Breaking

17 مارس 2019

جلال عامر: أمير السخرية الذي حارب في أكتوبر وواجه "حرب الثلاث وجبات" بقلمه

يُعد جلال عامر (1952 - 2012) واحداً من أهم وأبرز الكُتاب الساخرين في مصر والعالم العربي. لم يكن مجرد صحفي يكتب كلمات مضحكة، بل كان فيلسوفاً يشرّح الواقع بمرارة وذكاء. تخرج في الكلية الحربية وشارك كضابط في ثلاث حروب مصرية، كان أبرزها ملحمة حرب أكتوبر 1973، لينتقل بعدها من خنادق القتال إلى خنادق الكلمة، مدافعاً عن المواطن البسيط بريشة ساخرة لا تخطئ الهدف.

الخلفية الثقافية والبدايات الصحفية

جمع جلال عامر بين دراسة القانون في كلية الحقوق وفلسفة الفكر في كلية الآداب، مما منح كتاباته عمقاً تحليلياً فريداً. بدأ مشواره ككاتب قصة قصيرة وشاعر، ثم انطلق في عالم الصحافة من خلال جريدة القاهرة تحت رئاسة الأستاذ صلاح عيسى، حيث أشرف على صفحة "مراسيل ومكاتيب للقراء".

ذاع صيته من خلال عموده اليومي الشهير "تخاريف" في جريدة المصري اليوم، والذي تابعه مئات الآلاف يومياً، بالإضافة إلى كتاباته في جريدة الأهالي. استطاع عامر أن يبني قاعدة جماهيرية ضخمة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت "تخاريفه" إلى شعارات يرددها الشباب في الميادين.

مدرسة جلال عامر: فن التداعي الحر

ابتدع جلال عامر مدرسة جديدة في فن الكتابة الساخرة تعتمد على "التداعي الحر للأفكار" والتكثيف الشديد. كان يطرح عدداً كبيراً من الأفكار في المقال الواحد ويربطها معاً بشكل عبقري غير قابل للتفكيك، لتصبح المقالة وحدة واحدة متماسكة رغم تشعب موضوعاتها. تميز أسلوبه بالتوريات الذكية التي تفتح مدارك القارئ على حقائق سياسية واجتماعية غائبة خلف ستار السخرية.

رسم كاريكاتيري لجلال عامر بريشة كارلوس لاتوف
رسم تخيلي لجلال عامر بريشة الفنان العالمي كارلوس لاتوف

مصر على كف عفريت: تشريح وطن

في عام 2009، أصدر كتابه الشهير "مصر على كف عفريت" (عن دار العين)، وهو محاولة لبحث حالة وطن كان يملك غطاء ذهب فأصبح من دون غطاء "بلاعة". يتساءل عامر في كتابه: "هل مصر في يد أمينة أم في إصبع أمريكا أم على كف عفريت؟".

عبر صفحات الكتاب، يمزج عامر بين تجربته كضابط خاض حروباً ضد إسرائيل، وتجربته كمواطن يخوض "حرب الثلاث وجبات" في طوابير الخبز. كما تبرز ثقافته الواسعة من خلال مقارناته بين الواقع المصري والروايات العالمية، مثل رواية "المسيح يصلب من جديد" لكازنتزاكيس، والتي قارنها بحادثة غرق "عبارة السلام". كما ضم إرثه كتاباً آخر بعنوان "قصر الكلام".

من أجمل أقوال جلال عامر (تخاريف خالدة)

  • "كان نفسي أطلع محلل استراتيجي لكن أهلي ضغطوا عليّ لأستكمل تعليمي."
  • "أكتب قصة شاب تخرج في الجامعة بتقدير «امتياز» موضحًا أسباب انتحاره."
  • "الحاكم في العالم الثالث مثل شعر الرأس كل ما تحلقه يطلع لك تاني."
  • "أعلم أن المنافقين في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لكنهم في الدنيا في الصفحات الأولى من الصحف."
  • "أصبح للحكومة صحف وتليفزيون وموقع وكتاب وبقي أن تكون لها إنجازات."
  • "يطبق القانون على «المغضوب عليهم» لكنه يتغاضى عمن يقول «آمين»."
  • "مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخباً، ولا يهمه العاري إلا إذا كان امرأة."
  • "مشكلة المصريين الكبرى أنهم يعيشون في مكان واحد لكنهم لا يعيشون في زمان واحد."
  • "سوف نعبر هذه المحنة عندما تصبح مدرجات الجامعة أهم من مدرجات الكرة، ومعامل البحث العلمي أهم من مكاتب البحث الجنائي."
  • "لا ناصر ولا السادات ولا مبارك، لكن الجندي المجهول الذي لا نعرف قبره هو بطل الحرب، والمواطن البسيط الذي لا نعرف بيته هو بطل السلام."
  • "كل شعوب العالم لا تعرف ماذا يحدث في المستقبل إلا الشعب المصري فإنه لا يعرف ماذا يحدث الآن."
  • "قد نختلف مع النظام لكننا لا نختلف مع الوطن، ونصيحة أخ: لا تقف مع «ميليشيا» ضد وطنك حتى لو كان الوطن مجرد مكان ننام على رصيفه ليلاً."

الوفاة والرحيل التراجيدي

توفي جلال عامر فجر يوم 12 فبراير 2012 إثر إصابته بأزمة قلبية حادة أثناء مشاركته في مسيرة احتجاجية بمنطقة رأس التين بالإسكندرية. سقط عامر عندما شاهد مجموعة من "البلطجية" يهاجمون المتظاهرين، وكانت آخر كلماته التي رددها قبل رحيله: "المصريين بيموتوا بعض".

وتقديراً لمسيرته الوطنية والأدبية، قامت محافظة الإسكندرية بإطلاق اسمه على أحد شوارع منطقة "بحري" بمسقط رأسه، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة المدينة التي عشقها والوطن الذي دافع عنه بسلاحه وقلمه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق