يُعتبر الفنان محمد عبد المنعم رخا الأب الشرعي لفن الكاريكاتير العربي والمصري. لم يكن مجرد رسام، بل كان ثائراً بريشته، استطاع تمصير هذا الفن وتطويره ليتفوق في روحه وشكله على النماذج الغربية، جاعلاً من الخطوط البسيطة لغة يفهمها الأمي والمتعلم على حد سواء.
النشأة والتعليم: تحدي العائلة من أجل الفن
وُلد محمد عبد المنعم رخا في 7 ديسمبر 1911. ورغم إتمامه الدراسة الابتدائية عام 1921 وتطلعه للالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة، إلا أن معارضة أسرته دفعته للالتحاق بالمدرسة الخديوية الثانوية. لكن شغفه لم ينطفئ، فكان يواظب على حضور الفصول المسائية للفنان الإيطالي الشهير "ليوناردو دافنشي"، حيث صقل موهبته وحصل على شهادتها عام 1927.
البدايات الصحفية ومعركة "أشمعنه"
ظهر أول رسم كارتوني لرخا في مجلة "الفنان"، لكنها توقفت سريعاً. تنقلت رسوماته بين مجلات "النقيض"، "روزاليوسف"، و"الستار". وبسبب إيمانه الشديد برسالته، باع قطعة أرض يمتلكها ليصدر مجلته الخاصة "أشمعنه"، إلا أن يد الرقابة منعتها بعد أربعة أعداد فقط.
ضريبة الكلمة: رخا خلف القضبان
في عام 1933، دفع رخا ثمن جرأته السياسية، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة "العيب في الذات الملكية" بسبب رسومه الساخرة من الملك. وبعد خروجه، لم يتراجع، بل انطلق بقوة أكبر لينشر رسومه في كبرى الصحف والمجلات المصرية.
العصر الذهبي وابتكار الشخصيات الخالدة
تُعد فترة الثلاثينيات والأربعينيات ذروة تألق رخا، حيث كانت رسومه تتصدر الصفحة الأولى يومياً في جريدة "المصري". تميز رخا بقدرته المذهلة على ابتكار شخصيات كاريكاتورية تعبر عن أنماط المجتمع المصري، وظلت هذه الشخصيات فاعلة في الأحداث السياسية والاجتماعية لأكثر من 60 عاماً.
أبرز الشخصيات التي أبدعها رخا:
- بنت البلد وابن البلد: تعبيراً عن الشهامة والأصالة المصرية.
- رفيعة هانم وقصبي أفندي: ثنائي يعكس المفارقات الاجتماعية.
- ميمي بيه وقرفان أفندي: نماذج للطبقات المتباينة.
- غني حرب، سكران باشا طينة، وحمار أفندي.
الفلسفة الساخرة في مؤلفات رخا
لم يكتفِ رخا بالرسم، بل وثق فلسفته في كتابين هامين:
1. الأعمال الشعرية لرسومات رخا: حيث مزج بين الكلمة والخط.
2. صور فكاهية: وفيه شرح أن الكاريكاتير ليس مجرد "ضحك"، بل هو مرآة حزينة تعكس مشكلات المجتمع العميقة.
التكريم والتقدير الرسمي
تقديراً لدوره الرائد، أسس رخا وترأس الجمعية المصرية لرسامي الكاريكاتير عام 1984. وحصل خلال مسيرته على أرفع الأوسمة:
- وسام الاستحقاق (1976).
- وسام الجمهورية (1981).
- جائزة الدولة التقديرية في الفنون.
- جائزة "مصطفى أمين" عن دوره الرائد وهو في سن الـ 75.
الرحيل
توفي الفنان الكبير محمد رخا في 18 أبريل 1989 عن عمر يناهز 78 عاماً، تاركاً خلفه مدرسة فنية تخرج منها أجيال، وريشة ستظل رمزاً للحرية والذكاء المصري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق