انقلاب تشيلي 1973: ملحمة الديمقراطية المسحوقة وصعود البطريرك المستبد
في الحادي عشر من سبتمبر عام 1973، ارتفعت أعمدة الدخان الأسود من قصر "لا مونيدا" الرئاسي في العاصمة التشيلية سانتياغو، معلنة سقوط تجربة ديمقراطية فريدة في أمريكا اللاتينية تحت جنزير الدبابات وقذائف الطائرات الحربية. قاد هذا الانقلاب الدموي الجنرال أوغستو بينوشيه، ليدشن حقبة من القمع والحديد والنار استمرت سبعة عشر عاماً. تحول بينوشيه (المولود في 25 نوفمبر 1915) من قائد للجيش أقسم على حماية الدستور، إلى حاكم عسكري مطلق ارتبط اسمه بأبشع الانتهاكات الحقوقية والمالية في القرن العشرين.
الجنرال أوغستو بينوشيه: القبضة الحديدية التي حكمت تشيلي بالخوف والدماء لسبعة عشر عاماً
سلفادور ألليندي: الربيع الاشتراكي في مواجهة الغضب الأمريكي
بدأت فصول هذه المأساة في نوفمبر من عام 1970، عندما وصل الزعيم الاشتراكي الملهم سلفادور ألليندي إلى سدة الرئاسة في تشيلي عبر صناديق الاقتراع وبانتخابات حرة ومباشرة. كان صعود ألليندي يمثل ذروة المد الاشتراكي واليساري في أمريكا اللاتينية إبان الحرب الباردة، حتى أن عدداً كبيراً من قساوسة الكنيسة الكاثوليكية هجروا صوامعهم ليتجهوا نحو العمل الثوري والتحريض ضد فساد النخب الرأسمالية التي تدعمها واشنطن.
اتخذ ألليندي سياسات اقتصادية جريئة انتصرت للفقراء والمعدمين، وشملت تأميم ثروات البلاد الطبيعية ومناجم النحاس، وهو ما ضرب مصالح الشركات الاحتكارية الأمريكية في مقتل. رأت الولايات المتحدة في ألليندي خطراً شيوعياً داهماً يهدد نفوذها في نصف الكرة الغربي. ولأنها لم تكن قادرة على الطعن في شرعيته الدستورية والانتخابية، قررت إزاحته بأقذر الطرق: الانقلاب العسكري المباشر.
الرئيس الشرعي المنتخب سلفادور ألليندي: رفض الاستسلام ومات دفاعاً عن الدستور والشرعية
الحادي عشر من سبتمبر: سقوط رئيس ودمار قصر
كان الرجل المختار لتنفيذ رغبة واشنطن هو قائد الجيش المعين حديثاً، الجنرال أوغستو بينوشيه. في فجر 11 سبتمبر 1973، حاصرت الدبابات وجنود المشاة قصر "لا مونيدا" الرئاسي، وقصفت الطائرات الحربية المبنى بعنف. طُولب ألليندي بالاستسلام والهرب خارج البلاد لتأمين حياته، لكنه رفض بشدة.
ارتدى ألليندي الوشاح الرئاسي التقليدي الذي ميز رؤساء تشيلي طوال قرنين، وحمل بندقيته ليدافع عن حقه الشرعي حتى اللحظة الأخيرة. سقط ألليندي قتيلاً داخل القصر الرئاسي المهدم. وبينما أفادت الرواية الرسمية للانقلابيين (والتي أيدها تشريح الجثة عام 1990) بأنه انتحر بطلقات رشاش أهداه إليه الزعيم الكوبي فيديل كاسترو، يصر مؤيدوه وجبهته الشعبية على أنه قُتل بنيران القوات المقتحمة أثناء دفاعه عن كرامة الديمقراطية التشيلية.
عهد الزمرة العسكرية: سحق الحريات وإرهاب الدولة المنظم
عقب اغتيال ألليندي، أعلن بينوشيه تشكيل مجلس عسكري (خونتا) يضم قادة أسلحة الجيش:
- الجنرال أوغستو بينوشيه ممثلاً للجيش (رئيس المجلس).
- الأدميرال خوسيه توريبيو ميرنو ممثلاً للقوات البحرية.
- الجنرال غوستافو لاي ممثلاً للقوات الجوية (طُرد لاحقاً في 1978 واستُبدل بالجنرال فرناندو ماتهي).
- سيزار ميندوزا ممثلاً لقوات الشرطة العسكرية الموحدة (الكارابينيروس).
علّق المجلس الدستور، وحظر الأحزاب اليسارية والأنشطة السياسية والعمالية، وتحولت تشيلي إلى سجن كبير يمارس فيه إرهاب الدولة المنظم. ووفقاً لـ "وثائق فاليك" الرسمية الصادرة لاحقاً، تسبب نظام بينوشيه في مقتل واختفاء أكثر من 3000 مواطن تشيلي، بينما تعرض للتعذيب والسجن الرهيب أكثر من 28,000 شخص، ونُفي مئات الآلاف خارج البلاد.
السفير والسياسي المعارض أورلاندو ليتيلير الذي اغتالته المخابرات التشيلية بتفجير سيارته في واشنطن عام 1976
امتدت مخالب المخابرات التشيلية (DINA) لتغتال المعارضين خارج الحدود؛ وكان من أشهر ضحاياها السفير والوزير السابق أورلاندو ليتيلير، الذي اغتيل بتفجير سيارته بعبوة ناسفة في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن عام 1976 بتوجيه مباشر من بينوشيه ضمن "عملية كوندور" السرية لقمع المعارضين في الخارج.
الأدب في مواجهة الطاغية: الكلمة تفضح الرصاص
منذ أيامه الأولى، كسب بينوشيه عداء الصف الأول من مفكري وكتاب أمريكا اللاتينية والعالم. فقد طارد عائلة ألليندي، مما أجبر السياسية التشيلية إيزابيل ألليندي (ابنة الرئيس الراحل) والروائية العظيمة إيزابيل ألليندي (ابنة أخيه) على الفرار واللجوء السياسي. واستلهمت الروائية إيزابيل هذا الانقلاب في روايتها الشهيرة عالمياً "بيت الأرواح".
كما واجهه الكاتب الكولومبي الحائز على نوبل غابرييل غارسيا ماركيز بكتابه الشهير "مهمة سرية في تشيلي"، واستلهم تفاصيل ديكتاتوريته في روايته الأيقونية "خريف البطريرك". وانضم إليهم البيروفي ماريو فارغاس يوسا، والكاتب الإنجليزي الشهير غراهام غرين، ليكون بينوشيه العدو الأبرز للنخبة المثقفة العالمية التي فضحته عبر رواياتها وكتبها المترجمة لجميع اللغات.
روابط الديكتاتورية العابرة للقارات ودعم واشنطن
الجنرال بينوشيه يستقبل مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر الحليف الأول لنظامه
حظي نظام بينوشيه بدعم ومباركة مباشرة من الإدارة الأمريكية، وتحديداً من مهندس السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر. تلاقت مصالح بينوشيه مع مصالح أمريكا في تصفية الحركات الثورية واليسارية في المنطقة. وشهد عهده تفاهمات وتواطؤاً مع طغاة آخرين تدعمهم واشنطن، مثل الحاكم العسكري لبنما "مانويل نورييجا"، وديكتاتور الدومينيكان "رافاييل تروخيليو"، والجنرال "عمر توريخوس" في بنما قبل تصفيته.
وقد مثل هؤلاء الحكام الوجه القبيح للتبعية العسكرية لواشنطن، في عصر شهد ديكتاتوريات أوروبية عاصرت عهده مثل "سالازار" في البرتغال، و"فرانكو" في إسبانيا، و"تشاوشيسكو" في رومانيا.
صراعات إقليمية ومحاولات اغتيال فاشلة
لم يخلُ عهده من الأزمات الإقليمية العنيفة؛ فخلال عامي 1977 و1978، وقفت تشيلي على شفير حرب شاملة مع الأرجنتين (التي كان يحكمها نظام عسكري أيضاً) بسبب النزاع على ملكية ثلاث جزر استراتيجية (بيكتون، لينوكس، ونيوفا). ولم يُنزع فتيل الحرب إلا بتدخل مبعوث البابا يوحنا بولس الثاني "أنتونيو ساموري"، مما أدى لتوقيع معاهدة السلام والصداقة عام 1984، والتي منحت الجزر لتشيلي.
الجنرال بينوشيه في استعراض عسكري مهيب عام 1982 محاطاً بقواته الموالية له
داخلياً، تزايدت حركات المقاومة المسلحة؛ ففي عام 1986، أحبطت قوات الأمن تهريب 80 طناً من الأسلحة المتطورة لصالح "جبهة مانويل رودريغز الوطنية" (الجناح العسكري للحزب الشيوعي المحظور) بتمويل من كوبا والاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية.
وفي سبتمبر 1986، استخدمت الجبهة هذه الأسلحة في محاولة اغتيال جريئة وفاشلة استهدفت موكب بينوشيه. نجا الديكتاتور بجروح طفيفة، بينما قُتل خمسة من حراسه الشخصيين. توعد بينوشيه معارضيه بعدها بتصريحه الشهير: "نبقي عيوننا مفتوحة على بعض السادة"، وتلت المحاولة حملة تصفيات وحشية شملت قطع رؤوس ثلاثة من قادة الحزب الشيوعي على يد الشرطة العسكرية، مما أدى لاستقالة الجنرال ميندوزا من المجلس العسكري تحت الضغط الفضيحي.
السقوط المدوي: عندما قالت تشيلي "لا" للديكتاتور
في مايو 1983، بدأت الحركات العمالية والشعبية بتنظيم إضرابات وعصيانات مدنية تلتها مطالبات بالعودة للمسار الديمقراطي. وطبقاً لنصوص الدستور الانتقالي لعام 1980، نُظم استفتاء عام عام 1988 بمرشح واحد هو بينوشيه لتمديد حكمه طوال حياته.
لكن المحكمة العليا حسمت الأمر بفرض شروط انتخابية شفافة وحجز ساعات بث تلفزيوني مجانية للمعارضة. استغلت جبهة الرفض بقيادة ريكاردو لاغوس هذه الساعات لتبث إعلانات زاهية ومستبشرة تحث الشعب على رفض الطاغية وتسليط الضوء على جرائم الاختفاء والتعذيب. وجاءت النتيجة زلزالاً هز أركان النظام؛ حيث صوت 55% من الناخبين بـ "لا" مقابل 42% قالوا "نعم".
اضطر بينوشيه صاغراً للقبول بالهزيمة، وتخلى عن رئاسة البلاد لـ باتريسيو أيلوين، الرئيس المنتخب ديمقراطياً عام 1989، ليرحل عن قصر الرئاسة في 11 مارس 1990. لكنه، بفضل التعديلات الدستورية السابقة، احتفظ بقيادة الجيش حتى عام 1998، وحصل على مقعد سيناتور مدى الحياة في مجلس الشيوخ ليضمن لنفسه حصانة ضد المحاكمة.
خريف البطريرك العجوز والعدالة المؤجلة
ظن بينوشيه أنه محمي بحصانته الدستورية، لكن شبح الضحايا ظل يطارده. في عام 2002، سافر الحاكم العجوز إلى بريطانيا لإجراء فحوصات طبية. وهناك، وقعت المفاجأة الكبرى؛ إذ تم اعتقاله بناءً على تفويض قضائي دولي أصدره القاضي الإسباني الشجاع بالتاسار غارسون بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتصفية مواطنين إسبان.
بقي بينوشيه قيد الإقامة الجبرية في لندن لأكثر من عام، ثم أُطلق سراحه لأسباب طبية وعاد لتشيلي. ورغم محاولات تبرئته بادعاء إصابته بـ "خرف وعائي" يمنع محاكمته، إلا أن المحكمة العليا في تشيلي قضت بصلاحيته للمحاكمة عام 2004، بعد أن كشفت التحقيقات أيضاً عن حيازته لحسابات سرية بملايين الدولارات مهربة في المصارف الأمريكية والأجنبية، نُهبت من أموال الشعب التشيلي.
إرث مثير للجدل: بين الاقتصاد الحر وندوب الضحايا
لا يزال المجتمع التشيلي منقسماً حول إرث بينوشيه؛ فمؤيدوه يفتخرون بأنه أنقذ تشيلي من خطر الشيوعية وقضى على الجماعات الإرهابية، وطبق سياسات السوق الحر الليبرالية الجديدة بالاستعانة بـ "صبيان شيكاغو" (Chicago Boys)، واضعاً أساس النمو الاقتصادي السريع الذي شهدته البلاد.
أما معارضوه، وهم السواد الأعظم، فيرون فيه الطاغية الذي دمر ديمقراطية تشيلي العريقة، ومارس إرهاب الدولة المنظم بالقتل والتعذيب الممنهج لآلاف الأبرياء، مفضلاً مصالح النخبة الثرية على حساب ذوي الدخل المحدود الذين دفعوا ثمن سياساته الاقتصادية القاسية.
خاتمة: إن نهاية بينوشيه، ملاحقاً باللعنات والفضائح المالية وجرائم التعذيب، تثبت أن الديكتاتور قد ينجو من رصاص الثوار ومن قضبان السجون لبعض الوقت، لكنه لا ينجو أبداً من سجن التاريخ ومن لعنة الكلمة والأدب التي خلدت فظائعه لتكون عبرة لكل الطغاة. (صيغت المادة بالاعتماد على التوثيقات التاريخية لملفات حقوق الإنسان في تشيلي وأرشيف أمريكا اللاتينية الأدبي).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق