تأميم قناة السويس 1956: ملحمة الكرامة الوطنية وعودة الشريان لأصحابه
في مساء السادس والعشرين من يوليو عام 1956، ومن فوق منبر ميدان المنشية بالإسكندرية، صدح صوت الرئيس جمال عبد الناصر ليعلن قراراً زلزل عواصم الاستعمار القديم وأعاد كتابة تاريخ الشرق الأوسط: تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية. لم يكن هذا القرار مجرد مناورة سياسية أو رد فعل عابر على سحب تمويل السد العالي من قِبل القوى الغربية والبنك الدولي، بل كان إعلاناً كاشفاً لسيادة مصر الكاملة على ترابها الوطني، وتصحيحاً لخطأ تاريخي سلب البلاد ثرواتها لقرابة قرن من الزمان.
الرئيس جمال عبد الناصر معلناً قرار تأميم قناة السويس التاريخي لإعادة الحقوق لأصحابها
قانون التأميم: الالتزام القانوني والوفاء بالحقوق المادية
نصت المادة الأولى من قرار التأميم بوضوح على نقل جميع أموال وحقوق الشركة المؤممة وما عليها من التزامات إلى الدولة المصرية، وحلّ كافة الهيئات واللجان التي كانت قائمة على إدارتها. وتعهدت الدولة بتعويض المساهمين وحملة حصص التأسيس بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق لتاريخ العمل بالقانون في بورصة الأوراق المالية بباريس.
وبالفعل، ورغم محاولات التشكيك الغربية، أوفت الدولة المصرية بكافة التزاماتها المالية بكل شرف وأمانة؛ فمع حلول الأول من يناير عام 1963، كانت مصر قد سددت كامل التعويضات المقررة لمساهمي الشركة المؤممة قبل تاريخ استحقاقها الفعلي بسنة كاملة. وبلغت جملة هذه التعويضات 28,300,000 جنيه مصري (قيمة 800,000 سهم) سُددت بالكامل بالعملة الصعبة، لتثبت مصر للعالم زيف الادعاءات الاستعمارية وتؤكد احترامها الكامل للالتزامات الدولية.
المعركة الدبلوماسية: عبقرية الدكتور محمود فوزي في الأمم المتحدة
خاضت الدبلوماسية المصرية معركة شرسة لتفنيد الأسانيد الغربية التي حاولت النيل من شرعية التأميم. وفي الثامن من أكتوبر عام 1956، وقف وزير الخارجية المصري القدير الدكتور محمود فوزي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليلقي خطاباً تاريخياً مفصلاً، فنّد فيه كافة الادعاءات الاستعمارية مستنداً إلى ركيزتين قانونيتين:
- الحق السيادي للدول: أكد أن لكل دولة مستقلة الحق المطلق في تأميم أي هيئة تخضع لسيادتها فوق أراضيها، مستشهداً بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 626 الصادر في 21 ديسمبر 1952، والذي يقر بحق الدول في استغلال موارد ثرواتها لرفاهية شعوبها طبقاً لمبادئ الميثاق.
- مصرية الشركة قانوناً: أوضح أن المادة 16 من الاتفاق المبرم بين الحكومة المصرية والشركة في 22 فبراير 1866 تنص بوضوح على أن "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية هي شركة مساهمة مصرية تخضع لقوانين البلاد وعرفها". والمفارقة الكبرى التي كشفها فوزي هي أن الحكومة البريطانية نفسها كانت قد اعترفت بهذه الحقيقة ودافعت عنها أمام المحاكم المختلطة في 12 أبريل 1939 في قضية الوفاء بالذهب الشهيرة.
وفي ختام خطابه، أعلن تمسك مصر بسيادتها الكاملة على أرضها واحترامها في الوقت ذاته لاتفاقية القسطنطينية لعام 1888، واستعدادها التام للتفاوض للوصول إلى حلول سلمية تحفظ سلامة الملاحة.
مؤامرة المرشدين: حين سطر المصريون ملحمة التحدي
أمام الفشل الدبلوماسي، لجأت القوى الاستعمارية إلى سلاح الخنق الاقتصادي؛ ففي منتصف سبتمبر 1956، سحبت بريطانيا وفرنسا المرشدين والفنيين الأجانب العاملين في القناة بشكل جماعي ومفاجئ، بهدف شل حركة الملاحة وإحراج الإدارة المصرية الوليدة أمام المجتمع الدولي وإثبات عدم قدرة المصريين على إدارة هذا الشريان العالمي المعقد.
الصفحة الرئيسية لجريدة الأهرام تعكس الفخر الشعبي بنجاح الإدارة المصرية في تسيير الملاحة
لكن روح التحدي المصرية صنعت المعجزة؛ إذ نجح المرشدون المصريون، بمعاونة زملائهم من الدول الصديقة، في قيادة السفن بانتظام مذهل بعد يومين فقط من المؤامرة. وعبرت القناة أعداد هائلة من السفن بنجاح باهر:
- في 16 سبتمبر: عبرت 36 سفينة.
- في 17 سبتمبر: عبرت 35 سفينة.
- في 18 سبتمبر: عبرت 32 سفينة.
- في 19 سبتمبر: عبرت 34 سفينة.
وفي 18 سبتمبر 1956، استقبلت الإسماعيلية خمسين من كبار المراسلين الأجانب الذين عاينوا بأنفسهم دقة النظام الملاحي المصري. وفي اليوم التالي، تزينت الصفحات الأولى للصحف المصرية، وعلى رأسها الأهرام، بالمانشيت الشهير: "إعجاب الصحفيين الأجانب بنظام الملاحة في القناة.. بعد أن شاهدوا قوافل السفن تمر في سلام".
حتى الصحافة الغربية وقفت مذهولة أمام هذا النجاح المصرى؛ حيث نشرت مجلة "تايم" الأمريكية في أول أكتوبر 1956 مقالاً تحت عنوان "تحت ظل الإدارة الجديدة" كتبت فيه: "بعد ثمانية أسابيع من تأميم القناة، وبعد أسبوع واحد من انسحاب ثلثي مرشديها، يبدو أن ناصر برّ بما كان يفخر به؛ فقد مرت منذ التأميم 2432 سفينة بسلام وأمان، منها 301 سفينة عقب الانسحاب الجماعي للمرشدين الأجانب".
العدوان الثلاثي: معركة السويس التي دفنت عصر الاستعمار
قاد هذا النجاح المصري الساحق القوى الاستعمارية الموتورة (بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل) إلى شن عدوان عسكري غاشم على مصر، استمر من 31 أكتوبر إلى 22 ديسمبر 1956. ورغم أن العدوان تسبب في إغلاق القناة مؤقتاً بسبب السفن التي غُرقت فيها، إلا أن المقاومة الباسلة لشعب مصر وجيشها على ضفاف القناة وفي بورسعيد حولت الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي وتاريخي مجيد في 23 ديسمبر 1956.
لقد كانت "معركة السويس المجيدة" بمثابة المسمار الأخير في نعش عصر الاستعمار القديم، ودشنت بلا جدال حقبة التحرير الوطني والاستقلال لدول العالم الثالث بأسره. وبنفس عزيمة البناء، استُؤنفت الملاحة في القناة في 29 مارس 1957 بعد نجاح السواعد المصرية في انتشال السفن الغارقة وتطهير المجرى الملاحي بالكامل.
مشروعات التطوير وعصر ناقلات البترول العملاقة
بعد عودة الملاحة، لم تكتفِ مصر بإدارة المجرى الملاحي بل خططت لتطويره جذرياً؛ ففي الأول من يناير 1958، بدأت هيئة قناة السويس في تنفيذ المرحلة الأولى من "مشروع ناصر للتطوير". كان الهدف زيادة القطاع المائي للقناة من 1250 متراً مربعاً إلى 1800 متر مربع، وزيادة الغاطس المسموح به للسفن العابرة من 35 قدماً إلى 37 قدماً. وشهد هذا العام تدعيم أسطول الكراكات بالكراكة الماصة "15 سبتمبر" وشقيقتها "26 يوليو".
وتسارعت وتيرة العمل حتى انتهت المرحلة الأولى من المشروع في 30 أبريل 1961، والمرحلة الثانية في أول سبتمبر 1961، ليتوج هذا العام بوضع حجر الأساس لترسانة هيئة قناة السويس البحرية الكبرى في ديسمبر 1961.
توالي عبور العمالقة التاريخيين تحت الإدارة المصرية
أثبتت الإدارة المصرية جدارتها الفنية المطلقة باستقبال وتسيير أضخم السفن والناقلات العالمية التي لم يكن مسموحاً لها بالعبور من قبل، وسجلت الدفاتر الملاحية عبور عمالقة البحار:
- ناقلة البترول الأمريكية "مانهاتن" (13 مارس 1962): أضخم سفينة تعبر القناة منذ إنشائها حتى ذلك الوقت، بحمولة قصوى بلغت 106,500 طن، وطول 286.7 متراً، وعرض 40.2 متراً، وغاطس أقصى بلغ 15.05 متراً، وكانت تضارع في ارتفاعها عمارة سكنية ذات عشرة طوابق.
- الناقلة النرويجية "برج هس" (8 أكتوبر 1962): احتفلت الهيئة بعمرها كونها السفينة المائة ألف التي تعبر القناة منذ التأميم. بلغ طولها 194 متراً، وعرضها 26 متراً، وحمولتها الكلية 20,990 طناً.
- انضمام الكراكة العملاقة "خوفو" (14 أبريل 1964): كراكة ماصة طاردة ذات حفار، بُنيت لحساب الهيئة في اسكتلندا بقوة آلات بلغت 8,500 حصان، ولديها القدرة على تفتيت الصخور حتى عمق 21 متراً وطرد الأتربة لمسافة 3.5 كيلومتر، وبلغ ثمنها آنذاك مليون ونصف مليون جنيه.
- الناقلة البريطانية "بريتش أدميرال" (8 مايو 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 111,274 طناً.
- الناقلة البريطانية "بريتش أرجوزي" (17 يوليو 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 112,786 طناً.
- الناقلة السويدية "سي سبريت" (27 يوليو 1966): عبرت بحمولة بلغت 119,400 طن.
- الناقلة النرويجية العملاقة "برجهافن" (27 أكتوبر 1966): سجلت رقماً قياسياً جديداً كأضخم سفينة تعبر القناة بحمولة بلغت 153,511 طناً، وطول 278.9 متراً، وعرض 44.2 متراً. ولم تسمح الهيئة بعبورها إلا بعد إجراء تجارب علمية دقيقة على نموذج مصغر لها في معمل الأبحاث بالإسماعيلية تكللت بالنجاح التام.
- الناقلة السويدية "سي سبراي" (26 نوفمبر 1966): عبرت بحمولة قصوى بلغت 116,250 طناً.
خاتمة الفصل: إن هذا التطور الهائل والقدرة الاستثنائية على إدارة وتطوير القناة أثبتا للعالم أجمع أن السواعد المصرية التي حفرت القناة بالدم والدموع بالأمس، هي ذاتها القادرة على قيادتها وتطويرها بأحدث الأساليب العلمية والهندسية لتظل دوماً فخراً للوطن وشرياناً للعالم. (اعتمدت المادة على مذكرات المهندس سمير حمدي وأرشيف الصحافة المصرية التاريخي).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق