، الدعاية، واستخدام المواضيع القومية لاستثارة العواطف.

في عصرنا الحالي، تدل الديماجوجية على مجموعة الحيل والمناورات والوعود الكاذبة التي يلجأ إليها السياسيون (خاصة في مواسم الانتخابات) لخداع الجماهير بحجة العمل لمصلحتهم، بينما الهدف الحقيقي هو الوصول إلى السلطة.

صفات الشخص الديماغوجي

الديماغوجي هو شخص يسعى لاجتذاب الناس عبر التملق وتشويه الحقائق. يعتمد في خطاباته على فنون الكلام واللعب على سذاجة السامعين، متجنباً استخدام "المنطق البرهاني"؛ لأن البرهان يبعث على التفكير ويوقظ الحذر لدى المستمع، وهو ما يتعارض مع أهداف الديماغوجي الذي يفضل إبقاء الجماهير في حالة من الانفعال العاطفي.


المراجع والمصادر:

  • «الشعبوية» من السياسة إلى الفقه الشرق الأوسط، علي إبراهيم.
  • مثقف مهزوم وحاكم أبله: السخرية هي السبب. أحمد شهاب الدين، موقع منشور.
  • قاموس Le Petit Robert (ص1348).
  • قاموس المنهل (ص 799).
  • تقديم الشعبوية باعتبارها سياسة، أمير طاهري، جريدة الشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق