Breaking

24 يناير 2019

ألكسندر صاروخان: عبقري الكاريكاتير الذي رسم روح الشعب المصري وابتكر "المصري أفندي"

لم يكن مجرد رسام يمسك بريشته ليداعب الخطوط، بل كان مؤرخاً شعبياً صاغ بذكائه البصري تاريخ مصر السياسي والاجتماعي. إنه ألكسندر صاروخان، الفنان الأرمني الذي عشق تراب مصر فمنحته جنسيتها، ومنحها هو ريشة لا تعرف المهادنة، ليكون بحق "أبو الكاريكاتير المصري الحديث".

البدايات: من أطراف تركيا إلى أروقة فيينا

وُلد صاروخان في قرية (أردانوش) بأقصى شمال شرق تركيا في الأول من أكتوبر عام 1898. بدأت رحلته التعليمية في مدينة (باطوم)، ثم انتقل إلى إسطنبول لينتسب إلى معهد المختارين الليليين عام 1915. لكن الموهبة الحقيقية صُقلت في فيينا عام 1922، حيث درس فن الرسم، قبل أن تقوده الأقدار إلى الإسكندرية عام 1924، ليستقر في مصر نهائياً ويحصل على جنسيتها في عام 1955.

شغف صاروخان بالرسم ظهر منذ نعومة أظفاره؛ ففي الفترة ما بين 1910 و1912، أصدر مع أخيه الأصغر (ليفون) جريدة أسبوعية منزلية، تولى فيها ليفون التحرير، بينما فجر صاروخان طاقاته في رسم الكاريكاتير.

الرحلة إلى أرض الكنانة

قبل وصوله لمصر، عمل صاروخان مترجماً للغات الروسية والتركية والإنجليزية بالجيش البريطاني (1918-1921)، لكن حلمه كان دائماً النشر الصحفي. في فيينا، التقى بالمثقف المصري عبد القادر الشناوي، الذي أقنعه بالقدوم إلى مصر، لتبدأ أهم فصول حياته.

صاروخان وروزاليوسف: معارك الريشة والسياسة

في عام 1926، أقام معرضاً في مصر ضم 90 لوحة لشخصيات أرمينية شهيرة، لفتت انتباه عملاق الصحافة محمد التابعي (رئيس تحرير روزاليوسف آنذاك). انضم صاروخان للمجلة عام 1927، وأصبح رسامها الأول، حيث سخر ريشته لفضح مؤامرات أحزاب الأقلية والتنديد بالاحتلال الإنجليزي. وبسرعة مذهلة، استوعب صاروخان روح الشارع المصري وانحاز للبسطاء، حتى قيل إنه أصبح "وفدي الهوى".

ابتكار "المصري أفندي" والانتقال إلى "آخر ساعة"

عندما أسس التابعي مجلة (آخر ساعة) عام 1934، انتقل معه صاروخان ليكون نجمها الأبرز. هنا، ابتكر صاروخان شخصيته الخالدة (المصري أفندي)، التي لخصت ملامح الشعب المصري؛ فرسمه بنظارة تدل على الثقافة، وبيده مسبحة ترمز للحس الديني والتقاليد.

مرحلة أخبار اليوم وثورة يوليو

شهد عام 1946 تحولاً حاسماً بانضمامه لمؤسسة (أخبار اليوم) مع التوأم مصطفى وعلي أمين. أصبحت رسومه جزءاً لا يتجزأ من هوية جريدة الأخبار. ومع قيام ثورة يوليو 1952، انحاز صاروخان لمبادئ التحرر الوطني والقومية العربية، واحتفى بقيادة الثورة عبر لوحاته.

تعدد المواهب: من السياسة إلى بورتريه أم كلثوم

لم يكتفِ صاروخان بالكاريكاتير الصحفي، بل أصدر عام 1945 كتاباً بعنوان (هذه الحرب)، أدان فيه ويلات الحرب العالمية الثانية بأسلوب ساخر وبديع. وفي فن البورتريه، كان صاروخان ساحراً؛ حيث رسم مئات الشخصيات، لعل أبرزها بورتريه كوكب الشرق أم كلثوم، حيث برع في إبراز ملامحها بدقة متناهية، ولم ينسَ المنديل الشهير الذي كانت تمسك به.

الرحيل والإرث

في الأول من يناير عام 1977، رحل صاروخان عن عالمنا، تاركاً إرثاً بصرياً هائلاً أمتع الملايين يومياً. لقد كان فناناً استثنائياً استطاع أن يجعل من الكاريكاتير لغة عالمية يفهمها الجميع، وتظل أعماله حتى اليوم شاهدة على عصر ذهبي للصحافة والفن في مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق