إعادة افتتاح قناة السويس 1975: ملحمة العبور الثاني وشريان السلام العالمي
عقب عدوان الخامس من يونيو عام 1967، دخلت قناة السويس في بيات شتوي طويل فرضته ظروف الحرب والاحتلال. تحول المجرى المائي الأهم في العالم إلى خط مواجهة عسكري ملتهب، وركدت المياه لثماني سنوات عجاف تكبد فيها الاقتصاد العالمي خسائر فادحة. ولكن، وبفضل الملحمة العسكرية الخالدة في حرب أكتوبر 1973، تحطمت الأوهام الإسرائيلية، وتغيرت موازين القوى، مما مهد الطريق لقرار مصري شجاع يعيد صياغة حركة الملاحة الدولية ويزف بشرى السلام للعالم أجمع.
الرئيس محمد أنور السادات من فوق يخت القيادة يتابع حركة عبور السفن في القناة
قرار السادات التاريخي: الملاحة رافداً للسلام لا العقاب
في 29 مارس 1975، وقف بطل الحرب والسلام الرئيس محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب ليلقي خطاباً تاريخياً أعلن فيه للعالم قرار إعادة فتح قناة السويس. لم تكن هذه الخطوة مجرد مناورة سياسية، بل كانت رسالة إنسانية راقية تعبر عن معدن الشعب المصري الأصيل، حيث قال السادات في كلمته المؤثرة:
"إنني لا أريد لشعوب العالم التي تهتم بالقناة معبراً لتجارتها أن تتصور بأن شعب مصر يريد عقابها لذنب لم تقترفه. إنهم جميعاً أيدونا، ونحن نريد قناتنا كما يريدونها طريقاً لازدهارنا. سوف نفتح قناة السويس ونحن قادرون على حمايتها نفس قدرتنا على حماية مدن القناة التي قمنا ونقوم بتعميرها، فلقد مضى ذلك العهد الذي كانت فيه المسافات حائلاً دون العدوان".
الخامس من يونيو 1975: يوم عانقت فيه مصر مياه البحرين مجدداً
في مفارقة تاريخية مقصودة، اختار السادات يوم الخامس من يونيو عام 1975 ليكون موعداً لإعادة الافتتاح؛ ليحول ذكرى النكسة الأليمة إلى يوم للنصر والسلام والازدهار العالمي. وفي خطابه الأسطوري في ذلك اليوم المشهود، وجّه السادات رسالة وفاء لأصحاب الحق الحقيقيين قائلاً:
"أعلن لابن هذه الأرض الطيبة الذي شق القناة بعرقه ودموعه، همزة للوصل بين القارات والحضارات، وعبرها بأرواح شهدائه الأبرار لينشر السلام والأمان على ضفافها، يعيد فتحها اليوم للملاحة من جديد، رافداً للسلام وشرياناً للازدهار والتعاون بين البشر".
المهرجان الأسطوري والمسيرة البحرية المهيبة لإعادة افتتاح القناة بحضور دولي حاشد
عقب إلقاء الخطاب، صعد الرئيس السادات في أبهى حُلّة عسكرية على ظهر المدمرة المصرية "6 أكتوبر" ليبدأ بها أول رحلة رسمية عبر القناة المطهّرة. وسارت خلفها قافلة بحرية تاريخية تليق بالحدث، ترتبت كالتالي:
- تتقدم القافلة كاسحتا ألغام لتأمين الممر الملاحي.
- تتبعها المدمرة "6 أكتوبر" التي تحمل على متنها الرئيس السادات وضيوفه.
- يليها اليخت الملكي الشهير "الحرية" (الذي شهد حفل الافتتاح الأول عام 1869).
- سفينة القيادة بالأسطول السادس الأمريكي "ليتل روك" (تأكيداً على التعاون الدولي في تطهير القناة).
- السفينتان المصريتان "سوريا" و"عايدة".
- لنشات عسكرية والقاطرة العملاقة "مارد".
- وفي نهاية القافلة، ثلاث سفن حربية، تتبعها السفينة القطرية "غزل".
وعند وصول القافلة الميمونة إلى مدينة الإسماعيلية، توجه الرئيس السادات مباشرة إلى مبنى الإرشاد التاريخي، ليزيح الستار عن اللوحة التذكارية بمدخل المبنى، مدشناً عصراً جديداً من الملاحة والسيادة المصرية.
عصر العمالقة يتجدد: عبور الناقلة "إسوسكانديا"
لم يمضِ عام واحد على إعادة الافتتاح، حتى بدأت القناة في تسجيل أرقام قياسية غير مسبوقة تؤكد كفاءتها الفنية العالية وعودتها القوية لخدمة حركة الشحن الثقيل. ففي 31 أكتوبر 1976، شهدت مياه القناة عبور ناقلة البترول الليبيرية العملاقة "إسوسكانديا" (Essoscandia) فارغة.
كانت هذه السفينة بمثابة ديناصور بحري يجسد الجيل الجديد من الناقلات الكبرى؛ إذ تبلغ حمولتها القصوى 254 ألف طن، وطولها 348.5 متراً، وعرضها 51.90 متراً، بغاطس كلي يبلغ 65.60 قدماً (عبرت القناة فارغة بغاطس 28 قدماً فقط). وسجلت الدفاتر الملاحية هذه الناقلة كأكبر سفينة على الإطلاق تجتاز مياه القناة منذ حفرها وافتتاحها الأول عام 1869.
هندسة التطوير: تفريعات التمساح وبورسعيد وتوسيع المجرى المزدوج
تطوير تفريعات قناة السويس سمح بمرور مزدوج آمن وسلس لأضخم حاويات الشحن العالمية
مع تزايد حركة الملاحة العالمية، باشرت هيئة قناة السويس تنفيذ مشروعات هندسية عملاقة لتفادي الاختناقات الملاحية وتسيير الحركة في اتجاهين، وجاءت مشروعات التطوير الكبرى كالتالي:
1. تفريعة التمساح (1979)
شهد يوم 22 فبراير 1979 وضع ضربة الفأس الأولى لحفر "تفريعة التمساح" الكبرى. بدأت هذه التفريعة من الكيلومتر 76.6 إلى الكيلومتر 81.7، بطول إجمالي بلغ 5.1 كيلومتر. وتم افتتاحها رسمياً عام 1980، لتسهم وقتها، مع التفريعات الأخرى، في تحقيق ازدواج المجرى الملاحي في مسافة بلغت 68 كيلومتراً من إجمالي طول المجرى البالغ آنذاك 179 كيلومتراً من بورسعيد حتى بورتوفيق في السويس.
2. تفريعة بورسعيد الاستراتيجية (1980)
وفي 19 مارس 1980، احتفلت هيئة قناة السويس ومصر بأسرها بحدث هندسي ضخم، وهو اتصال "تفريعة بورسعيد الجديدة" بمياه البحر الأبيض المتوسط مباشرة. بدأت هذه التفريعة الهامة من الكيلومتر 17 لتلتقي بالمجرى القديم للقناة عند بوغاز بورسعيد عند الكيلومتر 95، ممتدة حتى الكيلومتر 195 ليزيد طولها النهائي عن 36.5 كيلومتر.
كان الهدف الاستراتيجي من هذه التفريعة العبقرية هو تسهيل دخول وخروج السفن والناقلات العملاقة مباشرة من وإلى القناة، دون إعاقة حركة الملاحة أو التسبب في تكدس وتوقف حركة السفن داخل ميناء بورسعيد التجاري العتيق.
خاتمة: إن إعادة افتتاح القناة وتطويرها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم يكن مجرد نجاح ملاحي، بل كان تأكيداً متجدداً على أن قناة السويس ستبقى دائماً رمزاً للسيادة المصرية، وشرياناً للسلام الدولي تصنعه وتبنيه عقول وسواعد هذا الشعب الأبي. (صيغت المادة بالاعتماد على التوثيقات التاريخية للمهندس سمير حمدي وأرشيف هيئة قناة السويس).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق