Breaking

29 يوليو 2009

ليلة خسرها الشيطان: قصة قصيرة نادرة بقلم الرئيس أنور السادات

ليلة خسرها الشيطان: قصة قصيرة نادرة بقلم الرئيس أنور السادات

رؤيتي ومقدمة القصة

رغم أنني من مواليد قرية "ميت أبو الكوم"، وبلديات الرئيس المؤمن الراحل محمد أنور السادات (رحمه الله)، وتربيت على حبه بعد أن أثبت التاريخ عبقريته وذكاءه السياسي في إدارة شئون مصر. ورغم اعتراض البعض على جزء من توجهاته، إلا أن كل ما يحدث الآن يثبت أنه كان على حق، وأنه فعلاً قد سبق عصره ووعى المستقبل، وعمل واهتم وبذل حياته فداءً لمصر.

كان يتمتع بحس الفهم والنظر للمستقبل، وشملت مواهبه الكثير من القراءة، الكتابة الأدبية، العمل الصحفي، وتعلم اللغات الأجنبية. والأهم من كل ذلك، ذكاؤه السياسي الخارق وبصيرته في فهم الآخر، مع حفظه للقرآن الكريم وتسجيل آياته بصوته.

الرئيس الراحل محمد أنور السادات

ومن بين كل ذلك، قد علمت من أحد الأساتذة المثقفين بأن السادات قد ألف ونشر قصة قصيرة عام 1954م بجريدة "المصور"، يصور فيها لمحة من حياة القرية المصرية في عصر الفقر، ناقلاً لنا مشهداً سينمائياً تستطيع وأنت تقرأ القصة أن تتخيل بالضبط أحداثها وأركانها كما لو كنت أحد أطرافها.

ولكوني مهتماً بكتابة القصة القصيرة، فقد أعجبت كثيراً بهذه القصة التي أثبتت لي أنني أكتب في خط ولون له هدف ودور سيحسه من تربى وعاش داخل الحياة الريفية الجميلة التي أخرجت لنا العظماء. أترككم مع قصة "ليلة خسرها الشيطان" بقلم أنور السادات.


قصة: ليلة خسرها الشيطان

بقلم: أنور السادات

أخذ قرص الشمس يهبط رويداً رويداً، فتناثرت من تحته ظلال رمادية راحت تغمر سماء القرية "العابدية" معلنة غروباً جديداً. وهذه سنة الله... فلا بد أن يسير الكون مابين شروق وغروب، ونور وظلام، نحو النهاية التي أرادها له خالقه القادر القوى الرحمن.

وموكب الغروب في القرية مهرجان رائع يتكرر كل يوم. فبينما تزدحم الطرق الزراعية بجمع العائدين من كفاح اليوم الطويل في الأرض الطيبة، رجالاً وعدداً وماشية وأنعاماً.. نرى القرية وقد اكتست بدخان داكن يتعالى في هدوء السماء، فوجبة الطعام الرئيسية لا بد أن تكون في استقبال الرواد العائدين، شهية بقدر ما عانوا، وبقدر ما يسمح به دخل البيت ومهارة سيدته شريكة الكفاح.

وحالما ينتهي الزحام على الطرقات، يبدأ زحام من لون جديد على المساقي والطلمبات؛ فإن أحداً من هؤلاء الرواد لن يأوي إلى عشه من غير أن يطمئن إلى سقاية ماشيته وأنعامه.

وفي هذا اليوم، وقف (خضر) من خلف سور ذلك القصر الأنيق يرقب كعادته موكب السقاية من ذلك الحوض الكبير الذي أقامته سيدته صاحبة الأرض والجاه والثراء، وريثة ذلك القصر وربة ذلك الحسن الذي يصرخ من ضحكاتها الحلوة العابثة فتنة والتهاباً.

إن (خضراً) اليوم في دوامة تأخذ عليه عقله وقلبه وحسه وكل حياته.. فهو يذكر أول يوم عندما نزح إلى القرية لكي يعمل مع الأجراء من عمال الأرض، فالتقته (نورا) من بين عشرات النازحين، واختارته لكي يشرف على حديقتها الخاصة الملحقة بالقصر بأجر مغرٍ قدره خمسة جنيهات كاملة.

وهو يذكر أيضاً أنها لم تسأله عن سابق علمه بالعمل في الحدائق، وإنما سألته عن نفسه وسماته التي وصفتها بأنها تدل على النبل، وعن قوامه الذي أعجبها أيما إعجاب. ولما أن ارتدت عيناه خجلاً واحمر وجهه وأراد أن يجيب، لم يجد إلا تمتمة وهمهمة ردت عليها نورا بتلك الضحكة الحلوة العابثة وهى تربت على كتفيه وكأنما سعدت بذلك الخجل وتلك التمتمة.

وهو يذكر أيضاً أنها لم تكتفِ بذلك، وإنما أخذته من يده وقادته إلى الحجرة المخصصة له في طرف الحديقة، وأرشدته إلى ما فيها من امتيازات لم يألفها بل ولم تداعب خياله قط، وهو الذي لم يعرف إلا تلك الدار المتواضعة التي نزح منها. وكأنما أرادت أن تذهب ما بقى بلبه من رشاد، فأمرت الخدم بإعادة تنظيفها وترتيبها من جديد قائلة: "عشانك يا خضر...."

لقد أمعنت نورا في العبث بفطرة ذلك الفتى الساذج إلى حد أذهلته عن أمسه وحاضره وكيانه في مستقبل الأيام. إنه ليسأل نفسه وهو يقبض بيديه على حديد السور يرقب موكب السقاية ألف سؤال وسؤال... لماذا تناديه (نورا) في مناسبة وفى غير مناسبة لتروي له طرفاً من حياتها في المدينة؟ وكيف أن الكثيرين من أهل الثراء يتوددون إليها طامعين في مالها وجمالها، وكيف أنها تضن بقلبها أن يعبث به الطامعون، وأنها لن تسلم قلبها وأموالها إلا لمن تشعر أنه يريدها لشخصها، حتى ولو كان أحد عمال أرضها الأجراء.

وذلك الذي حدث يوم أن كان يقلم أشجار الورد في الحديقة ولم يكن له بهذا الفن سابق علم، فكان أن نفذت شوكة طويلة في راحة يده. وتصادف أن (نورا) كانت تمر بالقرب منه، فهالها أن ترى الدماء تنزف منه، وأخذته مسرعة إلى جناحها الخاص حيث أجرت له الضمادات. وكانت ذراعه عارية إلا من قميص مهلهل، فأخذته (نورا) بعد أن أسعفته تمسح بيديها على عضلاته، وفى عينيها بريق عجيب لم يكن ليراه طيلة حياته، فقد عودته النسوة في القرية ألا يرى بريق عيونهن من فرط الخجل أو من فرط استحيائهن.

لقد لمست بيديها بلطف أول الأمر ثم بعنف وهى تقترب منه لتغسل له الجرح، فأدمت طهارته وروحه بتلك الأنفاس الحارة التي انبعثت منها مختلطة بذلك العطر القوي الذي شل من فتانا كل حراك. وعندما قام لينصرف وهو يشكر لها صنيعها في كلمات لاهثة منقطعة ويقبل يدها، ما راعه إلا أن همست في أذنه بصوت حالم انبطح بعنف على وجدانه البريء: "انتظرني يوم الخميس الجاى يا خضر.. سأرجع من مصر عشانك مخصوص".

هل كان وهمه يطلب صراحة أكثر من هذا؟ وهل كان شيطان الشك يريد منها وعداً أفضل من هذا؟ لا، لم يعد هنا وهم ولا شك، وإنما يقين يهز كيانه بأقوى مما يفعل الشك. قد عاش يومين بعد هذا اللقاء محموماً مخدراً في حلم اشتهى ألا يفيق منه، كان يذكر اللقاء ليسترجعه وليردد قولها كلمة كلمة. إن نبرات صوتها لا تزال تعيش في أذنيه واضحة شجية تطارده وهو ينام وتنسيه وهو يعمل في خدمة حديقتها.

أيتها المشاعر البشرية، بل أيتها العواطف الإنسانية، لقد كان فكره في أيامه الأولى يدور حول الجنيهات الخمسة التي طالما منّى نفسه بأنه سيتناولها متماسكة في ورقة واحدة. كان يراها في أيدي تجار القطن، وكانت أنامله تأكله ليملس عليها ويرفعها في احترام إلى شفتيه ليقبلها في لهف. كم من ساعات انصرمت عليه وهو يحرك هذه الأنامل وكأنما تمر على صفحة تلك الورقة العريضة التي شاعت فيها الحمرة كما تشيع في وجنتي سيدته الرشيقة الباسمة دائماً.

كان فكره يدور حول الجنيهات الخمسة في سذاجة وبراءة، ولكنه أصبح اليوم ولا هم له أو لفكره ولا لخياله سوى سيدته نفسها. إن هواتف نفسه تتصارع بين رغبة جامحة طارئة وبين ما نشأت عليه فطرته الساذجة من اعتراف بالجميل. ولكنها سيدته أيضاً، إنها هي التي شجعته فتشجعت غرائزه، وهى التي كشفت بعطرها وأنفاسها عما كان يكتمه.

إن (خضراً) يعاني صراعاً لم يكن في حسبانه بين ما حرم الله في كتابه، وما أيقظته فيه سيدته من هواتف.

ظل خضر في موقفه هذا على السور تائهاً شارداً ولم يحس أن القوم قد انصرفوا بأنعامهم عن الحوض الكبير، وأن الليل قد زحف على القرية، ولم يدرِ إلا والرجفة تأخذه.. إن اليوم هو الخميس الذي واعدته عليه سيدته، فلا بد أن يذهب ليعد نفسه للقائها.

وفى خطوات وئيدة توجه (خضر) إلى طرف الحديقة حيث يوجد مسكنه. وما أن فتح غرفته حتى وقف كالمصعوق.. لقد وجد (نورا) في غلالة شفافة تلف جسمها وهى تفضحه. وراعته المفاجأة فتسمر في مكانه، و(نورا) تناديه: نادته بصوتها الذي سحره، ونادته بضحكها الذي أذهله، ونادته بذلك البريق الذي رآه في عينيها وهى تضمد جراحه.. ولكن (خضراً) ظل في مكانه.

وعصفت الرغبة بـ (نورا) فأرسلت ضحكة عالية لم تكن كضحكاتها السابقة، وإنما كان فيها صراخ الشيطان، وألقت بجسدها بين أحضانه... وصرخ الوحش في دماء (خضر) فلم يشعر إلا وهو يتلقف ذلك العود الفائر الدافئ بين ساعديه وأطبقهما في عنف وكأنما يريد أن يعتصر كل ما في العود.

وصرخت (نورا) من الألم.. فارتد خضر في ذهول ليرى على الأرض حلية سقطت من صدر (نورا) بعد أن أدمته.

ووسط ذلك الليل البهيم، انشق الهدوء والسلام في طرقات القرية على صيحات (خضر) المذعورة، وفى يده شيء يطبق عليه... كان كتاب الله في حلية من ذهب!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق