ما هي الأناركية (اللاسلطوية)؟ دليلك لفهم الفكر اللاعنفي وحقيقة مظاهرات هايماركت
كثيراً ما تتردد كلمة "الأناركية" (Anarchism) في النقاشات السياسية والأفلام السينمائية، وغالباً ما ترتبط في أذهان الناس بالفوضى والتخريب. ولكن، ما هو المعنى الحقيقي لهذا المصطلح؟
الأناركية ككلمة تعني اللاسلطوية، والمقصود بها هو السعي لتحقيق مجتمع حر وعام لا توجد فيه سلطة قسرية لمجموعة من الأشخاص على باقي أفراد المجتمع. تقوم الفكرة على التسيير الذاتي والتعاون الطوعي بين الأفراد دون الحاجة لوجود "دولة" أو حكومة تفرض سيطرتها بالقوة.
الأناركية بين العنف والدفاع عن النفس
في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الاتحادات النقابية اللاسلطوية في استخدام تكتيكات "الإضراب العام" للمطالبة بحقوق العمال. للأسف، كانت هذه الإضرابات تُقابل بعنف شديد ومجازر بشعة من قبل الشركات، الجيش، وعصابات مأجورة لصالح أرباب العمل.
من أشهر هذه العصابات كانت "مجموعة بينكرتون الأمنية" في الولايات المتحدة، والتي عُرفت بسمعتها السيئة في قتل أعداد هائلة من النقابيين واللاسلطويين. في ظل هذا المناخ القمعي، بدأ بعض الأناركيين في تبني تكتيكات مضادة تعتمد على العنف والاغتيال، وأطلقوا على نشاطهم اسم "دعاية العمل".
ومع ذلك، الفكر اللاسلطوي متنوع جداً. فبينما رأى البعض أن العنف ضروري للدفاع عن النفس (باعتبار أن الدولة كيان قائم على العنف المباشر وغير المباشر)، ظهرت مدارس فكرية أخرى ترفض كل أشكال العنف تماماً، وهو ما يُعرف بـ اللاسلطوية اللاعنفية (السلمية).
رواد الأناركية اللاعنفية والعصيان المدني
أول حركة لاسلطوية سلمية واسعة النطاق ظهرت في روسيا على يد أنصار الكاتب والفيلسوف ليو تولستوي. كانت حركة فلاحية قامت على مبادئ مسيحية لاسلطوية تتبنى اللاعنف المطلق وترفض كل السلطات القسرية.
لكن الجذور الفكرية لهذا النهج تعود إلى الفيلسوف والمؤلف الأمريكي هنري ديفيد ثورو، الذي توفي عام 1862. كان ثورو أول من كتب تحت عنوان "العصيان المدني"، وكان داعياً لإنهاء العبودية، مقاوماً للضرائب، ومدافعاً عن العيش البسيط. أثرت أفكاره بشكل عميق في شخصيات تاريخية عظيمة قادت حركات المقاومة السلمية، مثل المهاتما غاندي، ومارتن لوثر كينج، وليو تولستوي.
مظاهرة هايماركت: كيف شوه الإعلام صورة الأناركيين؟
لعب الإعلام والصحافة دوراً كبيراً في ترسيخ صورة ذهنية بأن جميع اللاسلطويين هم "إرهابيون". وقد تأصل هذا الرأي بشكل كبير بعد أحداث مظاهرة هايماركت (Haymarket affair) الشهيرة.
وقعت أحداث هايماركت نتيجة لإضراب عام في شيكاغو والولايات المتحدة، شارك فيه العمال والحرفيون والمهاجرون للمطالبة بتحديد ساعات العمل. وفي أعقاب حادثة فتحت فيها الشرطة النار على المضربين في شركة "ماكورميك"، تجمع حشد كبير في اليوم التالي في ساحة هايماركت. ظلت المظاهرة سلمية حتى تدخلت الشرطة لفضها، وفي تلك اللحظة، ألقى شخص مجهول قنبلة وسط قوات الشرطة.
أدى الانفجار واشتباكات مكافحة الشغب إلى وفاة ما لا يقل عن 12 شخصاً (بينهم 7 من رجال الشرطة). تلى ذلك محاكمة مثيرة للجدل، حيث تمت محاكمة 8 أشخاص وإعدام 7 منهم بسبب معتقداتهم السياسية الأناركية، وليس لوجود أدلة حقيقية على تورطهم في التفجير.
هل تعلم؟ حادثة هايماركت كانت مصدر غضب عالمي، وفي السنوات التالية، تم تخليد ذكرى "شهداء هايماركت" ليصبح الأول من مايو (1 مايو) هو عيد العمال العالمي الذي نحتفل به حتى اليوم.
الأناركية في السينما: فيلم V for Vendetta
لم يقتصر تأثير الفكر الأناركي على التاريخ والسياسة، بل امتد إلى الثقافة الشعبية والسينما. والجدير بالذكر أن فيلم V for Vendetta (ثأر)، الذي أُنتج في هوليوود عام 2006، هو العمل الذي أعاد إحياء فكرة الثأر للمظلومين، ورسخ المبدأ الأناركي القائل بأن: "الحكومات هي التي يجب أن تخاف من شعوبها، وليس العكس".
الفيلم مقتبس عن قصة مصورة للمؤلف "آلان مور"، وتدور أحداثه في لندن في المستقبل القريب (عام 2038)، حيث تصبح بريطانيا دولة شمولية قمعية يحكمها حزب يميني متطرف. بطل الفيلم هو (V)، شخص غامض يرتدي قناعاً، يسعى لتغيير الواقع السياسي وإسقاط النظام القمعي باستخدام تكتيكات ثورية.
رمزية الخامس من نوفمبر وقناع جاي فوكس
يتخذ الفيلم من تاريخ 5 نوفمبر موعداً هاماً للثورة؛ حيث يتم تفجير المحكمة الجنائية المركزية، وفي العام التالي يتم استهداف قصر وستمنستر. يستمد الفيلم رمزية هذا التاريخ من أحداث تاريخية حقيقية تُعرف بـ "مؤامرة البارود"، حيث حاول مجموعة من المتمردين الانقلاب على الملك جيمس الأول في 5 نوفمبر 1605. وكان أشهر هؤلاء المتمردين هو جاي فوكس (Guy Fawkes)، وهو الشخصية التي يرتدي بطل الفيلم قناعها طوال الأحداث، ليصبح هذا القناع لاحقاً رمزاً عالمياً للرفض والاحتجاج واللاسلطوية في عصرنا الحديث.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق