Breaking

16 مايو 2026

فهيم أفندي في لن أعيش في جلباب أبي: عبادة الدفاتر والأمان الزائف

مأساة فهيم أفندي: عندما يصبح "العلم والشهادة" ترساً في خدمة الرأسمالية الأمية

فهيم أفندي فاروق الرشيدي

إذا كان مرسي يمثل ضلع الحقد، فإن فهيم أفندي (الذي جسده العبقري الراحل فاروق الرشيدي) في مسلسل لن أعيش في جلباب أبي يمثل الضلع الأكثر إيلاماً وعبثية في كلاسيكيات الدراما العربية. إنه النموذج الصارخ لـ "الموظف المطحون" الذي يمتلك كل مقومات القيادة والإدارة، لكنه يختار طواعية أن يسجن عبقريته داخل برواز الأمان الوظيفي الزائف.

1. عبقرية "الأقلام الملونة" وجاهزية العبد المطيع

لم يكن وضع فهيم أفندي لمجموعة من الأقلام بمختلف الألوان في جيب قميصه أمراً عشوائياً، بل كان إسقاطاً بصرياً مذهلاً على عقلية البيروقراطي الجاهز دوماً لتنفيذ الأوامر بدقة متناهية. يفهم الحسابات، يحل المعضلات القانونية، يقرأ العقود التي يعجز عنها كبار تجار وكالة البلح الأميين، ومع ذلك، تظل أقصى طموحاته هي أن يرضى عنه "المعلم"، وأن يظل جيب قميصه ممتلئاً بأدوات الكتابة ليوثق ثروات الآخرين.

2. المفارقة العبثية: يكتب الملايين بالقلم الأزرق ويموت فقيراً

تتجلى العبثية السيكولوجية في حياة فهيم أفندي في تلك اللحظات التي يجلس فيها ليدير إمبراطورية المعلم عبد الغفور البرعي. يرى الملايين تتدفق، الأرباح تتضاعف، والعمارات ترتفع، وهو المحرك الأساسي لكل هذه العمليات الإدارية والقانونية. لكنه في نهاية اليوم، يعود إلى بيته بمرتبه الثابت المحدود. لم يفكر فهيم يوماً في الاستقلال؛ لقد أصيب بـ "فوبيا المخاطرة"، واشترى "الركن الآمن" مقابل التنازل عن حقه في الثراء، لدرجة أن فكرة شراء "بدلة جديدة" كانت تمثل له حدثاً استثنائياً قد يموت من الفرحة لأجله.

3. التفاني المفرط والذوبان في حياة "السيّد"

تجاوز فهيم أفندي دور المحاسب ليتغول في الحياة الشخصية لعائلة البرعي؛ يتابع بناء العمارات، يشتري أثاث "سنية"، يغير الكوالين بعد الطلاق، ويقدم للأبناء في المدارس. هذا التفاني ليس مجرد إخلاص، بل هو "آلية دفاع نفسية" تجعله يشعر بأهميته ووجوده من خلال ذوبانه في كيان أقوى منه. والمفارقة المريرة أنه في فرح "سنية"، لم يكن يملك حتى ثمن "النُقوط" ليجامل به، واضطر عبد الغفور لإعطائه المال سراً ليحفظ كرامته أمام الناس.

4. الموت داخل الدفتر: النهاية الحتمية لترس الوكالة

لم يمنح السيناريو فهيم أفندي نهاية على سرير مريح، بل مات حرفياً وهو يمسك الدفتر والقلم داخل الوكالة. مات الترس وهو يدور في طاحونة الرأسمالية. العبثية الأعمق تجلت في مشهد جنازته، حيث تكفل عبد الغفور بمصاريف دفنه؛ وهي المفارقة التي تلخص رحلته بالكامل: عاش يخدم ثروة المعلم، ومات ليدفنه المعلم على نفقته الخاصة، وكأن وجوده كله كان مرهوناً بظلال عبد الغفور البرعي.

"فهيم أفندي هو صرخة صامتة في وجه كل صاحب شهادة وعلم، رضي أن يكون مجرد قلم يكتب ثروات الآخرين خوفاً من غدر الأيام."

ختاماً، يظل فهيم أفندي الشخصية الأكثر عمقاً وجفافاً في آن واحد؛ فهو يثبت أن العلم بلا جرأة ومخاطرة يتحول إلى مجرد أداة لخدمة الآخرين، وأن الدفاتر التي قضى عمره في تنظيمها، سحقت اسمه وطموحه في النهاية ولم تذكر سوى اسم صاحب رأس المال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق