12 مارس 2019

كتاب مصريين بالشطة لسمير قنبر: سخرية لاذعة تشرّح تفاصيل المجتمع

كتاب "مصريين بالشطة" للكاتب سمير قنبر: لدغة السخرية التي تبهج الروح وتفكك التناقضات الاجتماعية

لطالما كانت السخرية هي الدرع المتين والسلاح غير السري الذي يشهرّه الإنسان المصري في وجه رتابة الأيام وضغوط الواقع اليومي المعقد. السخرية في مصر ليست مجرد وسيلة لتزجية الوقت أو الضحك العابر، بل هي ترياق نفسي وأداة تحليلية تشرّح تفاصيل الحياة بابتسامة لا تخلو من لدغة حارة. وفي كتابه الساخر واللافت "مصريين بالشطة"، يقدم لنا الكاتب والروائي المصري سمير حمدي قنبر نموذجاً رفيعاً لهذا الأدب الساخر؛ مستخدماً العامية المصرية بعبقها وعفويتها ليصيغ كتاباً ينتزع الضحكة من قلبك ويعيدك للتأمل في تفاصيل حياتك بمرونة وعمق.

غلاف كتاب مصريين بالشطة للكاتب سمير قنبر
غلاف كتاب مصريين بالشطة للروائي سمير قنبر والمتاحة بنسخته الإلكترونية عبر متجر أمازون كيندل

الكوميديا السوداء: عندما يتحول الواقع المرير إلى ضحكات حية

إذا مللت من رتابة الروتين اليومي، وجربت كل وسائل الترفيه التقليدية ووجدت أن الضحكة الحقيقية ما زالت غائبة عن قلبك، فإن "مصريين بالشطة" هو بالتأكيد ما تبحث عنه. ينسج الكاتب فصول هذا العمل بأسلوب الكوميديا السوداء؛ ناقلاً مواقفاً حقيقية من صميم الواقع المصري المعاش، مواقف حية من كثرة واقعيتها وصدقها تصبح مفرطة في الكوميديا والغرابة.

ويضع الكاتب هنا إخلاء مسؤولية طريفاً وهاماً للقارئ، ينبهه فيه:

"لا تحاول قراءة هذا الكتاب وأنت لست في المزاج المناسب للضحك؛ لأنه ببساطة سيختطفك من همومك، ويجعلك تنسى الدنيا وتستلقي على ظهرك من كثرة الضحك، وتتحرك رجلاك في الهواء دون أن تشعر من فرط البهجة الطاغية المنسكبة من السطور".

إن أي تشابه بين الشخصيات والمواقف الواردة في فصول الكتاب ليس مجرد صدفة عابرة؛ بل هو الحقيقة ذاتها مصاغة بوعي أدبي ومغلفة بشطة السخرية الممتعة.

خريطة العلاقات العائلية: الأبناء والشركاء تحت مجهر النقد الساخر

يشرّح الكاتب من خلال فصول الكتاب العلاقات الأسرية والزوجية والتناقضات السلوكية التي تحكم العائلة المصرية، واضعاً تحت مجهره النقدي شخصيات مألوفة نقابلها في كل بيت، وموجهاً خطابه الساخر إلى:

  • الأخ الأكبر: الذي يرى نفسه دائماً جندياً مجهولاً ومظلوماً يحمل أعباء العائلة ومسؤولياتها الثقيلة وحده.
  • الأخ الأوسط: ذلك الطيف المنسي والمهمش الذي لا يتذكر وجوده أحد في السجلات العائلية إلا نادراً.
  • آخر العنقود: ذلك الطاغية الصغير المدلل الذي يحظى دائماً بنصيب الأسد من الاهتمام والدلال دون جهد.
  • النكدية العزيزة والأزواج الصابرين: حيث يوجه الكاتب ناصحاً الزوجات اللواتي يغلب عليهن طبع الكدر بمراجعة أنفسهن، مقدراً في الوقت ذاته صبر الأزواج وجلَدهم، داعياً الجميع للضحك على مفارقات الشجار الزوجي اليومي المعتاد.

الكتاب يمثل عملاً ترفيهياً خفيفاً بلغة سهلة ومباشرة، يجعلك تنظر إلى مشاكلك اليومية وصراعاتك البسيطة من منظور جديد ساخر، ويحثك على الضحك على مواقف كنت تأخذها بجدية مفرطة تؤرق حياتك دون طائل.

دليل مؤلفات الكاتب سمير قنبر الكاملة على أمازون كيندل

يمثل كتاب "مصريين بالشطة" محطة هامة وتتويجاً لواقعية الكاتب الساخرة؛ حيث ينضم إلى قائمة أعماله المميزة التي تجمع بين السخرية، والقصص الإنسانية، والتاريخ المشوق. ولمتابعة وقراءة كامل مشروعه الإبداعي، تتيح لك المدونة فرصة التصفح المباشر للأعمال التالية:

اقرأ "مصريين بالشطة" الآن عبر أمازون كيندل

كتاب "مصريين بالشطة" للروائي سمير قنبر متوفر الآن بنسخته الإلكترونية عبر متجر أمازون كيندل العالمي لبيع الكتب، ليستدعي البهجة الصادقة والضحك الخالص من أعماق روحك.

للوصول المباشر وقراءة الكتاب:
اضغط هنا لقراءة الكتاب عبر متجر أمازون كيندل


اقرأ المزيد ←

كتاب حدث ذات مرة في مصر لسمير قنبر: تشريح فلسفي للتاريخ

كتاب "حدث ذات مرة في مصر" للكاتب سمير قنبر: تفكيك لثنائية الثورة والسيادة وصراعات السلطة المكتومة

في تاريخ الأمم، نادراً ما تكون السرديات الرسمية هي مرآة الحقيقة؛ بل غالباً ما تُكتب الخرائط وتصاغ الأحداث بأيدي النخبة التي استولت على مقاليد الحكم لتبرير وجودها. وفي كتابه البحثي والتنظيري الهام "حدث ذات مرة في مصر (من خان، من ثار، من حكم!)"، يقدم لنا الكاتب والروائي المصري سمير حمدي قنبر عملاً فكرياً صادماً وجريئاً يستدرج فيه القارئ إلى كواليس التاريخ المصري الحديث (1770م - 1881م). لا يكتفي العمل بسرد الوقائع الجافة، بل يقدم قراءة تحليلية معمقة تشرّح فلسفة السلطة، آليات الثورة، ودور الخيانة السياسية في صياغة مصائر الأمة.

غلاف كتاب حدث ذات مرة في مصر للكاتب سمير قنبر
غلاف كتاب حدث ذات مرة في مصر الصادر كقراءة تنظيرية معتمدة والمتاح عبر متجر أمازون كيندل

الثلاثية الوجودية للتاريخ: من ثار، من خان، ومن حكم؟

يطرح كتاب "حدث ذات مرة في مصر" أسئلة جوهرية وحاسمة تعيد النظر في الكثير من المسلمات التاريخية المترسخة في الأذهان، أسئلة تبحث في ما وراء الشعارات والخطابات الرسمية:

  • لماذا يفشل الثوار الذين يدفعون من دمائهم وقوتهم ثمن التغيير في الوصول إلى سدة الحكم؟
  • كيف ترتبط الخيانة السياسية والاتفاقات السرية خلف الأبواب المفتوحة بالطريق إلى السلطة في مصر؟
  • وهل كان من يحكم مصر عبر العصور المتعاقبة من أبنائها الحقيقيين المخلصين لترابها؟

يقدم الكاتب إجابة صادمة وتكثيفاً فلسفياً لواقع الأحداث المتعاقبة، يتلخص في أن من يثور بدافع الفطرة والنقاء نادراً ما يحكم، ومن يحكم لا يكون ثائراً بطبعه، وإنما يؤول الحكم لمن يجيد المناورة والاتفاقات السرية؛ ليكون الميراث والسيادة في النهاية لمن خان عهود التغيير ووثب على تضحيات البسطاء.

السؤال الصادم: متى كان من يحكم مصر من أهلها؟

يتكرر هذا التساؤل المزلزل بصوت عالٍ بين سطور الكتاب، ليفجر رغبة حقيقية لدى القارئ في إعادة قراءة وفهم تاريخ بلاده بمنظور غير تقليدي. يعود بنا الكاتب إلى فترات تاريخية بالغة الحرج والتعقيد (من عام 1770م إلى 1881م)، وهي الحقبة الممتدة بين أفول عهد المماليك، وبزوغ عهد محمد علي والأسرة العلوية، والاحتلال الفرنسي، وصولاً إلى خديعة القناة والاحتلال الإنجليزي العسكري لمصر.

يفكك الكتاب المراجع والمصادر التاريخية المتعددة، ليعيد تركيب المشهد بجرأة وحيادية؛ كاشفاً عن حلقات الغدر والخذلان والخيانة التي سبقت أو تلت كل محاولة ثورية للشعب المصري (مثل ثورات القاهرة، وصعود وسقوط المماليك، والثورة العرابية)، موضحاً بالوثائق والوقائع كيف أثرت هذه التوازنات الاستعمارية والنخبوية على حاضر مصر ومستقبلها.

المنهج البحثي والروائي المبدع لسمير قنبر

يمثل كتاب "حدث ذات مرة في مصر" نموذجاً فريداً للكتب التاريخية البحثية التي لا تكتفي بسرد الحوادث الجافة؛ بل تصيغها بروح الأديب ورصانة المفكر السياسي. نجح الكاتب سمير قنبر (ابن قرية ميت أبو الكوم بالمنوفية) في المزج بين دقته المنهجية كباحث حائز على منحة التفرغ من المجلس الأعلى للثقافة عام 2016 لإنتاج هذا العمل، وبين أدواته الروائية المبدعة التي صاغت نصوصاً رشيقة، منسابة، تجذب القارئ وتطرح أمامه الحقيقة خلف الشعارات البراقة.

دليل مؤلفات الكاتب سمير قنبر الكاملة على أمازون كيندل

ينضم كتاب "حدث ذات مرة في مصر" إلى قائمة أعمال الكاتب المتنوعة، والتي تجمع بين السخرية، والقصص الإنسانية، والتاريخ الجذاب. ولمتابعة وقراءة كامل مشروعه الإبداعي، تتيح لك المدونة فرصة التصفح المباشر للأعمال التالية:

اقرأ "حدث ذات مرة في مصر" الآن عبر أمازون كيندل

كتاب "حدث ذات مرة في مصر" للروائي سمير قنبر متوفر الآن بنسخته الإلكترونية عبر متجر أمازون كيندل العالمي لبيع الكتب، ليفتح أمامك نافذة حقيقية وجريئة لفهم الخيوط الخفية التي تحكمت في مصير مصر وشعبها عبر التاريخ.

للوصول المباشر وقراءة الكتاب:
اضغط هنا لقراءة الكتاب عبر متجر أمازون كيندل


اقرأ المزيد ←

11 مارس 2019

قوس النصر في باريس: أسرار "أيقونة" نابليون وقصة قوس الكاروسيل المخفي

قوس النصر في باريس: شاهد على أمجاد الجيوش الإمبراطورية

يعد قوس النصر (Arc de Triomphe) أحد أشهر الرموز القومية في فرنسا والعالم. يشمخ القوس في قلب العاصمة باريس، وتحديداً في "ميدان شارل ديغول" (ميدان النجمة سابقاً)، ليكون نقطة الالتقاء لـ 12 طريقاً رئيسياً، أشهرها طريق الشانزلزيه المزين بالأشجار.

قوس النصر في باريس

قصة البناء والتصميم

بدأ العمل في هذا النصب التذكاري في بدايات القرن التاسع عشر بأمر من الإمبراطور نابليون بونابرت، ليكون رمزاً يخلد انتصارات جيوشه الإمبراطورية. صمم المهندس "شالغران" القوس بارتفاع يصل إلى 49.50 متر، إلا أن إنجازه الفعلي تأخر حتى عام 1836 في عهد الملك لوي فيليب.

أسرار منقوشة في الجدران

قوس النصر ليس مجرد بناء حجري، بل هو كتاب تاريخي مفتوح، حيث تجد:

  • 660 اسماً: محفورة على جدرانه الداخلية لأسماء القادة العسكريين الذين خدموا فرنسا.
  • 96 نصراً: أسماء المعارك والانتصارات الكبرى التي حققتها الجيوش الفرنسية.
  • قبر الجندي المجهول: يقع أسفل القوس، وأُقيم بعد الحرب العالمية الأولى مع شعلة دائمة لا تنطفئ تخليداً لذكرى من ضحوا من أجل الوطن.

زيارة القوس والصعود للقمة

يعتبر القوس وجهة سياحية رئيسية؛ حيث يمكن للسياح الصعود إلى سطحه عبر نفق خاص يبدأ من شارع الشانزلزيه، للاستمتاع بإطلالة بانورامية ساحرة على باريس. كما يسهل الوصول إليه عبر المترو (خطوط 1، 2، 6) أو القطار (RER A).


قوس الكاروسيل: القوس "الأخ" الأصغر

قوس الكاروسيل في باريس

بالقرب من متحف اللوفر، يقبع قوس الكاروسيل (Arc de Triomphe du Carrousel). بُني هذا القوس بين عامي 1806 و1808 تخليداً لانتصارات نابليون في عام 1805. ورغم أنه يشبه "قوس النصر" الشهير، إلا أن حجمه يبلغ نصف حجم الأخير تقريباً (ارتفاعه 19 متراً وعرضه 23 متراً).

أسطورة الجياد الذهبية (كوادريجا)

أعلى قوس الكاروسيل توجد "الكوادريجا"؛ وهي عربة تقودها امرأة ترمز للنصر وتجرها أربعة خيول. المثير في التاريخ أن نابليون أمر بنقل جياد ذهبية أصلية من كنيسة "سان ماركو" في البندقية بإيطاليا لوضعها هنا، لكنها أُعيدت إلى إيطاليا عام 1815 واستُبدلت بنسخ مطابقة صممها النحات "فرانسوا جوزيف بوثيو" في عام 1828.


برأيك، أيهما تفضل زيارته أولاً: قوس النصر الضخم في الشانزلزيه أم قوس الكاروسيل الأنيق بجوار اللوفر؟ شاركنا برأيك في التعليقات!


اقرأ المزيد ←

09 مارس 2019

أسرار حصن بابليون.. رحلة إلى "قصر الشمع" مجمع الأديان في قلب القاهرة القديمة

حصن بابليون: شاهد الحضارات ومجمع الأديان في قلب القاهرة

في حي "مصر القديمة" العريق، وتحديداً عند محطة مترو "مار جرجس"، يقف حصن بابليون كشاهد عيان على فصول محورية من تاريخ مصر. هذا الحصن ليس مجرد بناء عسكري قديم، بل هو النواة التي احتضنت مجمع الأديان، حيث تتجاور الكنائس التاريخية مع المعبد اليهودي، وبالقرب منهما أول مسجد في أفريقيا.

حصن بابليون بمنطقة مصر القديمة

تأسيس الحصن: من تراجان إلى أركاديوس

يعود الفضل في بناء هذا الحصن المنيع إلى الإمبراطور الروماني تراجان في القرن الثاني الميلادي، خلال فترة الاحتلال الروماني لمصر. وفي القرن الرابع، قام الإمبراطور أركاديوس بترميم وتوسيع القلعة لتعزيز دفاعاتها.

ما يميز معمار الحصن هو الذكاء في استخدام الموارد؛ حيث استعان الرومان بأحجار ضخمة أُخذت من معابد فرعونية قديمة، وأكملوا البناء بالطوب الأحمر الصغير، مما خلق مزيجاً معمارياً فريداً بين القوة المصرية والمتانة الرومانية.

لماذا سُمي بـ "قصر الشمع"؟

يُعرف الحصن أيضاً باسم "قصر الشمع"، وتعود هذه التسمية إلى تقليد روماني قديم؛ حيث كان يُوقد الشمع فوق أبراج الحصن في بداية كل شهر عند انتقال الشمس من برج فلكي إلى آخر، ليعلم الناس بتغير الشهور الفلكية من خلال رؤية ضياء الشموع فوق القلعة.

بوابة قصر الشمع التاريخية

سقوط الحصن والفتح الإسلامي

في عام 641 ميلادية، واجه الحصن أعظم تحدٍ عسكري في تاريخه، حيث حاصره القائد المسلم عمرو بن العاص لمدة سبعة أشهر كاملة. انتهى الحصار بسقوط الحصن في 18 ربيع الآخر سنة 20 هجرية، وكان هذا الحدث هو المفتاح لدخول الإسلام إلى مصر.

بعد الفتح، اختار عمرو بن العاص موقعاً استراتيجياً شمال الحصن ليؤسس مدينة الفسطاط، لتكون أول عاصمة إسلامية في أفريقيا، مستفيداً من حماية جبل المقطم شرقاً والنيل غرباً، وجعل من الحصن جزءاً من تأمين جنده.

مجمع الأديان: كنائس ومعابد فوق الأسوار

اليوم، يمتد الحصن على مساحة نصف كيلومتر مربع، ويضم بداخله كنزاً من الآثار العالمية. ومن المفارقات التاريخية الجميلة أن الكنائس بنيت فوق أسوار وأبراج الحصن الروماني، ومن أشهرها:

  • الكنيسة المعلقة: بنيت فوق البرج القبلي للحصن.
  • كنيسة مار جرجس: بنيت فوق أحد أبراج مدخل المتحف القبطي.
  • كنيسة أبي سرجة: التي تشرفت باستضافة العائلة المقدسة.
  • المعبد اليهودي (بن عزرا): الذي يقع ضمن حدود الحصن.
البرج الروماني في حصن بابليون

يبقى حصن بابليون أكثر من مجرد أطلال؛ إنه المكان الذي تتلاقى فيه الحضارات الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية في بقعة واحدة، مما يجعله وجهة لا غنى عنها لكل باحث عن عبق التاريخ في القاهرة.


برأيك، أي معلم داخل حصن بابليون هو الأكثر جذباً للزوار اليوم؟ شاركنا برأيك في التعليقات!


اقرأ المزيد ←

07 مارس 2019

الفرق بين التمساح والقاطور وأشباه التماسيح: دليل شامل بالصور والمعلومات

التمساحيات: رتبة الزواحف التي عاصرت الديناصورات

تعد التمساحيات (Crocodilia) رتبة من الزواحف الضخمة التي ظهرت قبل حوالي 84 مليون عام. ومن المثير للاهتمام أنها أقرب الكائنات الحية للطيور حالياً، حيث ينحدر كلاهما من سلالة "الأركوصورات". تتألف هذه الرتبة من 23 نوعاً حياً، تنقسم إلى ثلاث فصائل رئيسية:

  • التماسيح (Crocodylidae): تضم 14 نوعاً.
  • القاطوريات (Alligatoridae): تضم 8 أنواع (تشمل القواطير والكايمن).
  • أشباه التماسيح (Gavialidae): تضم نوعاً واحداً حالياً وهو "الغاريال".
مقارنة بين أنواع التمساحيات

كيف تفرق بين القاطور والتمساح؟

كثيراً ما يختلط الأمر على الناس، لكن هناك فروقات جوهرية يمكن ملاحظتها:

1. شكل الرأس والفكين

يملك القاطور رأساً أعرض وأقصر على شكل حرف "U"، بينما يملك التمساح رأساً طويلاً ومدبباً على شكل حرف "V". كما أن فك القاطور العلوي أعرض، فتختفي أسنانه السفلية عند إغلاق فمه، أما التمساح فتظهر أسنانه (خاصة السن الرابع السفلي) خارج الفم حتى وهو مغلق.

2. البيئة والملوحة

تفضل القواطير العيش في المياه العذبة، بينما تمتلك التماسيح غدداً خاصة لتصفية الأملاح، مما يجعلها قادرة على تحمل مياه البحر والملوحة بشكل أفضل.

3. السلوك والعدوانية

تُعرف التماسيح بأنها أكثر عدوانية بكثير من القواطير، حيث تتفاعل بشراسة تجاه أي اقتراب في بيئتها الطبيعية، بينما قد تبدو القواطير أكثر "هدوءاً" ما لم تتعرض لاستثارة مباشرة.


معرض فصائل التمساحيات

أولاً: أشباه التماسيح (الغاريال)

تتميز بفك طويل ونحيف جداً مخصص لصيد الأسماك.

الغاريال الهندي الغاريال المزيف أشباه التماسيح

ثانياً: التماسيح الحقيقية

تضم 14 نوعاً وتنتشر في أفريقيا وآسيا وأستراليا.

تمساح النيل التمساح القزم التمساح الأمريكي تمساح المياه المالحة

ثالثاً: القاطوريات (القواطير والكايمن)

تنتشر غالباً في الأمريكتين والصين.

القاطور الأمريكي القاطور الصيني الكايمن الأسود

برأيك، أي من هذه الزواحف هو الأكثر رعباً وقوة؟ شاركنا برأيك في التعليقات!


اقرأ المزيد ←

06 مارس 2019

معركة السوم 1916: ملحمة الخنادق الأكثر دموية في الحرب العالمية الأولى

معركة السوم 1916: ملحمة الطين والحديد والدماء في حرب الاستنزاف الكبرى

في صيف عام 1916، تحولت ضفاف نهر السوم الهادئ في شمال فرنسا إلى مسرح لأكثر المآسي البشرية ترويعاً في التاريخ العسكري. لم تكن معركة السوم، التي دارت فصولها الدامية في الفترة من 1 يوليو إلى 18 نوفمبر 1916، مجرد مواجهة تكتيكية عابرة بين قوات الحلفاء والجيش الألماني، بل كانت تجسيداً صارخاً لجنون "الحرب الشاملة" وصراع الخنادق الذي التهم أرواح جيل كامل من شباب أوروبا. لقد سُجلت هذه المعركة في الضمير الإنساني كواحدة من أدمى المعارك العسكرية التي عُرفت على الإطلاق، حيث ارتوت حقول فرنسا بدماء أكثر من 1.5 مليون مصاب وقتيل من الطرفين.


جنود الحلفاء في خنادق السوم الموحلة وسط دمار شامل خلفته المدافع الثقيلة

مؤتمر شانتيلي: كيف خُطط للملحمة في الغرف الفارهة؟

ولدت فكرة الهجوم الكبير على نهر السوم من رحم النقاشات الاستراتيجية الرفيعة التي خاضها الحلفاء في قصر شانتيلي بفرنسا في ديسمبر من عام 1915. هناك، وبعيداً عن صقيع الخنادق، اتفق ممثلو التحالف برئاسة الجنرال الفرنسي "جوزيف جوفر" (القائد العام للقوات الفرنسية) على تنسيق هجوم عام ومتزامن ضد القوات المركزية الألمانية في عام 1916، بمساهمة مشتركة من الجيوش الفرنسية، والبريطانية، والإيطالية، والروسية.

كان الهدف الجوهري لهجوم السوم المشترك هو إحداث شرخ عميق وغير قابل للترميم في الخطوط الدفاعية الألمانية الحصينة، ومن ثم توجيه ضربة حاسمة تنهي الحرب. لكن خطط الحلفاء الورقية اصطدمت بالواقع الميداني العنيف؛ إذ شن الجيش الألماني هجوماً ضارياً ومفاجئاً على قلعة "فردان" الفرنسية على نهر ميوز في فبراير 1916. هذا الهجوم الاستنزافي العنيف أجبر الحلفاء على تغيير خططهم على عجل، وبدلاً من هجوم فرنسي رئيسي مدعوم ببريطانيا، تحملت القوات البريطانية العبء الأكبر لهجوم السوم لتخفيف الضغط الرهيب عن الفرنسيين في فردان.

الأول من يوليو 1916: اليوم الأكثر سواداً في تاريخ بريطانيا العسكري

عندما انطلقت صفارات الهجوم في الساعة السابعة والنصف من صباح الأول من يوليو عام 1916، تقدمت موجات المشاة البريطانيين نحو الأسلاك الشائكة وحقول الألغام الألمانية. وفي غضون ساعات قليلة، تحول اليوم الأول للمعركة إلى كارثة عسكرية مروعة؛ إذ تكبد الجيش البريطاني وحده ما يقرب من 60,000 مصاب وقتيل في يوم واحد، وهي أسوأ خسارة بشرية يتلقاها الجيش البريطاني في تاريخه العسكري بأكمله.


خارطة عسكرية توضح جبهات القتال الساخنة على ضفتي نهر السوم عام 1916

كان لهذه الخسائر الفادحة تأثير نفسي واجتماعي عميق وهائل في بريطانيا؛ حيث كانت تركيبة الجيش في تلك المرحلة تعتمد بشكل أساسي على المتطوعين المتحمسين ضمن ما عُرف بـ "كتائب الأصدقاء" (Pals battalions)، وهي كتائب تضم رجالاً تطوعوا معاً من نفس القرى، والبلدات، والمصانع، والنوادي الرياضية. ومحيت بلدات بريطانية بأكملها من خارطة الشباب في يوم واحد. وكان الفقد فاجعاً ومؤثراً بشكل خاص في "دومينيون نيوفندلاند" التي خسرت خيرة شبابها المتطوعين في الساعات الأولى للهجوم، مما ترك إرثاً ثقافياً حزيناً لا تزال أصداؤه تتردد في الوجدان البريطاني حتى اليوم.

سلاح جديد يولد في الطين: أول ظهور للدبابات في التاريخ

على الرغم من فداحة الخسائر ومأساوية السير العام للقتال، سجلت معركة السوم منعطفاً تقنياً وتكتيكياً خارقاً في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ شهدت المعركة **أول استخدام قتالي للدبابات** في التاريخ (الدبابة البريطانية مارك 1). ورغم تعثر هذه الآلات البدائية في الوحل وكثرة أعطالها الميكانيكية، إلا أنها أعلنت للعالم ولادة عصر جديد من الحروب الميكانيكية المدرعة التي ستقضي لاحقاً على جمود حرب الخنادق.

جنرالات خلف خطوط النار: جدل القيادة بين هيغ ورولينسون

لا يزال السير العام لمعركة السوم مصدراً لجدل تاريخي وأكاديمي عنيف بين المؤرخين؛ حيث واجه كبار القادة العسكريين، وعلى رأسهم الجنرال السير دوغلاس هيغ (قائد قوة المشاة البريطانية) والجنرال هنري رولينسون (قائد الجيش الرابع)، انتقادات لاذعة واتهامات بالجمود العسكري والاستهانة بأرواح الجنود، بسبب تكتيكاتهم التقليدية التي تسببت في خسائر بشرية مرعبة دون تحقيق أي من الأهداف الإقليمية المرسومة مسبقاً.

في المقابل، يرى تيار آخر من المؤرخين أن معركة السوم، رغم فداحة ثمنها، كانت بمثابة المطرقة التي حطمت عظام الجيش الألماني واستنزفت نخبته العسكرية التي لا يمكن تعويضها، ممهدة الطريق لهزيمته النهائية في عام 1918. ولهذا السبب، لا تزال المعركة تدرس بعناية في الأكاديميات العسكرية البريطانية للاستفادة من دروسها التكتيكية والتشغيلية الصعبة.

نهاية المأساة: مكاسب جغرافية هزيلة وفشل استراتيجي

عندما وضعت المعركة أوزارها في نوفمبر 1916 تحت وطأة الثلوج الشتوية والأمطار الخريفية الموحلة، كانت قوات الحلفاء (البريطانية والفرنسية) قد نجحت فقط في الاختراق بعمق **6 أميال (9.7 كم)** داخل الأراضي التي يحتلها الألمان.

فشل الحلفاء تماماً في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية الكبرى؛ فلم يتمكنوا من استرداد مدينة "بابوم" (Bapaume) التي ظلوا على مسافة ثلاثة أميال منها، ولم يصلوا إلى مدينة "ترانسلوي" (Transloy)، أو أي من المدن الفرنسية الاستراتيجية الأخرى. وعلى الرغم من الصمود الألماني والتمسك بالأرض، إلا أن الاستنزاف الذي تعرض له جيش القيصر أضعف قدرته الهجومية بشكل لا يمكن ترميمه.

كشف حساب الموت: إحصائيات الخسائر البشرية

تكشف الأرقام الرسمية المسجلة للضحايا حجم الجريمة الإنسانية التي دارت رحاها على ضفاف السوم، وهي أرقام تفوق قدرة العقل على الاستيعاب:

الجيش المشارك إجمالي الخسائر البشرية (قتلى وجرحى ومفقودين)
الجيش الفرنسي 50,000 جندي
الجيش البريطاني 130,000 جندي
الجيش الألماني 160,000 جندي
إجمالي خسائر الطرفين (التقديري الكلي) أكثر من 1,500,000 مصاب وقتيل

خاتمة: تظل معركة السوم نصباً تذكارياً يذكر الإنسانية بكلفة الأخطاء العسكرية وبشاعة الحروب التي تحول البشر إلى وقود للآلات الصماء، وشاهداً على أن النصر الذي يُبنى على جثث مئات الآلاف ليس سوى رماد لا يغني من الجوع. (اعتمدت المادة التاريخية على المعجم التاريخي المعتمد لجامعة راندوم هاوس والوثائق الرسمية للحرب العالمية الأولى).


اقرأ المزيد ←

03 مارس 2019

كلب السلوقي (Sloughi): أسرار أسرع عداء في شمال أفريقيا ورفيق الصيد الوفي

الكلب السلوقي (Sloughi): أسطورة الصيد في المغرب العربي

يُعد السلوقي فصيلة عريقة من كلاب الصيد، موطنه الأصلي المملكة المغربية كما هو مدرج ومعترف به رسمياً من قبل المنظمة الدولية للكلاب (FCI). جاءت تسميته الدولية "Sloughi" من النطق الدارج المغربي "سلوكي"، وهو يختلف جينياً وتاريخياً عن أنواع السلوقي الأخرى في الشرق الأوسط.

أسرع عداء على أربع قوائم

الكلب السلوقي بلون الرمال

يعتبر السلوقي من أسرع الحيوانات عالمياً، حيث تصل سرعته إلى 80 كم/ساعة تقريباً، مما يجعله في المرتبة الثانية بعد الفهد الصياد. وما يميزه عن الفهد هو "النفس الطويل"؛ فهو قادر على الجري لمسافات شاسعة دون تعب، ويتحمل مشقة المطاردة في أقسى الظروف المناخية. يساعده في ذلك تكوينه الفيزيولوجي الفريد، حيث يحتفظ بالسوائل في جسمه ولا يفقدها عن طريق العرق، بل يبرد جسمه عبر اللسان، وهو سر لهاثه الدائم.

الصياد الوفي ورفيق الصقور

ينفرد السلوقي بصفة أخلاقية نادرة؛ فبينما تصيد معظم الحيوانات لنفسها، يصيد السلوقي لصاحبه. كما يتميز بقدرة مذهلة على "العمل الجماعي" مع الجوارح؛ فهو يألف الصقور ويساعدها في مطاردة الفرائد التي قد تفوقه قوة. وفي الأحراش الكثيفة، يعتبر السلوقي الدليل الأول للصقار، حيث يقتفي أثر الكلب ليهتدي إلى مكان صقره وفريسته.

المنشأ والجذور التاريخية

صورة تاريخية لكلب السلوقي

تعود جذور السلوقي إلى آلاف السنين؛ حيث وجدت رسومات تشبهه على فخار يعود لعام 3000 قبل الميلاد في منطقة النوبة بجنوب مصر. وفي عام 2008، أكدت دراسة للحمض النووي (DNA) أن السلوقي يمثل مجموعة جينية فريدة تشترك في تسلسلات وراثية مع كلاب أفريقية عريقة مثل "Basenji" و "Nguni". هذا يؤكد أصالة تواجده في شمال أفريقيا (المغرب، مصر، الجزائر، تونس، وليبيا) منذ عصور سحيقة.

المواصفات القياسية للسلوقي

الصفات الجسمانية:

  • جسم نحيف وعالي البنية.
  • ظهر مقوس وبطن ضامر وصدر منخفض.
  • قوائم ورقبة طويلة تساعد في السرعة والمناورة.
  • رأس مستطيل وأذنان متدليتان.
  • الوزن: 45 - 50 رطلاً (حوالي 20-23 كجم).

الصفات السلوكية:

  • هادئ الطبع وشديد الألفة مع البشر.
  • مطيع جداً وسريع الاستجابة للأوامر.
  • أمانة نادرة؛ يحمل الفريسة لصاحبه دون أن يمسها.
  • قدرة عالية على الحراسة واليقظة.
ذكر كلب السلوقي

المصادر: المنظمة الدولية للكلاب (FCI) | American Kennel Club (AKC) | الأرشيف الرقمي لجمعيات تربية السلوقي.


اقرأ المزيد ←

02 مارس 2019

معركة ذات الصواري 35 هـ: الملحمة التي دشنت أسطول الإسلام الأول

معركة ذات الصواري: الملحمة التي حطمت السيادة البيزنطية ودشنت أسطول الإسلام الأول

لقرون طويلة، ظل البحر الأبيض المتوسط بحيرة بيزنطية مغلقة، أطلق عليها الروم اسم "بحرنا" (Mare Nostrum) دلالة على سيادتهم المطلقة التي لم يجرؤ أحد على تحديها. لكن في عام 35 هـ (655 م)، شهدت مياه البحر المتوسط منعطفاً جيوسياسياً غير مجرى التاريخ؛ حيث تلاقت السفن الإسلامية الناشئة بفلول الأسطول البيزنطي العتيق في معركة مائية كبرى عُرفت باسم معركة ذات الصواري. كانت هذه المعركة أول مواجهة بحرية يخوضها المسلمون، ومثلت النهاية الفعلية للهيمنة البيزنطية على الملاحة في حوض المتوسط.

معركة ذات الصواري
رسم تخيلي يجسد تلاحم السفن وصواريها في معركة ذات الصواري الخالدة

سر التسمية: ذات الصواري بين الغابات والجموع

تعددت آراء المؤرخين حول سبب تسمية المعركة بهذا الاسم، ويدور الخلاف بين اتجاهين رئيسيين:

  • كثرة السفن: يذهب بعض المؤرخين إلى أن الاسم يرجع إلى تشابك وكثرة صواري السفن التي اشتركت في المعركة من الجانبين، حتى بدت كأنها غابة من الأخشاب وسط البحر.
  • ارتباطها بالمكان: وهو الرأي الأرجح الذي تؤيده المصادر؛ حيث دارت المعركة بالقرب من منطقة على ساحل الأناضول (ليكيا) تشتهر بكثرة غابات السرو الكثيفة، وهي الأشجار المستخدمة تاريخياً في صناعة صواري السفن. وقد أشار المؤرخ "أرشيبالد لويس" إلى ذلك بقوله: "ومما يلفت للنظر أن المكان الذي دارت فيه هذه المعركة يزدحم بغابات السرو الكثيفة".

ويعزز هذا الاستنتاج ما ورد في رواية الطبري حين قال: "فركب من مركب وحده ما معه إلا القبط حتى بلغوا ذات الصواري، فلقوا جموع الروم في خمسمائة مركب أو ستمائة"، وقوله أيضاً: "وأقام عبد الله بذات الصواري أياماً بعد هزيمة القوم". وهو ما أكده ابن الأثير بقوله: "وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياماً ورجع"، مما يدل على أن "ذات الصواري" هو اسم موضع جغرافي محدد.

ما قبل المعركة: تحدي السيادة البيزنطية العتيقة

في العصور الوسطى، كانت الإمبراطورية البيزنطية تسيطر بلا منافس على البحر الأبيض المتوسط. امتدت أملاكها من البلقان وآسيا الصغرى شرقاً، إلى مصر وشمال أفريقيا جنوباً، وإيطاليا وأجزاء من إسبانيا غرباً. كان لبيزنطة أسطول دائم ومهيب، يدعمه شبكة من القواعد ودور صناعة السفن في القسطنطينية، وعكا، والإسكندرية، وقرطاج، وسرقوسة، ورافنا.

لم يكن للمسلمين عهد بركوب البحر أو خوض الحروب المائية، لكن فتوحات بلاد الشام ومصر كشفت لهم أن الأسطول البيزنطي يمثل تهديداً خطيراً ومباشراً لأمن الثغور والمناطق المفتوحة. أدرك المسلمون أن بناء أسطول إسلامي لم يعد مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية حيوية لحماية دولتهم الناشئة.

كان معاوية بن أبي سفيان (والي الشام آنذاك) أول من اقترح بناء أسطول بحري على الخليفة عمر بن الخطاب، لكن الفكرة رُفضت خشية على المسلمين من ركوب البحر. ومع تولي الخليفة عثمان بن عفان الخلافة، أذن لمعاوية ببناء الأسطول. فاستغل المسلمون السفن المتوفرة في موانئ الشام ومصر، وطوروها في دور الصناعة لتدخل القوة البحرية في الاستراتيجية العسكرية الإسلامية لأول مرة، وتبدأ سريعاً في ممارسة دورها الاستراتيجي عبر غزو جزر المتوسط كقبرص ورودس لتأمين الشواطئ العربية.

مسار الأساطيل البحرية
خارطة تقريبية لمسار تحرك الأسطول الإسلامي لمواجهة البيزنطيين في مياه الأناضول

الأسباب المباشرة لمعركة ذات الصواري

تتضافر المصادر العربية والأجنبية في تقديم أسباب منطقية أدت إلى هذا الصدام البحري الهائل، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. إجهاض القوة البحرية الإسلامية النامية: يرى المؤرخ "أرشيبالد لويس" أن الغارات الإسلامية التي انتهت باحتلال جزيرة قبرص عام 649 م قد أثارت حماسة البيزنطيين لاستعادة تفوقهم المائي الذي اهتز عقب فشلهم في استرداد الإسكندرية عام 645 م (25 هـ).
  2. تحدي السيادة المائية واسترداد الجزر: يذكر المؤرخان "إرنست وتريفور ديبوي" أن استيلاء المسلمين على جزيرة رودس عام 654 م شكل تهديداً مباشراً لبيزنطة، مما دفع الإمبراطور قسطنطين الثاني (قنسطانز الثاني) لقيادة الأسطول بنفسه لمواجهة العرب.
  3. محاولة البيزنطيين استرداد مصر: يذهب الدكتور "عبد المنعم ماجد"، ومعه عبد الرحمن الرافعي وسعيد عاشور، إلى أن النشاط الإسلامي المتزايد أخاف بيزنطة، فجمع الإمبراطور أسطولاً ضخماً لم يجمع مثله من قبل بهدف غزو الإسكندرية واسترداد مصر.
  4. الانتقام لفتح أفريقيا: يشير الطبري وابن الأثير إلى أن الإمبراطور خرج في جموع الروم انتقاماً للهزائم الساحقة التي لحقت بهم على أيدي المسلمين في أفريقيا (سبيطلة).
  5. إجهاض مشروع غزو القسطنطينية: يرى المؤرخ البيزنطي "تيوفانس" أن معاوية كان يجهز أسطولاً ضخماً في طرابلس الشام لفرض حصار على القسطنطينية، فلما علم الإمبراطور قنسطانز بذلك، تحرك بأسطوله إلى فينيقيا في ليكيا حيث عسكر بانتظار أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
  6. الصراع على أخشاب الصواري: يطرح أرشيبالد لويس فرضية اقتصادية مفادها أن البيزنطيين تحركوا ليحولوا بين المسلمين وبين الحصول على أخشاب السرو الكثيفة على ساحل الأناضول، والتي كانت تُعد العصب الرئيسي لصناعة السفن الحربية.

أحداث المعركة: عندما تحول البحر إلى ميدان بري

أعد الإمبراطور قنسطانز الثاني أسطولاً ضخماً تراوح عدده بين 500 إلى 800 سفينة شراعية، بينما كان أسطول المسلمين المشترك (المصري والشامي) يتألف من حوالي 200 سفينة مجهزة بقيادة والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح. التقى الجمعان خارج ساحل ليكيا بآسيا الصغرى، ودارت المعركة وفق التكتيكات التالية:

رسم تخطيطي لمعركة ذات الصواري
مخطط توضيحي للمؤرخ عمر فروخ يبرز تكتيكات اصطفاف السفن والتحام الأسطولين

طبقاً للقواعد العسكرية لقتال السواحل، أنزل عبد الله بن سعد نصف قوته إلى البر بقيادة بُسر بن أبي أرطأة للقيام بمهام الاستطلاع وحماية الظهر من أي كمائن برية للعدو. ومع اقتراب السفن، بدأت الملحمة بالتراشق بالسهام والنبال حتى نفدت. ثم انتقل الطرفان للتراشق بالحجارة؛ حيث كان المقاتلون يصعدون إلى صناديق خشبية مثبتة في أعلى الصواري تُسمى "التوابيت" ليرموا السفن المعادية بالحجارة وهم مستورون داخلها.

وعندما نفدت الحجارة، اتخذ المسلمون قراراً عبقرياً غير مجرى المعركة؛ إذ قاموا بربط وتثبيت سفنهم بسفن الروم باستخدام السلاسل والخطافات الحديدية، ليتحول القتال البحري إلى مواجهة برية ملتحمة بالسيوف والخناجر فوق أسطح السفن المترابطة.

روايات المؤرخين عن الملحمة والانتصار

رواية ابن عبد الحكم (كتاب فتوح مصر وأخبارها):

توضح هذه الرواية اللحظات الحرجة للمعركة؛ فعندما علم عبد الله بن سعد بحشد الروم، استشار رجاله فصمتوا هيبة للحدث، فقام رجل متطوع من أهل المدينة وتلا قوله تعالى: { كم من فئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذن اللهِ والله مع الصابرين }، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله. وتضيف الرواية تفاصيل إنقاذ قائد الأسطول:

"كانت السفن تُقرن بالسلاسل عند القتال، فقرن مركب عبد الله بن سعد بمركب من مراكب العدو، فكاد مركب العدو يجتر مركب عبد الله إليهم لقوته، فقام البطل علقمة بن يزيد العطيفي وضرب السلسلة بسيفه ضربة قاطعة ففصمها وأنقذ مركب القائد من الأسر والهلاك".

رواية ابن الأثير (الكامل في التاريخ):

يروي ابن الأثير الأجواء المهيبة لليلة المعركة وكيف بات المسلمون يصلون ويدعون ويقرؤون القرآن، بينما الروم يضربون بالنواقيس. ومع خيوط الصباح الأولى، جرى التلاحم الرهيب بالسلاسل والسيوف والخناجر، فاستشهد من المسلمين بشر كثير، وقُتل من الروم ما لا يحصى، وصبر المسلمون صبراً لم يصبروا مثله قط، حتى أنزل الله نصره وولى الإمبراطور قسطنطين جريحاً هرباً بأعجوبة، وأقام عبد الله بن سعد بالموقع أياماً بعد الهزيمة تأكيداً للنصر.

رواية المؤرخ البيزنطي تيوفانس المعترف:

تؤكد الرواية البيزنطية فداحة الهزيمة ونجاة الإمبراطور بأعجوبة؛ إذ تذكر أن قسطنطين غير ملابسه الرسمية مع أحد جنوده لكي لا يُعرف، وقفز جندي مخلص على مركبه واختطفه وسط الفوضى العارمة والدمار الذي لحق بالأسطول الرومي لينجو بمعجزة، بينما اصطبغت مياه البحر بدمائهم.

نتائج المعركة وآثارها الجيوسياسية

لخص المؤرخون الآثار الكبرى لمعركة ذات الصواري في نقطتين حاسمتين تصفان حجم هذا التحول التاريخي:

  • انتصار العقيدة والإدارة السليمة: نجاح المسلمين في سحق قوة بحرية تفوقهم بالعدد والعتاد والخبرة بمعدل ثلاثة إلى واحد، بفضل تحويل المعركة إلى تلاحم بري فوق السفن، مستثمرين شجاعتهم القتالية الفائقة.
  • نهاية العصر الذهبي للسيادة البيزنطية: كسر احتكار الروم للبحر المتوسط؛ فلم تعد القسطنطينية قادرة على فرض إرادتها التجارية أو العسكرية، وانفتح الباب واسعاً أمام الأساطيل الإسلامية لبسط نفوذها وتأمين ثغور الشام ومصر وإفريقية لقرون قادمة.

خاتمة: لقد كانت ذات الصواري المعبر المائي الذي عبر منه المسلمون من طور السيادة البرية إلى آفاق السيادة البحرية العالمية، لتظل دليلاً على أن الإيمان وحسن التخطيط يحولان الضعف إلى قوة والهزيمة المحتملة إلى نصر مؤزر. (اعتمدت المادة التاريخية على تدوينات المؤرخين الكبار وأرشيف الملاحم الإسلامية).


اقرأ المزيد ←

01 مارس 2019

انقلاب نوفمبر 1970 في سوريا.. حافظ الاسد

انقلاب البعث في عام 1970، ويُعرف أيضاً باسم الحركة التصحيحية، وهو انقلاب عسكري في الجمهورية العربية السورية قام به وزير الدفاع وعضو القيادة القطرية بحزب البعث الفريق حافظ الأسد، ورئيس الأركان السوري مصطفى طلاس وكثير من الضباط البعثيين الموالين لحافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970 وعين على إثرها أحمد الحسن الخطيب رئيسًا للجمهورية مؤقتًا، وصل بعدها الضابط حافظ الأسد إلى سدة حكم دولة البعث.

وكانت بداية عهد جديد في تقوية دولة حزب البعث فقد أدخلت إصلاحات إلى حزب البعث العربي الاشتراكي وأنهت الصراعات الداخلية في ورسخت سلطة دولة البعث وانهت زمن الانقلابات. وفي أوائل عام 1971 انتُخب الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث حافظ الأسد رئيسًا للجمهورية العربية السورية بأغلبية شعبية ساحقة، وبدأ العمل لإصلاح الأوضاع السياسية في سوريا وتوطيد سلطة البعث. بعام 1972 تم توحيد الأحزاب الرئيسية في الجبهة الوطنية التقدمية تحت سلطة البعث، كما تم وضع دستور جديد للبلاد في مارس 1973. وتطلق السلطات في سوريا على كل ما تحققه من إنجازات أو تبنيه من منشآت صفة منجز من منجزات الحركة التصيحيحة بحزب البعث، فسد الفرات من منجزات الحركة، وكذلك حرب تشرين التحريرية ضد إسرائيل، كما يحتفل كل من حزب البعث السوري ومؤسسات الدولة الأخرى كل عام بذكرى الحركة التصحيحية ويتم الإعلان بمناسبتها عن بعض المشاريع ووضح أحجار أساس مشاريع أخرى .

اقرأ المزيد ←

28 فبراير 2019

ما هي عملة البيتكوين (Bitcoin)؟ دليلك الشامل لفهم ملكة العملات الرقمية

ما هي عملة البيتكوين (Bitcoin)؟ دليلك الشامل لفهم ملكة العملات الرقمية

تعتبر عملة البيتكوين (Bitcoin) ثورة حقيقية في عالم المال والأعمال. هي عملة رقمية (معماة) ونظام دفع عالمي يُقارن بالعملات التقليدية مثل الدولار أو اليورو، ولكن مع فوارق جوهرية؛ أبرزها أنها عملة إلكترونية بالكامل، تتداول عبر الإنترنت فقط دون أي وجود فيزيائي ملموس.

البيتكوين هي أول عملة رقمية لامركزية في العالم، مما يعني أنها تعمل دون الحاجة إلى بنك مركزي أو مدير واحد أو هيئة تنظيمية تقف خلفها. تتم المعاملات فيها عبر شبكة الند للند (Peer-to-Peer) بين المستخدمين مباشرة دون وسطاء، وذلك باستخدام تقنيات تشفير معقدة.

شعار عملة البيتكوين الرقمية Bitcoin

كيف بدأت قصة البيتكوين؟

طرح شخص (أو مجموعة أشخاص) تحت الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو (Satoshi Nakamoto) فكرة البيتكوين للمرة الأولى في ورقة بحثية عام 2008. وُصفت الفكرة بأنها نظام نقدي إلكتروني يعتمد على التعامل المباشر بين مستخدم وآخر دون وسيط.

في عام 2009، تم إطلاق البيتكوين كبرنامج مفتوح المصدر، وكان الهدف الأساسي هو تغيير الاقتصاد العالمي بنفس الطريقة التي غيرت بها شبكة الإنترنت أساليب النشر والتواصل. (ملاحظة: في عام 2016، ادعى رجل الأعمال الأسترالي كريغ رايت أنه هو ساتوشي ناكاموتو، لكن تم إثبات زيف أدلته التقنية بسهولة).

خصائص عملة البيتكوين الأساسية

1. عملة معمّاة (Cryptocurrency)

تعتمد البيتكوين بشكل أساسي على مبادئ التشفير في جميع جوانبها لحماية المعاملات. ورغم أنها العملة التشفيرية الأولى والأكثر شهرة، إلا أنها فتحت الباب لظهور آلاف العملات الرقمية الأخرى (Altcoins). وبما أن البيتكوين "مفتوحة المصدر"، فقد تمكن المطورون من استنساخ كودها وإدخال تعديلات لإطلاق عملات جديدة.

2. اللامركزية والحرية المالية

لا تتطلب التحويلات عبر البيتكوين سوى معرفة "رقم محفظة" المستلم. تذهب الأموال من حساب إلى آخر بشكل فوري، برسوم شبكة بسيطة (تُدفع للمعدنين)، ودون المرور عبر أي مصارف أو جهات حكومية. يمكن استخدام البيتكوين عالمياً لشراء السلع، الخدمات، أو حتى استبدالها بالعملات التقليدية كالدولار.

كيف يعمل نظام البيتكوين؟ (تقنية البلوك تشين)

لضمان صحة عمليات التحويل ومنع التلاعب، يعتمد البيتكوين على سجل حسابات علني وشفاف يُعرف باسم سلسلة الكتل (Blockchain). إليك كيف يعمل:

  • تتشارك جميع الأجهزة (العُقد) المتصلة بالشبكة هذا السجل.
  • يحتوي السجل على جميع المعاملات التي تمت منذ نشأة البيتكوين، بدءاً من الكتلة الأولى التي تُسمى "كتلة التكوين" (Genesis Block).
  • ترتبط كل كتلة (Block) بالكتلة التي تسبقها عبر شفرة تُسمى "الهاش" (Hash).
  • هذا الترابط يجعل من المستحيل تقريباً تعديل أو تزوير أي معاملة سابقة؛ لأن تغيير كتلة واحدة يتطلب تغيير جميع الكتل التي تليها، وهو أمر يتطلب قوة حاسوبية خيالية.

لهذا، تُعتبر تقنية "البلوك تشين" هي العمود الفقري الذي لا يمكن لعملة البيتكوين البقاء بدونه، وهي التي تمنع مشكلة "الإنفاق المزدوج" (Double-spending).

رسم بياني يوضح حجم تداولات ومعاملات البيتكوين

حقيقة سرية وخصوصية البيتكوين

يُعتقد على نطاق واسع أن البيتكوين توفر سرية تامة ومجهولية مطلقة، لكن هذا غير دقيق تماماً. البيتكوين توفر "مجهولية جزئية" (Pseudonymity):

  • الشفافية: يتم تسجيل كل عملية تحويل في سجل البلوك تشين العلني. يمكنك رؤية المبالغ وعناوين المحافظ، لكن دون معرفة "اسم" صاحب المحفظة.
  • إمكانية التتبع: إذا قام شخص بالإعلان عن عنوان محفظته، سيصبح بإمكان أي شخص تتبع جميع الأموال التي دخلت وخرجت منها.
  • التحقيقات العكسية: من الناحية التقنية، يمكن تتبع العمليات المشبوهة. يكفي تتبع مسار الأموال حتى تصل إلى عنوان محفظة معروفة الهوية (مثل حساب في منصة تداول تتطلب وثائق هوية)، ومن هناك يمكن الكشف عن هوية المستخدم.

نصيحة أمنية: للحفاظ على مستوى أعلى من الخصوصية، يُنصح باستخدام عناوين محافظ مختلفة لكل عملية تحويل جديدة.


خلاصة: لقد تحولت البيتكوين من مجرد ورقة بحثية إلى نظام مالي عالمي يُعتمد عليه من قبل ملايين المستخدمين ومئات الآلاف من المتاجر. سواء كنت تراها استثماراً للمستقبل أو تقنية ثورية، فإن فهم آلية عملها أصبح ضرورة في عصرنا الرقمي.


اقرأ المزيد ←

انقلاب فبراير 1966 في سوريا.. حزب البعث العربي الاشتراكي

انقلاب 1966 في سوريا يشير إلى أحداث بين 21 و23 فبراير تم فيها الإطاحة بحكومة الجمهورية العربية السورية واستبدالها. وقد تم عزل القيادة القومية الحاكمة لحزب البعث العربي الاشتراكي من السلطة بواسطة اتحاد من اللجنة العسكرية للحزب والقيادة القطرية تحت قيادة صلاح جديد.
نشر قادة الانقلاب بيانًا قالوا فيه أنهم يسعون "لتطبيق برامج الحزب ومقرراته علميًا ورفع مستوى المعيشي لعموم الشعب العربي السوري"، وخلافًا للإدارة التي كانت قائمة بالتقارب مع العراق، فإن القادة الجدد عمدوا إلى بدأ المفاوضات مع نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر للوصول إلى اتفاقية دفاع مشترك، أفضت في نوفمبر 1966 إلى إبرام اتفاقية للدفاع المشترك بينهما.

قبل سحق مظاهرات عام 1964؛ نشبَ صراع على السلطة داخل اللجنة العسكرية وبالتحديد في وسط وزارة الدفاع بين محمد عمران وصلاح جديد. كان عمران يرغبُ في المصالحة مع المتظاهرين وإنهاء المواجهة مع الطبقة الوسطى. في المقابل؛ اعتقدَ صلاح جديد أنّ الحل هو إكراه وقمع المتظاهرين حتى لا يُكرروا ذلك. كانَ هذا الخلاف بمثابة الانقسام الأول داخل اللجنة العسكرية وقد لعبَ دورًا حاسِمًا في في الأحداث اللاحقة.في هذه المرحلة بالذات؛ دعمَ حافظ الأسد ممارسة العنف والقمع ضدّ مثيري الشغب أي أنّه انحازَ لصالح الجديد مما تسبب في سقوط عمران. أعدَّت اللجنة العسكرية خطة محكمة للاستيلاء على حزب البعث بالكامل؛لكنّ عفلق أمين عام القيادة الوطنية كان قد طلب فسخ القيادة الإقليمية السورية ردًا على كل ما حصل. اضطرّ عفلق في وقتٍ لاحق إلى سحب طلبه وذلك بعد ارتفاع وتيرة الاحتجاجات. عادَ عمران وكشف بعض المعلومات حول القيادة الوطنية للشعب مما تسبب في نفيه فبدأ الصراع مجددا في الداخل. بعد سقوط عمران؛ استمرت اللجنة العسكرية في محاولاتها المُتكررة من أجل السيطرة على حزب البعث. لكن وفي المقابل فقد احتجت القيادة الوطنية على ما قامت به اللجنة واتهمتها بمحاولة السيطرة على كامل البلاد. نجحت اللجنة العسكرية فعليا فيما كانت تربو له وذلك بعدما عقدت عديد التحالفات مع مجموعة من الأحزاب المُختلفة.

انهارت الوحدة الداخلية السورية بعد عام 1963 وذلك في غضون الاستيلاء على السلطة من قِبل ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار وأتباعهما اللذان يرغبان في تنفيذ البعثية الكلاسيكية بمعنى أنهم يرغبون في إقامة اتحادٍ مع عبد الناصر في مصر من خلال الاعتماد على شكل معتدل من الاشتراكية هذا فضلا عن وجود حزب واحد يحكمُ الدولة التي تحترم حقوق الفرد، تتسامح مع حرية التعبير وحرية الفكر. ومع ذلك؛ فقد ظهرَ بعض البعثيين في الخلفية والذين عارضوا هذه الفكرة من خلال عقد لجنة عسكرية تقرّر فيها خلق شكل جديد من أشكال البعثية التي تتأثر بشدة بالماركسية–اللينينية. ركّز هذا الشكل الجديد من البعثية على قضية "الثورة في بلد واحد" بدلا من العمل على توحيد العالم العربي. في نفس الوقت؛ شدّد المؤتمر الوطني (اللجنة العسكرية) على تنفيذ الثورة الاشتراكية في سوريا ومن ثمّ الالتزام بالاقتصاد المُخطط المركزي وكذا تأميم التجارة الخارجية. اعتقدَ حزب البعث حينها أن هذه السياسات سوف تُنهي استغلال العمال كما ستقضي على الرأسمالية.

في أعقاب احتجاجات حماة 1964 وغيرها من المدن؛ تراجعَ حكم البعثيون الكلاسيكي وعادت السيطرة للبعثيين "المتطرفين" لفترة وجيزة. شكّلَ البيطار حكومة جديدة أوقفت كل عمليات التأميم كما أكّدت في الوقت ذاته على احترام الحريات العامة والممتلكات الخاصة. ومع ذلك؛ فإن هذه التغييرات في السياسة لم تكن كافية لنيلِ دعم الشعب الذي كان لا يزال يُعارض حزب البعث. في الوقت ذاته واصلت الطبقات العليا استثماراتها الرأسمالية وتهريب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد مما تسبب في خسارة الاقتصاد السوري لملايين الدولارات. خلال هذه الفترة؛ حاولت بعض الأحزاب اليسيارية التي حاولت التطرق لبعض النقط الأخرى بما في ذلك سيطرة الطبقة البرجوازية على الاقتصاد بالكامل. تسببت كل هذه الأحداث في نشوب صراع على السلطة بين البعثيين المعتدلين الذينَ سيطروا على القيادة القومية لحزب البعث والبعثيين المتطرفين الذين سيطروا على القيادة القطرية لحزب البعث والتي أدت إلى الانقلاب العسكري الذي حصلَ عام 1966.


اقرأ المزيد ←

27 فبراير 2019

انقلاب مارس 1963 في سوريا.. حزب البعث العربي الاشتراكي

خلال عام 1962، قضت اللجنة العسكرية لفرع الإقليم السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، في التخطيط للاستيلاء على السلطة، من خلال انقلاب عسكري تقليدي. قررت اللجنة العسكرية آنذاك السيطرة على الكسوة و قطنا، و معسكَرَين آخَرَين من معكرات الجيش، كما أن اللجنة العسكرية سيطرت على اللواء المدرع 70 في الكسوة، الأكاديمية العسكرية في مدينة حمص، و محطة إذاعة دمشق. كانت النظام يتفكك ببطء، و النخبة التقليدية كانت قد بدأت بفقدها للقوّة الفعالة، كان المتآمرون من اللجنة العسكرية من الشباب.حتى ينجح الانقلاب احتاجت اللجنة العسكرية لكسب تأيي بعض الضباط السوريين. انهيار الجمهورية العربية المتحدة، بالإضافة إلى التمرد، و حملات التطهير و عملياتن النقل في الجيش تركت الضباط في حالة من الفوضى الكاملة، و جعلهم قابلين للتحريض ضد الحكومة. في ذلك الوقت، تم تقسيم الضباط في خمسة فصائل مختلفة: فصيل دمشق الذي كان داعمًا للنظام القديم، و أنصار أكرم الحوراني، و فصيل ناصري، و فصيل بعثي، بالإضافة إلى بعض المستقلين. كان فصيل دمشق، عدوًا للجنة العسكرية، باعتباره داعمًا لنظام ناظم القدسي، في حين أن أنصار الحوراني كانوا منافسين بسبب مواقفهم المعادية للوحدة العربية، بينما كان الناصريون حلفاءً لحزب البعث. 
أدّى تحالف اللجنة العسكرية مع الناصريين، أدّى لنشوء اتصال سري مع راشد القطيني رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، و العقيد محمد الصوفي قائد لواء حمص. أمرت اللجنة العسكرية مجموعةً من صغار الضباط بتجنيد الضباط المستقلين البارزينن كالعقيد زياد الحريري، قائد الجبهة السورية الإسرائيلية، بتجنيدهم لصالح قضيتهم. حققت مجموعة الضباط هذه نجاحًا، و أعطت الحرير عهدًا أنه "إذا نجحنا بإمكانك أن تصبح رئيس أركان، و إذا فشلنا يمكنك التبرؤ منا".أيّ الحريري اللجنة لأن ناظم القدسي، رئيس وزراء سوريا آنذاك، كان يخطط لتخفيض رتبته.

بينما كانت اللجنة تخطط للانقلاب، لاقى تحالف الحزب مع الجيش استياءً من قبل البعثيين المدنيين. و كان السبب في تحالف الحزب مع الجيش بالمقام الأول، هو ضمان حماية الحزب من القمع. كانت اللجنة العسكرية لا تحبذ القيادة المدنية للحزب آنذاك، المتمثلة بميشيل عفلق، الذي كان قد اعترض على حلّ الحزب خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة، التي تشكّلت إثر الوحدة بين سوريا و مصر. بينما كان عفلق يحتاج اللجنة العسكرية، للاستيلاء على السلطة، كانت اللجنة أيضًا تحتاج عفلق، لتولّي السلطة، فبدون عفلق لن تتوفر أي قاعدة تأييد. في المؤتمر الوطني الخامس للحزب، الذي جرى في 8 مايو من العام 1962، تقرر إعادة تأسيس الحزب و الحفاظ على عفلق في منصب الأمين العام للقيادة الوطنية. محمد عمران، عضو اللجنة العسكرية البارز، كان حاضرًا في المؤتمر الوطني الخامس، و أخبر عفلق بنية اللجنة العسكرية حياله، وافق عفلق على الانقلاب، إلا أنه لم يجرِ أي اتفاق على كيفية تقاسم السلطة بعد الانقلاب.

ثورة الثامن من آذار، هو الاسم الرسمي الذي يطلق على الانقلاب العسكري الذي جرى في سوريا بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في 8 آذار 1963 ضد الرئيس ناظم القدسي والحكومة المنتخبة برئاسة خالد العظم، وذلك بسبب الرجعية والانفصال عن مصر. كان من نتائج الثورة، إلغاء حرية سياسية والاقتصاديّة وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا وإنفاذ قانون الطوارئ منذ عام 1963 وحتى 2011 بعيد الانفاضة الشعبية كما فرضت الثورة تبني شعارات البعث وسياسته كشعارات عاملة للدولة السورية.
نتيجة التوتر في العلاقات بين الحكومة وحزب البعث قرر مجموعة من الضباط البعثيين في الجيش السوري الانقلاب على الحكومة واستلام السلطة، شارك في التخطيط أشخاص من خارج الجيش أمثال ميشيل عفلق المنظر الأساسي للحزب؛ واتفق قبل الشروع بتنفيذ الانقلاب حول طريقة تقاسم السلطة بعد نجاحه، على أن يكون لؤي الأتاسي رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للوزراء في اليوم ذاته. في صباح الثامن من آذار، تحركت الفصائل المنقلبة من الجيش في دمشق وحاصرت المقرات الهامة في العاصمة واعتقلت رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأغلب الوزراء، وحدثت مناوشات عسكريّة غير أن فصائل الجيش في المحافظات اعترفت بسلطة الانقلاب بعد نجاحه، كما درجت عادتها منذ 1949. ثم أخذت الدول الاعتراف بالحكومة الجديدة كان على رأسها العراق البعثي ومصر الناصريّة وتولى الاتحاد السوفياتي إقناع المجتمع الدولي الاعتراف بالنظام الجديد، وقبل انتصاف النهار تألف مجلس قيادة الثورة برئاسة لؤي الأتاسي وجاءت تركيبته من عشرة ضباط.

في اليوم نفسه، دعا حزب البعث حلفاؤه من الأحزاب اليسارية إلى اجتماع في مقر وزارة الدفاع بهدف تشكيل حكومة مدنيّة انتقالية ولدت في صباح اليوم التالي برئاسة صلاح الدين البيطار، وكانت حكومة مدنيّة غير أن وزيري الدفاع والداخلية كانا من الضباط. يذكر أن مجلس قيادة الثورة، ومع استلامه السلطة أعلن حالة الطوارئ في البلاد وهي الحالة التي ظلت سارية المفعول لسبع وأربعين سنة لاحقة، كما عطل العمل بالدستور السوري ولم يتم وضع دستور جديد حتى 1973، كما صدر قرار بحل جميع الأحزاب المناوئة لحزب البعث مع الإبقاء على الحزب الناصري والشيوعي، ونفيت أغلب الطبقة السياسية السورية على رأسهم الرئيس القدسي ورئيس الحكومة العظم إلى الخارج سيّما لبنان، وشهد الجيش عمليات تسريح جماعية لضباط غير بعثيين، كما خرجت بنتيجة الانقلاب رؤوس أموال ضخمة إلى الخارج خوفًا من استيلاء الدولة عليها وفق السياسة الاشتراكية، بكل الأحوال، فقد شهدت البلاد عدة مظاهرات من بعثيين وناصريين مؤيدة للثورة.

اقرأ المزيد ←

26 فبراير 2019

انقلاب سبتمبر 1961 في سوريا.. عبد الكريم النحلاوي

كان الانقلاب السوري عام 1961 انتفاضة لضباط الجيش السوري الساخطين في 28 سبتمبر 1961 وسادس انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث، مما أدى إلى تفكك الجمهورية العربية المتحدة وإعادة تأسيس الجمهورية السورية المستقلة.

في الساعة 4 صباحا من يوم 28 سبتمبر، دخل إلى دمشق رتل مدرع تحت إمرة العقيد عبد الكريم النحلاوي، رئيس مكتب عامر في سوريا ووحدات حرس الصحراء بقيادة العقيد حيدر الكزبري، والتقى بقوات حامية دمشق وسلاحها الجوي. وتم الاستيلاء على مقر الجيش، وعلى محطة الإذاعة، وعلى المطار، وأقيمت نقاط تفتيش، وقامت الدبابات بدوريات في الشوارع. وألقي القبض على كبار الضباط التابعين للجيش السوري وعامر. وو ُضع السراج رهن الإقامة الجبرية. وقبل إلقاء القبض عليه في الساعة 4 صباحا مباشرة ، كان لدى عامر وقت لكي يأمر اللواء المصري أنور القاضي بنقل لواء مدفعية ميداني من قاعدته على بعد 40 كلم من دمشق إلى المدينة وقمع الانتفاضة. في حين أن الضباط المصريين، غير مدركين للشكاوى السورية، أطاعوا الأمر بضمير، في طريقهم إلى دمشق، استقبلهم قائدهم السوري الذي أمرهم بالعودة إلى القاعدة واعتقال جميع الضباط المصريين.

في الساعة 7:25 صباحا أصدرت إذاعة دمشق البيان رقم 1 من القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة الذي أعلنوا فيه أن الجيش قد اتخذ إجراءات للقضاء على الفساد والاستبداد واستعادة الحقوق المشروعة للشعب. ووصفت الرسالة رقم 2 بأنها أكثر اتساما بالطابع السياسي وتدرج فيها شكاوى ضد “الزمرة القمعية والفاسدة” التي أدت إلى تشويه سمعة الاتحاد بين الشعوب العربية. وقد انتُقدت أيضاً القوانين الاشتراكية التي تم الأخذ بها في يوليو والخطط الرامية إلى تطهير الضباط السوريين. أعلن البيان رقم 3 أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة تسيطر سيطرة كاملة وطلب معاملة جميع المصريين بعناية. أعلن البيان رقم 4 إغلاق جميع المطارات والموانئ.

على الرغم من أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة لم تعلن بعد تفكك الجمهورية العربية المتحدة أو انفصالها، إلا أن معظم السوريين تعبوا من الديكتاتورية المصرية، وعلى الرغم من الإعلانات التي لا نهاية لها نحو هدف الوحدة العربية، فقد كانوا سعداء لاستعادة حرياتهم التقليدية.

في الساعة 9:07، اتخذ عبد الناصر خطوة غير عادية بالرد على التمرد من خلال بث إذاعي مباشر. و أعلن أن ه لن يحل الجمهورية العربية المتحدة (التي كان من المقرر أن يقوم بها أنور السادات في عام 1971)، وأن التمرد في دمشق صغير الحجم وأنه أصدر أوامر إلى الجيش السوري لقمعه.

في هذه الأثناء ، قضى عامر وغيره من قادة الجيش السوريين والوزراء المعتقلين يومهم في التفاوض مع المتمردين. وكان عامر على يقين من أنه يمكن إنقاذ جمهورية العربية المتحدة من خلال تلبية مطالب المتمردين بتحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي المحلي، وتخفيف قوانين يوليو ومن خلال الإصلاح الزراعي. ليس من الواضح بعد ما إذا كان عامر مخلصاً خلال هذه المفاوضات أم أنه كان ببساطة يلعب من أجل الوقت وينتظر القوات المصرية. وسُمح لعامر بالاتصال بناصر من خلال إذاعة الموجات القصيرة للحصول على موافقته على هذا الاتفاق. وفي هذه المذكرة التوفيقية، أذيع أمر القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة رقم 9 في الساعة 1:26 مساء، والذي أعلن فيه أن القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة أرادت الحفاظ على الوحدة العربية، وأن عامر “اتخذ القرارات اللازمة لصون وحدة القوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة. وأعيدت المسائل المتعلقة بالجيش إلى مجراها الطبيعي". وقد وصفت إذاعة دمشق نفسها مرة أخرى بأنها “محطة إذاعة جمهورية العربية المتحدة في دمشق”.

في حين بدا لبضع ساعات أن الجمهورية العربية المتحدة أنقذت ، كان الجانبان أبعد ما يكون عن الاتفاق. في وقت مبكر من بعد الظهر ، تلقى المتمردون الدعم من جميع وحدات الجيش السوري تقريباً وكانوا متأكدين من النصر. اتبع ناصر منطق كل مستبد ورفض التفاوض مع المتمردين أو تغيير سياسته في سوريا. في الساعة 17:20 ، تم وضع عامر ومجموعة من الضباط والموالين المصريين على متن طائرة إلى القاهرة ، والتي أعلن عنها في الإصدار 12 في الساعة 5:45 مساء.

في الساعة 6:55 ظهر عبد الناصر مرة أخرى على الراديو. ورفض التفاوض ودعا القوات المسلحة للقيام بواجبه عن طريق سحق المتمردين. في الواقع ، حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً ، أمر ناصر بعض القوات المصرية بالذهاب إلى سوريا في محاولة لقمع التمرد. وبما أن مصر وسوريا لم تشتركا الحدود البرية ، فقد أمرت المظليين الجويين وبعض القوات التي تنقل عن طريق البحر بالمغادرة إلى اللاذقية وحلب ، حيث بقيت قواعد الجيش موالية لعبد الناصر. ومع ذلك ، قبل وصول القوات المصرية بقليل إلى هذه القواعد ، استولت عليها قوات المتمردين. أقل من 200 من المظليين المصريين الذين هبطوا في اللاذقية كانوا محاطين بقوات المتمردين ثم عادوا إلى مصر. ناصر ألغى العملية بأكملها. في 2 نوفمبر ، تم إرسال 870 ضابطًا وجنديًا مصريًا ، بينما عاد 960 سوريًا بسلام من مصر.

في وقت لاحق من مساء 28 سبتمبر ، بدأت إعلانات الراديو المتمردة بمهاجمة ناصر شخصيا ، واصفة إياه بأنه طاغية. وفرض حظر تجول في دمشق من السابعة مساءً حتى الخامسة والنصف صباحاً. إذا لم يكن من الواضح خلال النهار ما إذا كان المتمردون يريدون حرية أكبر لسوريا داخل الجمهورية العربية المتحدة أو استعادة الاستقلال الكامل ، عندما أنهت إذاعة دمشق آخر إذاعاتها في ذلك اليوم بعد منتصف الليل بالنشيد الوطني السوري ، كان من الواضح أنهم اختاروا الاستقلال.


اقرأ المزيد ←

25 فبراير 2019

انقلاب فبراير 1954 في سوريا.. هاشم الآتاسي

في آذار/مارس 1949 تمت الإطاحة بالقوتلي على يد رئيس أركان الجيش حسني الزعيم في أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط، وقد ترأس الزعيم حكومة عسكرية لمدة أربعة أشهر قبل أن يطيح به انقلاب عسكري آخر في أغسطس/آب 1949 بقيادة سامي الحناوي الذي دعا الأتاسي للعودة عن تقاعده وتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على انتخابات من شأنها استعادة الحكم المدني. امتثل الأتاسي لطلب الحناوي وضم حكومة وحدة وطنية تشمل جميع الأطراف بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي حيث مثله ميشيل عفلق بوزارة الزراعة. ثم تمت خلال رئاسته للحكومة صياغة قانون انتخابي جديد، صوتت فيه النساء للمرة الأولى في 15 و16 نوفمبر/تشرين الثاني 1949، وتكونت جمعية تأسيسية انتخب لرئاستها، ثم رشح لولاية ثانية كرئيس للبلاد.

انتخب الأتاسي رئيسًا للمرة الثانية بإجماع الأعضاء في ديسمبر 1949، غير أن القلاقل عادت من جديد مع المطالبة بالوحدة مع العراق، وقد تحالف الأتاسي مع حزب الشعب وعين رئيسه ناظم القدسي رئيسًا للوزراء، وافتتحت مفاوضات للوحدة مع العراق. كذلك فقد شهدت ولايته الثانية إغلاق الحدود مع لبنان بحجة منع تدفق البضائع اللبنانية التي كانت تغرق السوق السورية. طوال 1950 كانت مفاوضات الانضمام إلى العراق تسير قدمًا خصوصًا بعد سفر الأتاسي إلى بغداد ولقاءه فيصل الثاني ملكها، ما أغضب أديب الشيشكلي أحد أبرز قادة الجيش، والذي حذّر الأتاسي من مغبة "استيلاء بغداد على دمشق"، رفض الأتاسي الضغوط العسكرية، فقام الشيكشلي بانقلاب ديسمبر 1949 واعتقل سامي الحناوي وأبرز المتعاطفين مع حزب الشعب، وعدد من الضباط الموالين للعراق في الجيش السوري. في المرحلة الممتدة بين انقلاب 1949 وانقلاب 1951، كان الشيشكلي صاحب الكلمة العليا في البلاد، والجيش طرفًا في الحياة السياسية، طالب الشيشكلي تعيين فوزي السلو وزيرًا الدفاع، لكونه من المقربين منه، بحيث يضمن عدم تأثير موالي العراق على الحكومة، قبل الأتاسي بشروط الشيشكلي الأولى، ومع ذلك طلب من معروف الدواليبي أحد وجوه حزب الشعب تشكيل الحكومة، وقد رفض الدواليبي منح حقيبة الدفاع لفوزي السلو، وبنتيجة ذلك قام الشيشكلي بانقلاب 1951، واعتقل رئيس الوزراء وجميع أعضاء حزب الشعب وجميع الوزراء ورجال الدولة المؤيدين للأسرة الهاشمية، ثم حلّ البرلمان.

احتجاجًا على ذلك قدم الأتاسي استقالته إلى البرلمان المنحل في 24 ديسمبر 1951، ورفض أن يقدمها للشيشكلي، لكون حكمه غير دستوريًا. وطوال حكم أديب الشيشكلي بين 1951-1954 قاد الأتاسي معارضة مستترة ضده مؤكدًا أن حكمه غير دستوري. وبتضافر أنصار الكتلة الوطنية وأنصار حزب الشعب - الذين باتا من الأحزاب المحظورة - إضافة إلى مؤيدي الهاشمية، قامت انتفاضة وطنية من حلب، تلاها انقلاب 1954 بين 24-26 فبراير، واعتقل عدنان نجل الشيشكلي، وكرد على ذلك وضع الشيشكلي الأتاسي تحت الإقامة الجبرية، ولم يقم بوضعه في السجن احترامًا لدوره البارز في الحياة السياسية السورية. في 1 مارس عاد الأتاسي من حمص إلى دمشق وتابع مهامه كرئيس للجمهورية، كما أعاد مجلس الوزراء ورئيسه معروف الدواليبي، واستعاد أيضًا جميع السفراء والوزراء والبرلمانيين الذين عزلهم الشيشكلي مناصبهم السابقة، وحاول الأتاسي خلال متابعته لولايته الثانية بكل قوته القضاء على كل أثر لديكتاتورية الشيكشلي التي دامت أربع سنوات.

الانقلاب العسكري في سوريا 1954، هو خامس انقلاب عسكري في البلاد منذ الاستقلال. أطاح بنظام أديب الشيشكلي ونظام الحزب الواحد الذي تزعمه. ويعتبر ثاني انقلاب سلم قادته العسكريون السلطة لمدنيين (بعد انقلاب سامي الحناوي في 1949)، كفّوا عن التدخل بشؤون البلاد السياسية، لتزدهر بعده الفترة المعروفة باسم "ربيع الديموقراطية" 1954-1958. كما أنه الانقلاب الوحيد الذي بدأ من حلب.
كان أديب الشيشكلي قد أطبق على البلاد عبر نظام الحزب الواحد. اندلعت احتجاجات 1953 الطلابية من حلب، فشكلت أولى بوادر تزعزع النظام. في 25 فبراير 1954، قام الجنرال فيصل الأتاسي مع الفرق العسكرية في حلب باعتقال الجنرال محمد تامر خان القائد العسكري للمنطقة الشمالية، وسيطر الجيش أيضًا على مباني هامة مثل مبنى الاتصالات ودار البلدية وإذاعة حلب، الذي أذيع منها بيان باسم "إذاعة سوريا الحرة"، يدعو في جميع الفرق العسكرية في الجيش "للالتحاق بالثورة". قبل انتصاف الظهر كانت الوحدات العسكرية في اللاذقية ودير الزور وحمص ودرعا قد انضموا للانقلاب ولم يبق في حوزة الشيشكلي سوى الفرق العسكرية في دمشق وريفها.

قضى الأتاسي سنوات حكمه الأخيرة وله من العمر ثمانون عامًا، يحارب نفوذ ضباط الجيش ويسعى للحد من نفوذ الأحزاب اليسارية التي كانت تتنامى في البلاد إلى جانب الاشتراكية والتعاطف مع الاتحاد السوفياتي، وكذلك جمال عبد الناصر، الذي كان يدعمه عدد من وجوه آل الآتاسي من أمثال جمال الأتاسي ونور الدين الأتاسي. واستطاع الأتاسي خلال توليه السلطة تحييد سوريا والحفاظ عليها خارج المعسكر الاشتراكي.


جنازة الرئيس الأتاسي، التي وصفت أنها الأكبر في تاريخ حمص.
خلافًا لمعظم المفكرين والقادة العرب، كان الأتاسي يعتقد أن جمال عبد الناصر كان صغير السن لقيادة مصر والوطن العربي، وعديم الخبرة فضلاً عن آيديولوجيته الحادة، وعمد الرئيس السوري إلى إجراءات صارمة ضد التيار الناصري في سوريا، ووقع خلاف مع رئيس وزرائه صبري العسلي واتهمه بالسعي لتحويل سوريا إلى "قمر صناعي مصري". في عام 1955 كان الأتاسي يميل للقبول بحلف بغداد وهو الاتفاقية المرعيّة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وتهدف إلى احتواء نفوذ الاتحاد السوفياتي في المنطقة، ولكن الضباط الناصريين في الجيش السوري منعوه من القيام بذلك. وخلال الصراع بين العراق الهاشمي ومصر عبد الناصر وقف الأتاسي إلى جانب العراق وتحالف مع نوري السعيد. وبعد أن أقال العسلي عيّن فارس الخوري رئيسًا للوزراء ليكون بذلك السوري المسيحي الوحيد الذي يتولى منصب رئيس الوزراء. وقد أوفد الأتاسي، رئيس وزرائه الخوري إلى مصر، لتقديم احتجاج لدى الحكومة المصرية على "هيمنة عبد الناصر على الشؤون العربية".

انتهت ولاية الأتاسي في سبتمبر/أيلول 1955 واعتزل الحياة السياسية وعاد إلى حمص حيث أقام في دارته حتى يوم وفاته. في عام 1956 أدين ابنه عدنان الأتاسي بالتحالف مع العراق لتدبير انقلاب عسكري للإطاحة بشكري القوتلي الموالي لعبد الناصر، وقد حكم على عدنان بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى، لكن احترامًا لوالده تم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. ويعتقد أن الضباط الذي أداروا المحكمة العسكرية قد أصدورا أحكامًا قاسية انتقامًا من الأتاسي خصوصًا لكونه قد كبح جماح السلطة العسكرية خلال ولايتيه الثانية والثالثة، ومع ذلك فقد رفض زيارة ابنه في السجن.

توفي في حمص يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 1960 خلال سنوات الجمهورية العربية المتحدة، وكانت جنازته الأكبر في تاريخ المدينة وحضرها جمال عبد الناصر إلى جانب كبار المسؤولين في الدولة، وقد تحققت رؤيته للجمهورية العربية المتحدة إذ انفصلت عام 1961 بعد ثلاثة أشهر من وفاته، وقد انتخب اثنان من أفراد أسرته هما لؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي رئيسين للجمهورية من بعده.

قيل عن الأتاسي بأنه رجل "المبادئ السلمية" والمؤيد "للطرق الدستورية" إلى جانب احترامه لجميع اللاعبين في السياسة السورية، وهو واحد من قلة في الطبقة السياسية السورية من حقبة ما قبل البعث لم ينتقده البعثيون ويشهروا بسيرته بعد وصولهم إلى السلطة عام 1963. وقد نشرت سيرة حياته في سوريا عام 2005 على يد حفيده،غير أنه لم يترك وراءه أي مذكرات يومية، تؤرخ للمرحلة التي تولى خلالها رئاسة البلاد.

اقرأ المزيد ←

24 فبراير 2019

انقلاب نوفمبر 1951 في سوريا.. اديب الشيشكيلي


عُرف عهد الانقلاب الثالث بعهد الحكم المزدوج (أديب الشيشكلي وهاشم الأتاسي)، ولما كان الشيشكلي عضواً في مجلس العقداء ومسيطراً عليه فقد حل هذا المجلس وألّف بديلاً عنه مجلساً أسماه المجلس العسكري الأعلى.

وهكذا دخلت البلاد في عهد الانقلاب الرابع. ففي ليل 31 تشرين الثاني/1951 تمت خطوة الشيشكلي الحاسمة في الطريق إلى الحكم إذ اعتقل رئيس الوزراء معروف الدواليبي وزج به وبمعظم أعضاء وزارته في السجن، واعتقل رئيس مجلس النواب وبعض النواب، فما كان من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إلا أن قدم استقالته. بعد ذلك أذيع البلاغ العسكرية رقم (1) بتاريخ (2 كانون الأول/1951) جاء فيه (إن المجلس الأعلى بناء على استقالة رئيس الجمهورية وعدم وجود حكومة في البلاد يأمر بما يلي:-

يتولى رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى مهام رئاسة الدولة، ويتولى كافة الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية.

تصدر المراسيم اعتباراً من (2 كانون الأول/1951) من رئيس الأركان رئيس المجلس العسكري الأعلى.

انصب اهتمام الشيشكلي نحو ترسيخ جذور الانقلاب الرابع في البلاد عبر حكم عسكري مباشر واجهته الزعيم فوزي السلو بعد تعيينه رئيساً للدولة وحقيقته العقيد أديب الشيشكلي رئيس الأركان، وأصدر مرسوماً بحل البرلمان، وآخر بتولي الأمناء العامين في الوزارات صلاحية الوزراء، ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة. كما أصدر مرسوماً آخر بإلغاء جميع الأحزاب السياسية، وآخر بتوحيد الصحف وجعلها أربعة صحف تصدر في دمشق وحمص وحلب والجزيرة.

بسبب أزمة سياسية داخلية, استقال رئيس الدولة (الأتاسي) في 2 كانون الأول 1951, وفي اليوم الثاني نصب أديب الشيشكلي الزعيم فوزي سلو (من أصل كردي), رئيساً للدولة, وبقي هذا رئيساً شكلياً حتى أن نصّب الشيشكلي نفسه رئيساً في 10 آب 1953 بموجب "الاستفتاء"!!. ونشر دستوراً جديداً,

بعد أن وضع دستوراً جديداً للبلاد، انتخب رئيساً للجمهورية طبقاً لأحكام هذا الدستور، وهكذا مهد لمرحلة فرض الديمقراطية من خلال الديكتاتورية العسكرية. أما قيادة الأحزاب السياسية المعارضة فقد ألّفت جبهة شعبية معارضة تصدت لسياسة الشيشكلي عبر المظاهرات الطلابية والعمالية والفلاحية، وبدأت معركة المعارضة في دمشق بإلقاء المتفجرات، وأًعلن العصيان في جبل الدروز، فقاومه الشيشكلي بالدبابات والطائرات، فزاد من النقمة على النظام، ثم تنادى السياسيون من الأحزاب والهيئات إلى عقد مؤتــمرٍ في حمص لعقد (ميثاق وطني) فيما بينهم قرر (الدعوة إلى الديمقراطية والحريات العامة، وشجب الحكم الفردي والنظام البوليسي)، ووجهوا إنذار إلى الشيشكلي لإعادة الأوضاع الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف الحرب الأهلية في جبل العرب. وكان رد العقيد على الإنذار باعتقال كل من وقع عليه، واعتقاله كبار الساسة السوريين، وشهدت البلاد حالة من الاضطراب والمظاهرات الطلابية، قاومها رجال الأمن بالعنف والقنابل المسيلة للدموع، وعطلت الدراسة في المدارس، وعمت المظاهرات المدن السورية وهي تنادي بسقوط الديكتاتورية وإلغاء البرلمان، وعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، فكانت التمهيد الشعبي لإسقاط الشيشكلي.

اقرأ المزيد ←

23 فبراير 2019

انقلاب ديسمبر 1949 في سوريا.. اديب الشيشيكلي

الانقلاب العسكري في سوريا في ديسمبر 1949، هو ثالث انقلاب عسكري في البلاد خلال عام واحد. أطاح به الجنرال أديب الشيشكلي بقائد الجيش سامي الحناوي، وشكل ضغطًا على حزب الشعب لمنع الوحدة مع العراق، أو أي تقارب اقتصادي - عسكري معه.

وقع الانقلاب العسكري الأول بقيادة حسني الزعيم في مارس 1949 غير أنه خلع على يد سامي الحناوي في أغسطس 1949 بعد سخط شعبي من حكمه، بانقلاب آخر قام به الجيش بعد ثلاثة أشهر فقط، وكان الزعيم قد ألغى العمل بالدستور لذلك نظمت قيادة الانقلاب انتخابات لجمعية تأسيسية، وتمت الانتخابات في 15 نوفمبر 1949. أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز حزب الشعب بالمركز الأول، كان حزب الشعب المدعوم أساسًا في حلب وحمص، ينافح عن الوحدة مع العراق تحت التاج الهاشمي، وهو ما راق لقادة الانقلاب، في حين خلق ضغط سعودي - مصري على الحكومة والجمعية التأسيسية لمنع تحقيقه، أو أي تعاون سياسي أو اقتصادي.

الانقسام السياسي وصل إلى الجيش، ورغم أن الحناوي كان قد أصدر قرارًا يحظر على الجيش أي نوع من التدخل السياسي أو الولاء الحزبي، إلا أن القرار لم يطبق فعلاً. كان أديب الشيشكلي ضابطًا في الجيش وقائد الفرقة العسكرية في درعا، وقد دعم الزعيم في انقلابه، غير أن الزعيم عاد وأبعده عن منصبهِ، وقام الحناوي بإعادته إلى منصبه في 1 ديسمبر 1949 في درعا. وبعد أيام قليلة، في 19 ديسمبر 1949 تحرك أديب الشيشكلي مع مجموعة من الضباط واعتقلوا سامي الحناوي في دمشق وهرب معاونه وشقيق زوجته محمد أسعد طلس إلى بيروت. وتم الانقلاب سلميًا، وأذاع الشيشكلي بيانًا موقعًا باسم قيادة الجيش ينصّ أن: "الجيش السوري قد تحرك حفاظًا على أمن البلاد، لأن الحناوي وأسعد طلس وعدد من القادة السياسيين عملوا ضد مصحلة البلاد وتحالفوا مع قوى خارجية". قال الشيشكلي أيضًا عبارته الشهيرة: "نحن جمهوريون، ولا نحتاج لملك أبدًا". قال الشيشكلي بأن النظام الجمهوري سيستمر على حالهِ، طالبًا من الرئيس هاشم الأتاسي تأليف حكومة جديدة شكلها خالد العظم، ومثل بها الجيش بضابط في وزارة الدفاع، وقبل الجيش جميع أعضائها، وتدخل في أغلب أعمالها.


اقرأ المزيد ←

22 فبراير 2019

انقلاب اغسطس 1949 في سوريا.. سامي الحناوي

خلال ثلاث أشهر فقد حسني الزعيم معظم الدعم الشعبي الذي حظي به عند بداية الانقلاب، نتيجة سياسته الخارجية، وتجميد الحياة السياسية الداخلية؛ فضلاً أن تسريح ونقل أعداد كبيرة من الضباط قد جعل علاقته مع المؤسسة العسكرية بحد ذاتها متوترة. وفي فجر يوم 13 أغسطس 1949، قام سامي الحناوي بانقلاب عسكري بثلاث فرق عسكرية، حاصر أولاها تحت قيادته قصر الرئاسة، والثانية حاصرت منزل رئيس الوزراء محسن البرازي والثالثة مقر القيادة العامة للشرطة والجيش. كان العقيد الحناوي عند انقلاب الزعيم برتبة مقدم، وتربطه به علاقة مودة وصداقة، لذلك منحه الزعيم رتبة عقيد كما منحه ثقته إذ سلمه قيادة اللواء الأول في الجيش، والذي يعتبر القوة الضاربة التي يعتمد عليها رئيس الجمهورية.

اعتقل الزعيم إثر الانقلاب، في حين آل الحكم مجددًا لقيادة الجيش، واجتمع في وزارة الدفاع نحو خمسين سياسيًا مع الحناوي للتباحث في المرحلة الانتقالية؛ برر الحناوي أسباب الانقلاب بتبديد الثروة العامة وقمع الشعب وازدراء سلطة القانون واعتبار الزعيم نفسه «ملكًا» على سوريا كما صرح هو بذلك؛ والأسوأ من ذلك حسب رأي الحناوي هو السياسة الخارجية «غير المسؤولة». وقد حوكم الزعيم أمام المجلس الأعلى للحرب محاكمة عسكرية عاجلة وأدين بتهمة الخيانة العظمى وأعدم في اليوم نفسه مع رئيس وزرائه محسن البرازي رميًا بالرصاص، حسب الرواية الرسمية. وحسب بعض الجند الذي شاركوا في إعدام الزعيم أنه كان "هادئًا بشكل مذهل، ومتمالكًا نفسه".هناك رواية أكثر شيوعًا يرويها الملحق العسكري البريطاني في دمشق نقلاً عن قائد الدرك السوري بأن الزعيم لقي حتفه بعد وقت قصير من دخول الانقلابيين إلى القصر الجمهوري، وقد أخبر الرائد أمين أبو عساف قائد فصيل الخيالة في الفرقة الأولى قائد الانقلاب الحناوي بمقتل الزعيم بحضور الملحق العسكري البريطاني. لقد أعطى الحناوي، حسب الرواية،انطباعاً بأنه لم يكن في النية قتل الزعيم، ونتيجة لذلك شكل المجلس الحربي الأعلى ولفق رواية المحاكمة العسكرية وصدور الحكم وتنفيذه.ولعلّ اثنين من الضباط المكلفين باعتقال الزعيم وهما فضل الله منصور وعصام مريود، أعدما الزعيم خلافًا لأوامر قادة الانقلاب، لأتهم من القوميين، حسب هذه الراوية فإن التخطيط للانقلاب بدأ عقب مقتل سعادة مباشرة في شهر يوليو، واستغرق إعداده نحو شهر كامل.

اعترفت معظم الدول المجاورة بشرعية النظام القائم بعد الانقلاب سريعًا، وأرسلت لبنان والأردن «تهانيهما» بالانقلاب، في حين كانت إسبانيا السباقة عالميًا للاعتراف، وعبرت السفارة البريطانية في بيان عن سعادتها إذ قالت بأن "غيمة القمع السوداء التي هيمنت على البلد منذ مجيء الزعيم إلى السلطة قد انقشعت"، وعبر رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد عن سعادتهِ بالانقلاب وقال بأن الزعيم "لقي المصير الطبيعي لأي ثورة لا تستند على أي أساس"؛وبينما تلكأت السعودية أعلنت مصر الحداد ثلاث أيام على الزعيم؛ أما على صعيد الصحف المصرية وكذلك عدد من الصحف الغربية، لاسيّما الفرنسيّة، فقد نعته مذكرة بالتشريعات التقدمية التي أقرّها وإصلاحاته الزراعية ووجهت أصابع الاتهام إلى بريطانيا والهاشميين، وبينما تشير المعلومات عن دعم هاشمي من العراق لاسيّما بالأموال للانقلاب تبقى فرضية تدخل المملكة المتحدة بالانقلاب ضعيفة.

شكل الزعيم أول انقلاب عسكري في الوطن العربي، دافعًا لخطوات مماثلة في عدد من الدول العربية الأخرى فيما يعرف بتأسيس "جمهوريات الضباط". "أثار الزعيم خيال الضباط الأحرار في مصر، فخلعوا الملك فاروق عام 1952". لم تخلّد الدولة السورية ذكرى الزعيم، بتسمية شوارع أو ساحات أو إصدار طوابع بريدية على اسمه. بينما أعدم على طريق المزة، لم يعرف موضع قبره حتى 3 يناير 1950، حين عثر على جثتهِ مدفونة "بثياب النوم التي اعتقل بها" في تابوت خشبي تحت كومة حجارة في منطقة أم الشراطيط قرب نهر الأعوج بدمشق، فنقلت إلى المشفى العسكري في المزة، ثم بسيارة عسكرية إلى مقبرة الدحداح، أغلى مقابر دمشق.لم تصادر الدولة السورية منزل الزعيم الذي امتلكه منذ أن كان قائدًا للجيش، ووافق البرلمان السوري على تخصيص راتب تقاعدي لأرملتهِ وأبنته، وهو ما استمرّ معمولاً بهِ لما بعد عهد الجمهورية الثانية. في 31 أكتوبر 1950 قتل سامي الحناوي في بيروت على يد محمد البرازي، ابن عم محسن البرازي رئيس وزراء الزعيم.
تطرقت الدراما السورية لشخصية حسني الزعيم في عدد من المسلسلات السورية، أبرزها الجزء الثاني من مسلسل حمام القيشاني عام 1995، حيث لعب فيه محمد الطيب دور الزعيم؛ كما ناقشت أعمال درامية أخرى فترة الجمهورية الأولى، وظهرت فيها شخصية الزعيم، منها مسلسل الدوامة من إنتاج 2008.

اقرأ المزيد ←

ستيفن إروين "صائد التماسيح": قصة حياة أيقونة الطبيعة ونهايته المأساوية بشوكة سمكة الراي

ستيفن إروين.. صائد التماسيح الذي روض الوحوش وقتلته شوكة

يعد ستيفن روبرت إروين (22 فبراير 1962 - 4 سبتمبر 2006)، الملقب بـ "صائد التماسيح" (The Crocodile Hunter)، واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ البرامج الوثائقية والحفاظ على الحياة البرية. بقميصه الكاكي وصرخته الشهيرة "Crikey!"، استطاع إروين أن ينقل حب الطبيعة إلى قلوب أكثر من 500 مليون مشاهد حول العالم، محولاً الخوف من الزواحف إلى شغف بالاستكشاف.

البداية: طفل نشأ بين التماسيح

ولد إروين في ضواحي ملبورن، وانتقل مع والديه "بوب ولين" إلى كوينزلاند في عام 1970. لم تكن طفولته عادية؛ فقد كان والده خبيراً في الزواحف ووالدته متخصصة في إعادة تأهيل الحياة البرية. نشأ ستيف وهو يشارك في التغذية اليومية للحيوانات، وبدأ التعامل مع التماسيح في سن التاسعة فقط تحت إشراف والده.

تطوع إروين في برنامج إدارة التماسيح بساحل كوينزلاند، حيث أسر أكثر من 100 تمساح لحمايتها، ونقل العديد منها إلى حديقة العائلة التي تولى إدارتها عام 1991، وغير اسمها لاحقاً إلى "حديقة حيوانات أستراليا" (Australia Zoo) في عام 1998.

العائلة: قصة حب من النظرة الأولى

في عام 1991، التقى إروين بـ تيري رينز، عالمة الطبيعة الأمريكية، ووصفا لقاءهما بأنه "حب من النظرة الأولى". تزوجا في عام 1992، وأثمر الزواج عن طفلين: الابنة "بيندي سو" والابن "روبرت".

ومن المثير للاهتمام أن الزوجين لم يرتديا خواتم زفاف قط؛ لإيمانهما بأن المجوهرات تشكل خطراً أثناء التعامل مع الحيوانات. كان إروين يرى في عائلته السبب الحقيقي لوجوده على الأرض، وكان يوازن ببراعة بين عشقه للحيوانات وحبه الجارف لأسرته.

رحلة الشهرة العالمية: "Crikey!" تغزو العالم

بدأت شهرة إروين من لقطات شهر العسل التي قضاها في صيد التماسيح، والتي أصبحت الحلقة الأولى من مسلسل The Crocodile Hunter. حقق البرنامج نجاحاً ساحقاً في أكثر من 130 دولة. أسلوبه المتحمس وشورت الكاكي المميز جعله أيقونة عالمية.

أشاد به السير ديفيد أتينبورو، مؤكداً أنه نجح في تجديد التواصل بين الإنسان والطبيعة بأسلوب مثير ورائع. قدم إروين سلاسل أخرى مثل Croc Files و New Breed Vets، وكان يخطط لمستقبل ابنته "بيندي" في عالم البرامج الوثائقية قبل رحيله.

الوفاة المأساوية: نهاية غير متوقعة

في 4 سبتمبر 2006، وأثناء تصوير المسلسل الوثائقي Ocean's Deadliest بالقرب من بورت دوجلاس بكوينزلاند، قرر إروين الغوص في مياه ضحلة لتوفير لقطات لبرنامج ابنته.

اقترب إروين من سمكة راي (Stingray) ضخمة، وبشكل دفاعي مفاجئ، وجهت السمكة عدة لدغات بشوكتها السامة، اخترقت إحداها قلب إروين مباشرة. توفي إروين متأثراً بنزيف حاد رغم محاولات الطاقم لإنعاشه. وتعد هذه الحادثة هي الوحيدة المسجلة بالفيديو لمثل هذا النوع من الهجمات، وقد تم تدمير جميع نسخ الفيديو بناءً على طلب عائلته احتراماً لخصوصيته.

تكريمات وإرث خالد

رغم رحيله، ظل اسم ستيفن إروين محفوراً في سجلات العلم والطبيعة:

  • سلحفاة إروين: نوع جديد من السلاحف اكتشفه وسُمي باسمه تكريماً له.
  • حلزون إروين: نوع من الحلزونات الأرضية اكتشف عام 2009 وسُمي باسمه.
  • الميدالية المئوية: حصل عليها من الحكومة الأسترالية لخدماته في الحفاظ على البيئة العالمية.
  • أستاذ مساعد: حصل على الأستاذية الفخرية بعد وفاته من جامعة كوينزلاند.
  • غوريلا إروين: أطلقت حكومة رواندا اسمه على إحدى الغوريلات تقديراً لجهوده.

رحل صائد التماسيح، لكن إرثه يستمر من خلال عائلته وحديقته التي لا تزال منارة لحماية الحياة البرية في العالم.


اقرأ المزيد ←

21 فبراير 2019

انقلاب مارس 1949 في سوريا.. حسني الزعيم

حسني الزعيم (1897 – 14 أغسطس 1949) رئيس الجمهورية السورية الأولى، عبر انقلاب مارس 1949، قبل أن يطاح به بانقلاب أغسطس 1949، لتكون فترة حكمه قرابة أربعة أشهر بين 30 مارس و14 أغسطس 1949. على الرغم من قصر الفترة الزمنية التي تولى فيها الزعيم السلطة، إلا أنها تركت "علامة فارقة" في تاريخ سوريا الحديث، خصوصًا من ناحية كونها فاتحة عشرين انقلاب ومحاولة انقلابية كان آخرها الحركة التصحيحية.

جمع الزعيم خلال المرحلة الأولى من حكمه بين رئاسة الدولة والحكومة والسلطة التشريعيّة، وأجرى انتخابات رئاسية أفضت لفوزه، فغدا رئيسًا في 26 يونيو 1949؛[1] تمتع الزعيم في الأيام الأولى من انقلابه بدعم شعبي واسع، وتأييد معظم الطبقة السياسة السابقة، وذلك نتيجة لسلسلة الأزمات السياسية والركود الاقتصادي، وفقدان الثقة بالنظام بعد هزيمة حرب 1948. وسرعان ما تبخرت تلك الشعبية مع تفرده بالسلطة، وتسليمه أنطون سعادة، وإقراره اتفاق الهدنة مع إسرائيل. جمعت الزعيم صداقة قوية مع الملك فاروق الأول ملك مصر، وتحالف معه ومع المملكة العربية السعودية، وانقلب بنتيجة التحالف على مشروعي سوريا الكبرى والهلال الخصيب، الذين كان يدعمهما قبل رئاسته.

الزعيم هو أول رئيس من خارج الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية التي حكمت البلاد منذ سقوط سوريا العثمانية، والتي شكلت السمة الأبرز في الحياة السياسية خلال عهد الجمهورية السورية الأولى؛ وهو أول رئيس لا يعتمر الطربوش؛ وقد كتبت صحيفة التايمز أنه "أنهى حكم العائلات الغنية في سوريا، وقضى على الفساد في الدولة"؛ وعلى الرغم من فترة حكمه القصيرة إلا أنه قدم إنجازات هامة، منها منح المرأة حق التصويت، ووضع قانون الأحوال الشخصية. اعتبر الزعيم نفسه زعيمًا في مصاف زعماء كبار كنابليون وأتاتورك وهتلر، وقال في مرحلة لاحقة أنه «ملك سوريا»؛[2] وصف بالديكتاتور وقال عنه خالد العظم أنه «متهور وطائش»،اشتهر بولعه باللباس، وبقوله: «أتمنى أن أحكم الشام يومًا واحدًا ثم أقتل».

مع تزايد حدة الانتقادات للجيش إثر هزيمة حرب فلسطين، وحالة السخط الشعبي على المؤسسة العسكرية والطبقة السياسيّة خصوصاً والنظام القائم عموماً، دخلت البلاد في حالة أزمات سياسة متكررة لم يواجه النظام الجمهوري مثلها منذ قيامه. خلال مناقشة أسباب الهزيمة في البرلمان، تحولت الانتقادات إلى "انتقادات شخصية للضباط، لا سيّما قائد الجيش وبشكل ملحوظ من قبل الحزب التعاوني الاشتراكي؛ وهو ما شكل اللبنة الأولى لانقلاب الزعيم. وَعَدَ رئيس الجمهورية القوتلي بإجراء إصلاحات إدارية واقتصاديّة وتخصيص جزء كبير من الميزانيّة لإعادة بناء الجيش وتسليحه «والعمل على إعادة ثقة السوريين بنظامهم».
كانت بداية التدخل العملي للزعيم في الحياة السياسية في 3 ديسمبر 1948، حين اندلعت أعمال شغب في العاصمة إثر استقالة حكومة جميل مردم واعتذار هاشم الأتاسي عن تشكيل حكومة جديدة، بعد أن نشر الزعيم الجيش في العاصمة دون إذن مسبق من الحكومة أو السلطة السياسيّة، وفي اليوم ذاته أعلن القوتلي حالة الطوارئ وإخضاع البلاد للأحكام العسكريّة وإغلاق المدارس.

في اليوم التالي، بدأ الزعيم جولة لزيارة القطع العسكريّة في المحافظات السورية بهدف «رفع معنويات الجيش»، ما ساهم في تقوية علاقته مع معظم قادة الثكنات من جهة وبروز اسمه «مخلصاً للبلاد» من جهة ثانية. وفي 16 ديسمبر شُكّلت حكومة جديدة برئاسة خالد العظم بعد سلسلة أزمات في التكليف والتأليف، وجاء البرنامج الحكومي كما وصفته الصحافة «تقليدياً ومخيباً لآمال السوريين»، على الرغم من أنه نص على سعي الحكومة «لتحرير فلسطين». لم يساهم تشكيل الحكومة بالتخفيف من حدة الأزمة السياسية، بل تفاقمت نتيجة العداء المتبادل بين رئيس الحكومة خالد العظم وقائد الجيش حسني الزعيم "والذي كان يناله منه تجاهلاً بل تحقيرًا"؛أما النقطة الفارقة في الأزمة فكانت النقاش حول مد خطوط التابلاين في سوريا، ورفع حالة الطوارئ، ومناقشة السياسة العسكرية في مجلس النواب، إذ دفعت الزعيم مع أربعة عشر ضابطٍ للتخطيط للإنقلاب. وقال الصحفي السوري نذير فنصة، الذي جمعته صداقة مع الزعيم، إن تخطيط الانقلاب بدأ في 24 مارس في منزله، وكان سامي الحناوي بين الأربعة عشر ضابطًا الذين خططوا للانقلاب، تلاه اجتماع آخر في القنيطرة، ورغم وصول أنباء الإعداد لانقلاب عسكري وتذمر كبار الضباط للقوتلي، إلا أنه لم يعر هذه الأخبار أي اهتمام.

الانقلاب
يوم الأربعاء 30 مارس 1949، في تمام الساعة الثانية والنصف فجرًا، انتقل الزعيم من مقر عمله في القنيطرة إلى دمشق بعد أن أعطى أوامره بقطع كافة أشكال الاتصالات بينها وبين العالم الخارجي. وبعد وصوله المدينة أمر عددًا من وحدات الجيش السوري بتطويق القصر الرئاسي ومبنى مجلس النواب والوزارات الرئيسية، كما حوصرت مقرات الشرطة والأمن الداخلي والقوات نصف العسكرية المعروفة باسم الجندرمة التابعة لوزارة الداخليّة؛ في حين أعدّ أكرم الحوراني بيان الانقلاب الذي تلته الإذاعة السورية. وقد تمت عملية التطويق والاستسلام في جميع هذه المواقع سلمًا ودون إطلاق رصاصة واحدة. اعتقل الجيش شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم بعد أن بُلغا مذكرة من الزعيم بأن الجيش قد قرر استلام قيادة البلاد، ونقلا إلى مشفى المزة العسكري، ووجه الجيش الذي انتشر في الساحات العامة بيانًا مقتضبًا للشعب حول عملية «انتقال السلطة»؛ ولم يعلن في البلاغ الأول، وسلسلة البيانات الأولى اسم قائد الانقلاب، واكتفى بالإشارة للقيادة الجماعية للجيش؛ وقد اتخذ الزعيم من قصر مديرية الشرطة في ساحة المرجة مقرًا مؤقتًا له، وهو مقر عمله السابق.

في صباح الانقلاب، التقى الزعيم عددًا كبيرًا من أعضاء مجلس النواب يتقدمهم رئيس المجلس فارس الخوري، وأسفر اللقاء عن السماح للخوري بزيارة رئيسي الجمهورية والوزراء في مشفى المزة العسكري بعد ظهر ذلك اليوم، وقد جاءت زيارة الخوري للإطمئنان على صحة الرئيسين من ناحية، وليطلب منهما التوقيع على بيان الاستقالة. طبقًا للقانون الدستوري الدولي، الذي ينصّ على "انتقال" السلطة الشرعية، لا استملاكها بالقوة. وجب على البرلمان في 1 أبريل الانعقاد في فندق الشرق، نظرًا لاحتلال قوات الجيش مبنى البرلمان، وبحضور سبعين نائبًا "فوضت السلطة الشرعية" في البلاد إلى الزعيم، دون معارضة أي نائب، إلا أن غياب بعض النواب فسّر بأنه اعتراض على العملية، وعبرت كلمات النواب عن دعمها للنظام الجديد دون أي معارضة تذكر خوفًا من انقسام الجيش ما قد يدخل البلاد في حرب أهليّة. غير أنّ الأيام اللاحقة شهدت اعتقال عدد من النواب منهم منير العجلاني. في 3 أبريل أعلن الزعيم حل البرلمان، وتفويض نفسه صلاحيات التشريع، وإلغاء العمل بالدستور، لحين وضع دستور جديد للبلاد يعيد للسوريين «حقوقهم وحرياتهم» كما صرح في اليوم ذاته.

بعد أن بدا الوضع الأمني في البلاد مستقرًا بشكل عام، اتجه الزعيم نحو كسب "شرعية دستورية" عن طريق الانتخابات، فقرر عدم الانتظار لوضع دستور جديد للبلاد؛ بل الشروع بانتخاب رئيس جديد على أن تكون من صلاحياته إصدار الدستور العتيد؛ وشكل الزعيم في سبيل ذلك لجنة كتابة الدستور. بين 15 - 20 يونيو 1949، فتح الزعيم باب الترشيح للانتخابات، ولم يترشح أحد سوى الزعيم نفسه، وهو ما حوّل الانتخابات إلى استفتاء حول تبوؤ الزعيم منصب الرئاسة، وتفويضه سلطة إصدار الدستور.

جرت الانتخابات في 26 يونيو، وشاركت بها المرأة للمرة الأولى، وأفضت طبقًا للنتائج الرسمية بفوز ساحق للزعيم.وبعد إعلان النتائج، قلّد الزعيم نفسه منصب رئيس الجمهورية رسميًا، ورفع نفسه لمنصب جديد لم يكن سابقًا ضمن مراتب الجيش السوري هو المشير، وألف حكومة البرازي. مع استحداث رتبة المشير، اعتمد الزعيم شارة المنصب بقيمة 17,500 ليرة سورية (كان الدولار آنذاك 3.5 ليرة)، في حين لم تبارح "العصا الماريشالية" الظهور في يده في جميع المناسبات؛ وقد وضعت في المتحف الحربي السوري بعد خلعه؛ وبشكل عام، فإن "ولع الزعيم بالمظاهر القيصرية، وفي لباسه وشاراته، بشكل مسرحي، كان أحد عوامل سقوط نظامه جماهيريًا".

اقرأ المزيد ←