Breaking

02 مارس 2019

معركة ذات الصواري 35 هـ: الملحمة التي دشنت أسطول الإسلام الأول

معركة ذات الصواري: الملحمة التي حطمت السيادة البيزنطية ودشنت أسطول الإسلام الأول

لقرون طويلة، ظل البحر الأبيض المتوسط بحيرة بيزنطية مغلقة، أطلق عليها الروم اسم "بحرنا" (Mare Nostrum) دلالة على سيادتهم المطلقة التي لم يجرؤ أحد على تحديها. لكن في عام 35 هـ (655 م)، شهدت مياه البحر المتوسط منعطفاً جيوسياسياً غير مجرى التاريخ؛ حيث تلاقت السفن الإسلامية الناشئة بفلول الأسطول البيزنطي العتيق في معركة مائية كبرى عُرفت باسم معركة ذات الصواري. كانت هذه المعركة أول مواجهة بحرية يخوضها المسلمون، ومثلت النهاية الفعلية للهيمنة البيزنطية على الملاحة في حوض المتوسط.

معركة ذات الصواري
رسم تخيلي يجسد تلاحم السفن وصواريها في معركة ذات الصواري الخالدة

سر التسمية: ذات الصواري بين الغابات والجموع

تعددت آراء المؤرخين حول سبب تسمية المعركة بهذا الاسم، ويدور الخلاف بين اتجاهين رئيسيين:

  • كثرة السفن: يذهب بعض المؤرخين إلى أن الاسم يرجع إلى تشابك وكثرة صواري السفن التي اشتركت في المعركة من الجانبين، حتى بدت كأنها غابة من الأخشاب وسط البحر.
  • ارتباطها بالمكان: وهو الرأي الأرجح الذي تؤيده المصادر؛ حيث دارت المعركة بالقرب من منطقة على ساحل الأناضول (ليكيا) تشتهر بكثرة غابات السرو الكثيفة، وهي الأشجار المستخدمة تاريخياً في صناعة صواري السفن. وقد أشار المؤرخ "أرشيبالد لويس" إلى ذلك بقوله: "ومما يلفت للنظر أن المكان الذي دارت فيه هذه المعركة يزدحم بغابات السرو الكثيفة".

ويعزز هذا الاستنتاج ما ورد في رواية الطبري حين قال: "فركب من مركب وحده ما معه إلا القبط حتى بلغوا ذات الصواري، فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب أو ستمائة"، وقوله أيضاً: "وأقام عبد الله بذات الصواري أياماً بعد هزيمة القوم". وهو ما أكده ابن الأثير بقوله: "وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياماً ورجع"، مما يدل على أن "ذات الصواري" هو اسم موضع جغرافي محدد.

ما قبل المعركة: تحدي السيادة البيزنطية العتيقة

في العصور الوسطى، كانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر بلا منافس على البحر الأبيض المتوسط. امتدت أملاكها من البلقان وآسيا الصغرى شرقاً، إلى مصر وشمال أفريقيا جنوباً، وإيطاليا وأجزاء من إسبانيا غرباً. كان لبيزنطة أسطول دائم ومهيب، يدعمه شبكة من القواعد ودور صناعة السفن في القسطنطينية، وعكا، والإسكندرية، وقرطاج، وسرقوسة، ورافنا.

لم يكن للمسلمين عهد بركوب البحر أو خوض الحروب المائية، لكن فتوحات بلاد الشام ومصر كشفت لهم أن الأسطول البيزنطي يمثل تهديداً خطيراً ومباشراً لأمن الثغور والمناطق المفتوحة. أدرك المسلمون أن بناء أسطول إسلامي لم يعد مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية حيوية لحماية دولتهم الناشئة.

كان معاوية بن أبي سفيان (والي الشام آنذاك) أول من اقترح بناء أسطول بحري على الخليفة عمر بن الخطاب، لكن الفكرة رُفضت خشية على المسلمين من ركوب البحر. ومع تولي الخليفة عثمان بن عفان الخلافة، أذن لمعاوية ببناء الأسطول. فاستغل المسلمون السفن المتوفرة في موانئ الشام ومصر، وطوروها في دور الصناعة لتدخل القوة البحرية في الاستراتيجية العسكرية الإسلامية لأول مرة، وتبدأ سريعاً في ممارسة دورها الاستراتيجي عبر غزو جزر المتوسط كقبرص ورودس لتأمين الشواطئ العربية.

مسار الأساطيل البحرية
خارطة تقريبية لمسار تحرك الأسطول الإسلامي لمواجهة البيزنطيين في مياه الأناضول

الأسباب المباشرة لمعركة ذات الصواري

تتضافر المصادر العربية والأجنبية في تقديم أسباب منطقية أدت إلى هذا الصدام البحري الهائل، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. إجهاض القوة البحرية الإسلامية النامية: يرى المؤرخ "أرشيبالد لويس" أن الغارات الإسلامية التي انتهت باحتلال جزيرة قبرص عام 649 م قد أثارت حماسة البيزنطيين لاستعادة تفوقهم المائي الذي اهتز عقب فشلهم في استرداد الإسكندرية عام 645 م (25 هـ).
  2. تحدي السيادة المائية واسترداد الجزر: يذكر المؤرخان "إرنست وتريفور ديبوي" أن استيلاء المسلمين على جزيرة رودس عام 654 م شكل تهديداً مباشراً لبيزنطة، مما دفع الإمبراطور قسطنطين الثاني (قنسطانز الثاني) لقيادة الأسطول بنفسه لمواجهة العرب.
  3. محاولة البيزنطيين استرداد مصر: يذهب الدكتور "عبد المنعم ماجد"، ومعه عبد الرحمن الرافعي وسعيد عاشور، إلى أن النشاط الإسلامي المتزايد أخاف بيزنطة، فجمع الإمبراطور أسطولاً ضخماً لم يجمع مثله من قبل بهدف غزو الإسكندرية واسترداد مصر.
  4. الانتقام لفتح أفريقيا: يشير الطبري وابن الأثير إلى أن الإمبراطور خرج في جموع الروم انتقاماً للهزائم الساحقة التي لحقت بهم على أيدي المسلمين في أفريقيا (سبيطلة).
  5. إجهاض مشروع غزو القسطنطينية: يرى المؤرخ البيزنطي "تيوفانس" أن معاوية كان يجهز أسطولاً ضخماً في طرابلس الشام لفرض حصار على القسطنطينية، فلما علم الإمبراطور قنسطانز بذلك، تحرك بأسطوله إلى فينيقيا في ليكيا حيث عسكر بانتظار أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
  6. الصراع على أخشاب الصواري: يطرح أرشيبالد لويس فرضية اقتصادية مفادها أن البيزنطيين تحركوا ليحولوا بين المسلمين وبين الحصول على أخشاب السرو الكثيفة على ساحل الأناضول، والتي كانت تُعد العصب الرئيسي لصناعة السفن الحربية.

أحداث المعركة: عندما تحول البحر إلى ميدان بري

أعد الإمبراطور قنسطانز الثاني أسطولاً ضخماً تراوح عدده بين 500 إلى 800 سفينة شراعية، بينما كان أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) يتألف من حوالي 200 سفينة مجهزة بقيادة والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح. التقى الجمعان خارج ساحل ليكيا بآسيا الصغرى، ودارت المعركة وفق التكتيكات التالية:

رسم تخطيطي لمعركة ذات الصواري
مخطط توضيحي للمؤرخ عمر فروخ يبرز تكتيكات اصطفاف السفن والتحام الأسطولين

طبقاً للقواعد العسكرية لقتال السواحل، أنزل عبد الله بن سعد نصف قوته إلى البر بقيادة بُسر بن أبي أرطأة للقيام بمهام الاستطلاع وحماية الظهر من أي كمائن برية للعدو. ومع اقتراب السفن، بدأت الملحمة بالتراشق بالسهام والنبال حتى نفدت. ثم انتقل الطرفان للتراشق بالحجارة؛ حيث كان المقاتلون يصعدون إلى صناديق خشبية مثبتة في أعلى الصواري تُسمى "التوابيت" ليرموا السفن المعادية بالحجارة وهم مستورون داخلها.

وعندما نفدت الحجارة، اتخذ المسلمون قراراً عبقرياً غير مجرى المعركة؛ إذ قاموا بربط وتثبيت سفنهم بسفن الروم باستخدام السلاسل والخطافات الحديدية، ليتحول القتال البحري إلى مواجهة برية ملتحمة بالسيوف والخناجر فوق أسطح السفن المترابطة.

روايات المؤرخين عن الملحمة والانتصار

رواية ابن عبد الحكم (كتاب فتوح مصر وأخبارها):

توضح هذه الرواية اللحظات الحرجة للمعركة؛ فعندما علم عبد الله بن سعد بحشد الروم، استشار رجاله فصمتوا هيبة للحدث، فقام رجل متطوع من أهل المدينة وتلا قوله تعالى: { كم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذن اللهِ والله مع الصابرين }، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله. وتضيف الرواية تفاصيل إنقاذ قائد الأسطول:

"كانت السفن تُقرن بالسلاسل عند القتال، فقرن مركب عبد الله بن سعد بمركب من مراكب العدو، فكاد مركب العدو يجتر مركب عبد الله إليهم لقوته، فقام البطل علقمة بن يزيد العطيفي وضرب السلسلة بسيفه ضربة قاطعة ففصمها وأنقذ مركب القائد من الأسر والهلاك".

رواية ابن الأثير (الكامل في التاريخ):

يروي ابن الأثير الأجواء المهيبة لليلة المعركة وكيف بات المسلمون يصلون ويدعون ويقرؤون القرآن، بينما الروم يضربون بالنواقيس. ومع خيوط الصباح الأولى، جرى التلاحم الرهيب بالسلاسل والسيوف والخناجر، فاستشهد من المسلمين بشر كثير، وقُتل من الروم ما لا يحصى، وصبر المسلمون صبراً لم يصبروا مثله قط، حتى أنزل الله نصره وولى الإمبراطور قسطنطين جريحاً هرباً بأعجوبة، وأقام عبد الله بن سعد بالموقع أياماً بعد الهزيمة تأكيداً للنصر.

رواية المؤرخ البيزنطي تيوفانس المعترف:

تؤكد الرواية البيزنطية فداحة الهزيمة ونجاة الإمبراطور بأعجوبة؛ إذ تذكر أن قسطنطين غير ملابسه الرسمية مع أحد جنوده لكي لا يُعرف، وقفز جندي مخلص على مركبه واختطفه وسط الفوضى العارمة والدمار الذي لحق بالأسطول الرومي لينجو بمعجزة، بينما اصطبغت مياه البحر بدمائهم.

نتائج المعركة وآثارها الجيوسياسية

لخص المؤرخون الآثار الكبرى لمعركة ذات الصواري في نقطتين حاسمتين تصفان حجم هذا التحول التاريخي:

  • انتصار العقيدة والإدارة السليمة: نجاح المسلمين في سحق قوة بحرية تفوقهم بالعدد والعتاد والخبرة بمعدل ثلاثة إلى واحد، بفضل تحويل المعركة إلى تلاحم بري فوق السفن، مستثمرين شجاعتهم القتالية الفائقة.
  • نهاية العصر الذهبي للسيادة البيزنطية: كسر احتكار الروم للبحر المتوسط؛ فلم تعد القسطنطينية قادرة على فرض إرادتها التجارية أو العسكرية، وانفتح الباب واسعاً أمام الأساطيل الإسلامية لبسط نفوذها وتأمين ثغور الشام ومصر وإفريقية لقرون قادمة.

خاتمة: لقد كانت ذات الصواري المعبر المائي الذي عبر منه المسلمون من طور السيادة البرية إلى آفاق السيادة البحرية العالمية، لتظل دليلاً على أن الإيمان وحسن التخطيط يحولان الضعف إلى قوة والهزيمة المحتملة إلى نصر مؤزر. (اعتمدت المادة التاريخية على تدوينات المؤرخين الكبار وأرشيف الملاحم الإسلامية).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق