المشير عبد الرحمن سوار الذهب.. رمز الزهد في السلطة والوفاء للوطن
يُعد المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب (1934 - 2018) علامة فارقة في تاريخ السياسة العربية والإفريقية. فهو الرجل الذي تسلم مقاليد الحكم في لحظة تاريخية حرجة، ثم أوفى بعهده وسلم السلطة طواعية للحكومة المنتخب، ليسطر اسمه بأحرف من نور كواحد من القلائل الذين عبروا واقعاً عن حب الوطن والزهد في بريق الكرسي.
النشأة والمسيرة العسكرية المبكرة
ولد عبد الرحمن سوار الذهب في مدينة الأبيض بالسودان عام 1934. تلقى تعليمه العسكري في الكلية الحربية السودانية وتخرج منها عام 1955. تدرج في المناصب العسكرية بفضل انضباطه وكفاءته، حيث عُرف بمواقفه الصارمة في حماية الشرعية؛ ومن أبرزها رفضه تسليم حامية مدينة الأبيض العسكرية عندما كان قائداً لها أثناء انقلاب الرائد هاشم العطا عام 1971، وظل صامداً حتى استعاد النظام مقاليده.
شغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني ثم وزير الدفاع في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري. ورغم إبعاده عن الخدمة تعسفياً في عام 1972، إلا أنه عاد لاحقاً ليشغل أعلى المناصب العسكرية، حيث عُين في مارس 1985 قائداً أعلى للقوات المسلحة السودانية.
الإنجاز التاريخي في قطر: تأسيس الكيان العسكري والشرطي
خلال فترة إبعاده عن الخدمة في السودان عام 1972، انتقل سوار الذهب إلى دولة قطر، حيث عمل مستشاراً للشؤون العسكرية للشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. وهناك، وضع بصمة لا تُنسى في تاريخ قطر العسكري؛ فهو أول من قام بفرز الأرقام العسكرية وتحديد أرقام منفصلة للشرطة وأخرى للجيش. كما قام باستبدال الزي العسكري وتأسيس كيانين مستقلين هما شرطة قطر والقوات المسلحة القطرية، مما ساهم في بناء مؤسسات الدولة الحديثة هناك.
انتفاضة أبريل 1985 والوفاء بالعهد
في أبريل 1985، وتزامناً مع الانتفاضة الشعبية ضد نظام جعفر نميري، تسلم سوار الذهب السلطة بصفته أعلى قادة الجيش وبتنسيق مع القوى السياسية والنقابية. تقلد رئاسة المجلس الانتقالي ورفع رتبته إلى مشير، لكنه أكد منذ اللحظة الأولى أن وجوده مؤقت حتى قيام حكومة منتخبة.
وفي عام 1986، وفي مشهد تاريخي نادر، سلم سوار الذهب مقاليد السلطة للحكومة الجديدة المنتخب برئاسة السيد الصادق المهدي (رئيس الوزراء) والسيد أحمد الميرغني (رئيس مجلس السيادة). وبذلك، أصبح أول رئيس عربي يسلم السلطة طواعية للمدنيين، ليعتزل بعدها العمل السياسي تماماً.
فارس الدعوة والعمل الإنساني
بعد اعتزاله السياسة، تفرغ المشير سوار الذهب للعمل الخيري والدعوي، حيث شغل منصب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية. جاب العالم لنشر قيم التسامح وبناء المساجد والمدارس وحفر الآبار في المناطق المحتاجة، خاصة في إفريقيا.
الجوائز والتكريم العالمي
تقديراً لجهوده العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، فاز في عام 2004 بـ جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام. وجاء هذا الاختيار بناءً على عمله النبيل الذي كان محل افتخار للعالمين الإسلامي والعربي، وتثميناً لمسيرته التي اتسمت بالنزاهة والعطاء.
الوفاة والوصية الأخيرة
توفي المشير عبد الرحمن سوار الذهب يوم الخميس 18 أكتوبر 2018 بالمستشفى العسكري بالرياض في المملكة العربية السعودية عن عمر ناهز 84 عاماً. وتنفيذاً لوصيته الغالية، استجاب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وأمر بنقل جثمانه بطائرة خاصة إلى المدينة المنورة، حيث ووري الثرى في بقيع الغرقد بجوار صحابة رسول الله ﷺ.
خلاصة المسيرة:
رحل سوار الذهب تاركاً خلفه إرثاً من النزاهة السياسية والعمل الإنساني، ليظل نموذجاً يُحتذى به لكل قائد يضع مصلحة شعبه ودينه فوق كل اعتبار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق