قرار تقسيم فلسطين 1947: الخنجر الأممي الذي شطر خريطة الشرق
ملخص وثيقة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 (II) الصادر في 29 نوفمبر 1947.
لم يكن يوم التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 يوماً عادياً في الذاكرة العربية، بل كان يوماً كُتبت فيه شهادة ميلاد مأساة ممتدة، ولحظة فارقة رُفعت فيها الأيدي في أروقة الأمم المتحدة لتشرعن اغتصاب وطن بأكمله. في ذلك اليوم، صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، والذي عُرف تاريخياً باسم "خطة تقسيم فلسطين".
قضى هذا القرار بإنهاء الانتداب البريطاني الغاشم على فلسطين، وتقسيم ترابها التاريخي إلى ثلاثة كيانات منفصلة: تأسيس دولة عربية، ودولة يهودية، مع وضع مدينتي القدس وبيت لحم تحت وصاية دولية خاصة. كان هذا القرار الأممي يمثل أول محاولة دولية رسمية لحل النزاع العربي-الصهيوني، ولكنه في جوهره كان تقنيناً لسرقة الأرض وتتويجاً لمساعي الحركة الصهيونية.
جذور الغضب: الثورة الفلسطينية الكبرى (1935 - 1939)
لفهم كيف وصلنا إلى قرار التقسيم، يجب أن نعود بالزمن قليلاً إلى الوراء. في أواخر عام 1935، كانت الأجواء السياسية في فلسطين تغلي كالمرجل. كانت الدول العربية المجاورة، مثل مصر وسوريا ولبنان، تخطو خطواتها نحو الاستقلال عبر معاهدات مع القوى الاستعمارية، بينما كان الشعب الفلسطيني يرى وطنه يُسرق قطعة قطعة تحت بصر وحماية الانتداب البريطاني الذي فتح أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها.
أدرك الفلسطينيون أن الهدف الصهيوني ليس مجرد لجوء، بل هو اقتلاع وإحلال. فاندلعت شرارة الغضب الشعبي، وتوحدت الأحزاب الفلسطينية تحت قيادة "الحاج أمين الحسيني"، لتبدأ مرحلة من الإضرابات الشاملة والمظاهرات العارمة التي تطورت إلى كفاح مسلح. وقد تبلورت مطالب هذه الثورة المجيدة في ثلاث نقاط أساسية:
- الإيقاف الفوري والكامل للهجرة اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية.
- منع انتقال ملكية الأراضي العربية إلى أيدي المؤسسات والأفراد اليهود.
- تأسيس حكومة وطنية فلسطينية تكون مسؤولة أمام مجلس نيابي مُنتخب يمثل الأغلبية الشرعية.
حاولت بريطانيا في البداية امتصاص هذا الغضب بوعود سياسية كاذبة، لكن الثوار أدركوا الخديعة، فصعّدوا من عملياتهم الفدائية. وسجل التاريخ ملاحم بطولية، حيث تمكن الثوار من تحرير البلدة القديمة في القدس بعد معارك شرسة، وانضم إليهم أحرار من سوريا والأردن والعراق، وبرزت أسماء خالدة مثل الشيخ عز الدين القسام، وسعيد العاص، وسعيد الأشمر.
أمام هذه المقاومة الباسلة، لجأت بريطانيا إلى الخبث السياسي؛ فضغطت على الأنظمة العربية للتدخل وتهدئة الفلسطينيين حقناً للدماء، وأرسلت "لجنة بيل" الملكية لتقصي الحقائق. ورغم ذلك، استمرت الثورة تكبد البريطانيين والعصابات الصهيونية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد حتى عام 1939، عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية.
الأمم المتحدة تتدخل: خريطة تُقسم بالمسطرة والقلم
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس هيئة الأمم المتحدة كبديل لعصبة الأمم، أعلنت بريطانيا عجزها عن حل "المسألة الفلسطينية" وأحالت الملف المعقد إلى الأمم المتحدة. شُكلت لجنة دولية خاصة (UNSCOP) ضمت دولاً غير دائمة العضوية لضمان "الحياد المزعوم". وبعد جولات من التقصي، انقسمت اللجنة وخرجت باقتراحين:
- الحل الأول (مشروع الأغلبية): تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين (عربية ويهودية) مع تدويل القدس.
- الحل الثاني (مشروع الأقلية): تأسيس كيان فيدرالي واحد يضم دولتين تتمتعان بحكم ذاتي.
مالت الكفة الاستعمارية نحو الحل الأول. ورغم أن اليهود كانوا يمتلكون أقل من 6% من مساحة فلسطين التاريخية، إلا أن مشروع التقسيم الجائر منح "الدولة اليهودية" المقترحة حوالي 55% من إجمالي مساحة فلسطين، تاركاً لأصحاب الأرض الأصليين الفتات.
29 نوفمبر 1947: يوم التصويت المشؤوم
تصويت الأمم المتحدة على قرار التقسيم عام 1947: (الأخضر: مع)، (البني: ضد)، (الأصفر: امتنع عن التصويت)، (الأحمر: غائب).
في قاعة الجمعية العامة، وتحت ضغوط سياسية ومالية هائلة مارستها الولايات المتحدة والحركة الصهيونية، جرى التصويت التاريخي الذي أسفر عن النتائج التالية:
- 33 دولة وافقت على القرار: (أستراليا، بلجيكا، بوليفيا، البرازيل، بيلاروسيا، كندا، كوستاريكا، تشيكوسلوفاكيا، الدنمارك، الدومينيكان، الإكوادور، فرنسا، غواتيمالا، هايتي، أيسلندا، ليبيريا، لوكسمبورغ، هولندا، نيوزيلندا، نيكاراغوا، النرويج، بنما، باراغواي، بيرو، الفلبين، بولندا، السويد، أوكرانيا، جنوب أفريقيا، الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة الأمريكية، الأوروغواي، فنزويلا).
- 13 دولة رفضت القرار: (أفغانستان، كوبا، مصر، اليونان، الهند، إيران، العراق، لبنان، باكستان، السعودية، سوريا، تركيا، اليمن).
- 10 دول امتنعت عن التصويت: (الأرجنتين، تشيلي، الصين، كولومبيا، السلفادور، إثيوبيا، هندوراس، المكسيك، المملكة المتحدة، يوغوسلافيا).
- دولة واحدة غابت عن الجلسة: (تايلاند).
بمجرد إعلان النتيجة، انسحب المندوبون العرب من القاعة في مشهد درامي، وأصدروا بياناً جماعياً يعلنون فيه رفضهم القاطع واستنكارهم لهذا القرار الذي يفتقر إلى أبسط قواعد العدالة وحق تقرير المصير.
تداعيات القرار: الطريق إلى نكبة 1948
علم فلسطين: رمز الصمود والبقاء في وجه محاولات المحو والإلغاء.
لم يقف العرب مكتوفي الأيدي، فحاولت جامعة الدول العربية تشكيل قوة عسكرية سُميت بـ "جيش الإنقاذ"، إلا أن الفكرة أُجهضت فعلياً بسبب التهديدات البريطانية وضعف التنسيق. وفي الوقت الذي سافر فيه المفتي أمين الحسيني إلى مصر مستنجداً بالجامعة العربية دون جدوى، تُرك القائد البطل عبد القادر الحسيني يواجه مصيره وحيداً مع رجاله المخلصين.
على الجانب الآخر، استغلت الحركة الصهيونية الدعم الأمريكي والبريطاني لتسليح عصاباتها (الهاغانا، والإرغون، وشتيرن) بأحدث الأسلحة، مكونين جيشاً نظامياً قوامه 70 ألف مقاتل، بدأ فوراً في تنفيذ مجازر وحشية لتطهير القرى العربية عرقياً.
تحت ضغط الشعوب العربية الغاضبة، اضطرت الحكومات في مصر، الأردن، سوريا، العراق، ولبنان إلى إرسال جيوشها لإنقاذ فلسطين عام 1948. ورغم البطولات الفردية والأداء الممتاز للجيوش العربية في بداية الحرب، حيث كبدوا الصهاينة خسائر فادحة، إلا أن التدخل الدولي لفرض "هدنة الأسابيع الأربعة" كان الفخ الذي قلب موازين القوى.
استغلت إسرائيل الهدنة لجلب طائرات وأسلحة ثقيلة، بينما التزمت الدول العربية بحظر السلاح. وعند استئناف القتال، وقعت النكبة. تراجعت الجيوش العربية، وحوصر الجيش المصري الباسل في "جيب الفالوجا" (وهي المعركة التي ارتبطت تاريخياً بقضية الأسلحة الفاسدة والخيانات السياسية في أروقة الحكم الملكي آنذاك).
الخاتمة: جرح الخريطة الذي لم يندمل
الحدود المحددة في خطة الأمم المتحدة للتقسيم 1947 مقارنة بخطوط الهدنة لعام 1949. (يظهر التوسع الإسرائيلي خارج حدود التقسيم).
انتهت حرب 1948 بتوقيع اتفاقيات الهدنة (الخط الأخضر)، واحتلت إسرائيل أراضي تفوق بكثير ما مُنح لها في قرار التقسيم، ليتم قبولها لاحقاً كعضو في الأمم المتحدة. لقد كان قرار 181 أكثر من مجرد حبر على ورق دولي؛ كان تشريعاً للظلم، وتأسيساً لمأساة إنسانية لا تزال فصولها الدامية تُكتب حتى يومنا هذا.
إن استرجاع هذه الصفحات من التاريخ ليس من قبيل البكاء على الأطلال، بل هو قراءة واعية لجذور الصراع. فالأمم المتحدة التي قسمت الأرض بالأمس، تقف اليوم عاجزة أمام آلة البطش التي تستكمل ما بدأته عصابات الهاغانا، ليبقى صمود الشعب الفلسطيني هو الحقيقة الوحيدة التي عجزت كل قرارات التقسيم عن محوها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق