Breaking

17 يوليو 2011

اتفاقية سايكس بيكو 1916: القصة الكاملة لتقسيم الشرق الأوسط

اتفاقية سايكس بيكو 1916: الخنجر السري الذي رسم خرائط الشرق الأوسط

خريطة التقسيم
خريطة التقسيم

في أروقة السياسة المظلمة، وبعيداً عن صخب المعارك التي كانت تطحن أوروبا والشرق خلال الحرب العالمية الأولى، كانت هناك خرائط تُفرد على طاولات سرية، وأقلام ترسم خطوطاً ستغير وجه التاريخ العربي إلى الأبد. لم تكن اتفاقية سايكس بيكو، التي أُبرمت في الفترة ما بين أبريل ومايو من عام 1916، مجرد معاهدة سياسية عابرة، بل كانت بمثابة صك ملكية تقاسمت بموجبه القوى الاستعمارية الكبرى تركة "الرجل المريض"، الإمبراطورية العثمانية المتهاوية.

هذا التفاهم السري بين بريطانيا وفرنسا، والذي حظي بمباركة ورعاية الإمبراطورية الروسية القيصرية، لم يكتفِ بإعادة رسم حدود أقاليم ودول شبه الجزيرة العربية والشرق الأدنى، بل زرع بذور صراعات ممتدة لا نزال نحصد أشواكها حتى يومنا هذا.

كواليس المؤامرة: كيف بدأت الحكاية؟

أهم المفاوضين: الصف العلوي: مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو؛ الصف السفلي: بول كامبون وإدوارد غراي
أهم المفاوضين: الصف العلوي: مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو؛ الصف السفلي: بول كامبون وإدوارد غراي (الذين وقعوا الاتفاقية بالتوالي عن فرنسا وبريطانيا)

بينما كانت المدافع تدوي في جبهات القتال عام 1915، كانت العقول الاستعمارية تفكر في الغنائم. في نوفمبر من ذلك العام، انتدبت الحكومة الفرنسية قنصلها العام السابق في بيروت، "فرانسوا جورج بيكو"، كمندوب سامٍ لمتابعة شؤون الشرق الأدنى. كانت مهمته واضحة: مفاوضة الحكومة البريطانية حول مستقبل البلاد العربية التي سيتم انتزاعها من القبضة العثمانية.

محضر لأول جلسة مفاوضات في 23 نوفمبر 1915
محضر لأول جلسة مفاوضات في 23 نوفمبر 1915، حيث حدد الجانبان مواقفهما الأولية.

سافر بيكو إلى القاهرة، وهناك التقى بنظيره البريطاني، السير "مارك سايكس"، المندوب السامي لشؤون الشرق الأدنى. في تلك الغرف المغلقة، وبإشراف ومصادقة من مندوب القيصرية الروسية، تبلورت الملامح الأولى لما عُرف بـ "اتفاقية القاهرة السرية". لم يكتفِ المجتمعون بذلك، بل انتقلوا لاحقاً إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية لاستكمال وضع اللمسات النهائية على الاتفاقية، والتي أسفرت عن معاهدة ثلاثية حددت بدقة متناهية مناطق نفوذ كل إمبراطورية.

خريطة النفوذ: حصص الكبار من الكعكة العربية

توزيع المناطق على روسيا وبريطانيا وفرنسا
توزيع المناطق على روسيا وبريطانيا وفرنسا

أسفرت المفاوضات عن تقسيم دقيق ومجحف للأراضي العربية، حيث تم توزيع الحصص وفقاً للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدول الثلاث، وجاء التقسيم على النحو التالي:

  • الحصة الفرنسية: الاستيلاء المباشر على غرب سوريا، ولبنان، وولاية أطنة (أضنة).
  • الحصة البريطانية: السيطرة على منطقة جنوب ووسط العراق، بما في ذلك مدينة بغداد، بالإضافة إلى الاستحواذ الاستراتيجي على مينائي عكا وحيفا في فلسطين لتأمين منفذ على البحر المتوسط.
  • الحصة الروسية: الاستيلاء على الولايات الأرمينية في تركيا وشمال كردستان، مع الإقرار بحقها الرسمي في الدفاع عن مصالح الأرثوذكس في الأماكن المقدسة داخل فلسطين.
المساحة المخصصة لروسيا حسب اتفاقية القسطنطينية في 18 مارس 1915
المساحة المخصصة لروسيا حسب اتفاقية القسطنطينية في 18 مارس 1915
المساحة المخصصة لإيطاليا حسب اتفاقية لندن في 26 أبريل 1915
المساحة المخصصة لإيطاليا حسب اتفاقية لندن في 26 أبريل 1915

أما المنطقة المحصورة بين مناطق النفوذ الفرنسية والبريطانية، فقد تقرر أن تُشكل "اتحاد دول عربية" أو دولة عربية مستقلة، ولكنها استقلال شكلي؛ حيث قُسمت هذه الدولة المفترضة إلى منطقتي نفوذ: منطقة نفوذ فرنسي (شرق سوريا وولاية الموصل)، ومنطقة نفوذ بريطاني (شرق الأردن والجزء الشمالي من بغداد امتداداً إلى الحدود الإيرانية).

فلسطين في قلب العاصفة: التمهيد لوعد بلفور

خريطة الاتفاقية التي وقعها بلفور في أغسطس 1917
خريطة الاتفاقية التي وقعها بلفور في أغسطس 1917

عند التدقيق في بنود الاتفاقية، نلاحظ جلياً أن فلسطين قد تم تجنيبها كمساحة خاضعة لـ "إدارة دولية". هذا الاستثناء لم يكن صدفة، بل يؤكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الاتفاقية، وما تلاها من "وعد بلفور" المشؤوم عام 1917، جاءت نتيجة ضغط صهيوني مكثف على الكيانات الاستعمارية.

كان الهدف واضحاً: تصفية وتجهيز فلسطين عامة، والقدس خاصة، لتكون المركز المستقبلي لإنشاء دولة إسرائيل. هذا المخطط المبكر هو ذاته الذي يتقاطع مع الرؤى الاستشراقية اللاحقة، كمخطط المستشرق اليهودي "برنارد لويس"، الذي وضع تصورات لإعادة تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة وممزقة، بهدف تعزيز وجود إسرائيل كدولة قوية ومهيمنة في محيط ضعيف.

الخديعة الكبرى: الثورة العربية في مهب الريح

خريطة الحكومة البريطانية 1918: توضح خريطة المفاوضات الإقليمية بين حكومة صاحب الجلالة والشريف حسين.
خريطة الحكومة البريطانية 1918: توضح خريطة المفاوضات الإقليمية بين حكومة صاحب الجلالة والشريف حسين.

في الوقت الذي كانت فيه أقلام "سايكس" و"بيكو" ترسم حدود التجزئة في الغرف المظلمة، كانت المراسلات تجري على قدم وساق بين المندوب السامي البريطاني في مصر "هنري مكماهون" والشريف "حسين بن علي" في مكة. لقد أوهمت بريطانيا العرب بأن وقوفهم إلى جانب الحلفاء وإعلانهم الثورة ضد الإمبراطورية العثمانية سيُتوج بإعلان دولة عربية كبرى ومستقلة تشمل المشرق العربي بأسره.

اندلعت الثورة العربية الكبرى عام 1916، وبذل العرب دماءهم في معارك ضارية ظناً منهم أنهم يمهدون الطريق لفجر جديد من الحرية والاستقلال. لكن الحقيقة المرة كانت تقبع في أدراج الدبلوماسية السرية؛ فلم تكن بريطانيا ترى في العرب سوى أداة عسكرية مؤقتة لإنهاك الجيش العثماني، بينما كانت الأراضي التي وُعدوا بها قد قُسمت بالفعل كغنائم حرب بين لندن وباريس.

انكشاف السر: الثورة البلشفية تفضح المستور

الاتفاقية التي صادق عليها الحلفاء، ولكنها احتاجت لموافقة روسيا في أغسطس 1917
الاتفاقية التي صادق عليها الحلفاء، ولكنها احتاجت لموافقة روسيا (لم يتحقق ذلك أبدًا) في أغسطس 1917

لم تُكشف هذه الاتفاقية السرية الدنيئة إلا بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، حيث قام البلاشفة بفتح الأرشيف القيصري السري ونشروا وثائق المعاهدة، ليعرف العرب حينها حجم المؤامرة، وكيف كان الغرب يخطط لتمزيقهم وتوزيع أراضيهم كغنائم حرب.

النص الحرفي لبنود اتفاقية سايكس بيكو

لفهم العقلية الاستعمارية التي صاغت هذا التقسيم، من الضروري قراءة البنود الأصلية للاتفاقية، والتي تكشف كيف تم التعامل مع الشعوب والأوطان كمجرد أرقام ومناطق ملونة على الخريطة:

المادة الأولى: إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا أي دولة عربية مستقلة أو حلف دول عربية مستقلة تحت رئاسة رئيس عربي في المنطقتين (أ) (داخلية سوريا)، و(ب) (داخلية العراق) المبينتين بالخريطة الملحقة. ويكون لفرنسا في منطقة (أ) ولإنجلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (أ) وإنجلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناءً على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثانية: يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (سوريا الساحلية) ولإنجلترا في المنطقة الحمراء (العراق الساحلي من بغداد حتى الخليج الفارسي) إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثالثة: تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين) يُعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

المادة الرابعة: تنال إنجلترا ما يأتي: 1- ميناء حيفا وعكا. 2- يُضمن مقدار محدود من مياه دجلة والفرات في المنطقة (أ) للمنطقة (ب)، وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بأن لا تدخل في مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدماً.

المادة الخامسة: تكون إسكندرونة ميناءً حراً لتجارة الإمبراطورية البريطانية، ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا تُرفض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية. وتباح حرية التنقل للبضائع الإنجليزية عن طريق إسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء... وتكون حيفا ميناءً حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها، ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يُرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية.

المادة السادسة: لا تُمَد سكة حديد بغداد في المنطقة (أ) إلى ما بعد الموصل جنوباً، ولا في المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالاً، إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد بحلب ماراً بوادي الفرات، ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين.

المادة السابعة: يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيدة لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط.

المادة الثامنة: تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء والمنطقتين (أ) و(ب)، فلا تضاف أي علاوة على الرسوم ولا تُبدل قاعدة التثمين... ولا تنشأ جمارك داخلية بين أي منطقة وأخرى.

المادة التاسعة: من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجري مفاوضة في أي وقت كان للتنازل عن حقوقها، ولا تعطي ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى إلا للدولة أو حلف الدول العربية، دون أن توافق على ذلك سلفاً حكومة جلالة الملك التي تتعهد للحكومة الفرنسية بمثل هذا فيما يتعلق بالمنطقة الحمراء.

المادة العاشرة: تتفق الحكومتان الإنجليزية والفرنسية بصفتهما حاميتين للدولة العربية على ألا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية في الجزر على ساحل البحر الأبيض الشرقي.

المادة الحادية عشرة: تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق المناسبة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدولة العربية.

المادة الثانية عشرة: من المتفق عليه عدا ما ذُكر أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى البلاد العربية.

الخاتمة: جرح غائر في ذاكرة الشرق

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو مجرد حبر على ورق، بل كانت المشرط الذي مزق الجسد العربي، وخلق حدوداً اصطناعية فرقت بين الأخ وأخيه، وأسست لعقود من التبعية والصراع. إن قراءة هذه البنود اليوم، في ظل ما يشهده الشرق الأوسط من أزمات وتوترات مستمرة، تؤكد لنا أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو واقع نعيشه، وأن الخرائط التي رُسمت في غفلة من الزمن لا تزال تحكم مصائر شعوب بأكملها.

*المصدر الأساسي للنصوص التاريخية: ويكيبيديا (برخصة المشاع الإبداعي ورخصة جنو للوثائق الحرة)، مع المعالجة والتحليل التاريخي العميق لمدونة حوليات روائي مصري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق