وعد بلفور 1917: الخنجر المسموم الذي غُرس في قلب فلسطين
خريطة فلسطين التاريخية قبل وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو
في صفحات التاريخ البشري، نادراً ما نجد وثيقة لا تتجاوز كلماتها بضعة أسطر، لكنها تحمل في طياتها دماراً لشعب بأكمله وتغييراً جذرياً لخرائط العالم. هكذا كان "وعد بلفور" عام 1917، تلك الرسالة المشؤومة التي صدرت من أروقة الإمبراطورية البريطانية، لتجسد أبشع صور الاستعمار السياسي، حيث تجلت المقولة التاريخية الخالدة: "أعطى من لا يملك، وعداً لمن لا يستحق، في غياب صاحب الحق الأصلي".
لفهم الجذور العميقة لهذه المأساة، يجب ألا ننظر إلى الوعد كحدث وليد اللحظة، بل كحلقة أخيرة في سلسلة طويلة من المؤامرات السياسية والمصالح المتقاطعة بين القوى الاستعمارية الكبرى والحركة الصهيونية الناشئة.
المسألة اليهودية في أوروبا: البحث عن كبش فداء خارج الحدود
عانت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر من أزمات سياسية واجتماعية عميقة، وبرزت ما سُمي بـ "المسألة اليهودية" كعقدة سعت الحكومات الأوروبية للتخلص منها. لقد أدرك كبار الساسة في أوروبا أن تنامي النفوذ المالي والسياسي لبعض الجماعات اليهودية، وقدرتهم على توظيف المال والشبكات الاجتماعية، بات يشكل تحدياً لهويتهم القومية واستقرارهم الاجتماعي.
بدلاً من دمجهم أو حل المشكلة داخلياً، تفتقت الأذهان الاستعمارية عن حل خبيث: التخلص من هذا الثقل الديموغرافي والسياسي عبر توجيهه إلى خارج القارة الأوروبية. ومن هنا، التقت رغبة الساسة الأوروبيين في إبعاد اليهود، مع طموحات النخب الصهيونية في إقامة كيان مستقل يجمع شتاتهم، لتبدأ رحلة البحث عن "وطن بديل".
ثيودور هرتزل وولادة المشروع الصهيوني
اِعتُمد "برنامج بازل" في المؤتمر الصهيونيّ الأول عام 1897. وينص السطر الأول على ما يلي: "تسعى الصهيونيّة لتأسيس وطن للشعب اليهوديّ في فلسطين مضمون تحت القانون العام".
في عام 1896، أطلق الصحفي اليهودي الهنغاري ثيودور هرتزل شرارة الحركة الصهيونية السياسية بنشره كتاب "دولة اليهود". طرح هرتزل في كتابه أسباب ما أسماه "اللاسامية" في أوروبا، مقدماً علاجاً وحيداً من وجهة نظره: إقامة وطن قومي لليهود.
بدأ هرتزل تحركاته الدبلوماسية المكثفة؛ فاتصل بإمبراطور ألمانيا "وليام الثاني" ونجح في الحصول على دعمه المبدئي، ثم توجه شطر الدولة العثمانية محاولاً إغراء السلطان "عبد الحميد الثاني" بالمال لتوطين اليهود في فلسطين، إلا أن محاولاته اصطدمت بصخرة الرفض العثماني القاطع. وحتى محاولاته لجمع التبرعات الضخمة من أثرياء اليهود في تلك الفترة باءت بالفشل.
لم ييأس هرتزل، وفي عام 1897، نظم المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا، بحضور 200 مفوض. هناك، تمت صياغة "برنامج بازل" الذي أصبح الدستور السياسي للحركة الصهيونية، والذي حدد الهدف بوضوح: "إقامة وطن للشعب اليهودي بالقانون العام". كما أسس المؤتمر "اللجنة الدائمة" مفوضاً إياها بإنشاء فروع للحركة في مختلف أنحاء العالم.
من أوغندا إلى فلسطين: انقسام الحركة الصهيونية
عندما فشلت الدبلوماسية الصهيونية مع السلطان العثماني، وجه هرتزل بوصلته نحو الإمبراطورية البريطانية. استجابت بريطانيا في البداية بعرض براغماتي: تقديم دعم مالي وسياسي لإقامة مستعمرة يهودية في شرق إفريقيا، وتحديداً في "أوغندا".
أحدث هذا العرض زلزالاً داخل الحركة الصهيونية؛ فانشقت الصفوف بين مؤيد ومعارض. اتهم الصهاينة الروس هرتزل بالخيانة العظمى لتخليه عن "أرض الميعاد" المزعومة. ورغم محاولاته لتسوية الخلاف، توفي هرتزل قبل أن يرى نهاية الصراع. وفي المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905، رُفض مشروع أوغندا نهائياً، وانشقت مجموعة بقيادة "إسرائيل زانجويل" لتشكل "المنظمة الإقليمية اليهودية" للبحث عن أي مكان مناسب، بينما أصر التيار الرئيسي على فلسطين.
آرثر بلفور: عرّاب الخراب والوعد المشؤوم
مذكرة مجلس الوزراء في عهد هربرت صموئيل، تحت عنوان "مستقبل فلسطين" نُشرت في أوراق مجلس الوزراء البريطانيّ في حوالي 15 يناير 1915
إذا أردنا أن نفهم سر تعاطف وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور مع الحركة الصهيونية، يجب أن نغوص في تكوينه الفكري والسياسي. لم يكن بلفور مجرد سياسي في إمبراطورية اعتادت سرقة الأراضي ونهب الثروات، بل كان رجلاً مشبعاً بالثقافة التوراتية (العهد القديم) التي درسها في مراحله التعليمية الأولى، قبل أن يكمل دراسته في كلية إيتون وجامعة كامبريدج.
تدرج بلفور في المناصب السياسية؛ فانتخب للبرلمان عام 1874، ثم أصبح وزيراً لاسكتلندا (1887)، فرئيساً لشؤون أيرلندا (حتى 1891)، ثم رئيساً للخزانة (1895)، وصولاً إلى منصب رئيس وزراء بريطانيا عام 1902.
المفارقة العجيبة أن بلفور كان من أشد المعارضين للهجرة اليهودية من شرق أوروبا إلى بريطانيا، خوفاً من تأثيرهم على المجتمع البريطاني. كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن الحل الأمثل هو استغلال هذه الكتلة البشرية لدعم المصالح الاستعمارية البريطانية خارج أوروبا. هذا التوجه التقى تماماً مع طموحات الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان، الذي التقاه بلفور عام 1906 وأعجب بذكائه وقدرته على الإقناع، خاصة عندما أكد وايزمان قدرة اليهود على التأثير في السياسة الخارجية الدولية، وتحديداً توجيه القرار الأمريكي لصالح بريطانيا في الحرب العالمية.
الثاني من نوفمبر 1917: يوم أسود في تاريخ البشرية
وعد بلفور، كما كان موجوداً في الرسالة الأصليّة التي أرسلها آرثر بلفور إلى والتر روتشيلد
تتويجاً لهذه التفاهمات السرية، والمصالح الاستعمارية المتبادلة، أصدرت بريطانيا في الثاني من نوفمبر عام 1917 وعدها المشؤوم. وجه آرثر بلفور، بصفته وزيراً للخارجية، رسالة رسمية إلى اللورد اليهودي "روتشيلد"، يعلن فيها التزام الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بتمزيق أرض فلسطين، الممتدة من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً، ومن البحر الميت شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، لتسليمها للحركة الصهيونية.
النص الحرفي لوعد بلفور المشؤوم
وزارة الخارجية
عزيزي اللورد روتشيلد،
يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عُرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جلياً أنه لن يُؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".
وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.
المخلص
آرثر جيمس بلفور
تداعيات الوعد: جرح ينزف حتى اليوم
لم يزر بلفور فلسطين إلا مرة واحدة عام 1925 لافتتاح "الجامعة العبرية"، بعد أن كانت بريطانيا قد أسست لانتدابها الغاشم الذي فتح أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها، وحول أرض السلام إلى ساحة لحروب العصابات الصهيونية والاغتيالات والتهجير القسري.
رحل بلفور عن عالمنا عام 1930 عن عمر يناهز 82 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً من الدماء والدمار. لقد أضاع بجرّة قلم شعباً بأكمله، ودمر أرضاً طاهرة، محولاً إياها إلى بؤرة صراع مستدام. وفي عام 1947، تُوج هذا المخطط بقرار التقسيم، ثم إعلان قيام دولة إسرائيل، ليبدأ مسلسل التزييف التاريخي، والقتل الممنهج، وسرقة التراث، كل ذلك تحت أنظار مجتمع دولي ومنظمات أممية تقف موقف المتفرج، بل والداعم غير المباشر، لكيان لا يتجاوز تعداده بضعة ملايين، ولكنه يتحكم في مفاصل السياسة العالمية.
إن قراءة وعد بلفور اليوم ليست مجرد استدعاء لحدث تاريخي مضى، بل هي تذكير دائم بأن الحقوق لا تُستوهب من المستعمر، وأن الأوطان لا تُباع في صفقات الغرف المغلقة، وأن الذاكرة الفلسطينية والعربية ستظل حية، تقاوم النسيان، وتفضح زيف الوعود الاستعمارية جيلاً بعد جيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق