Breaking

13 فبراير 2011

شعب مستأنس ووحش ضاري: من المسئول الحقيقي عن انهيار المجتمعات؟

شعب مستأنس ووحش ضاري

شعب مستأنس ووحش ضاري

أحلام مقيدة ومقاييس النجاح

لكل إنسان حلم يراوده؛ تارة في اليقظة وتارة في المنام، وربما يتحدث عنه وكأنه واقع ملموس باحثاً عن بداية الطريق لتحقيقه. لكن في المقابل، ما أكثر الفاشلين الذين يكرهون المحاولة، ويريدون بلوغ القمة بأسهل الطرق، وحين يعجزون، يعلقون خيباتهم على شماعة "البيروقراطية".

أنا شخصياً من الذين لمسوا هذه البيروقراطية وتأثروا بها، لكنها كانت الدافع الذي جعلني أفكر وأتجه نحو طرق بديلة لأحقق ذاتي المادية والمعنوية. ولا أعلم حتى اليوم إن كنت أصنف من الناجحين أم الفاشلين، ولكنني أؤمن تماماً أن النجاح ليس له مقياس مادي ثابت. فلو كانت الثروة هي المقياس الوحيد، لكان 80% من سكان الأرض فاشلين! كما أنني مقتنع بأن الإنسان متى توهم أنه قد وصل لقمة النجاح المطلق، سيتوقف عن الإنتاج؛ ولهذا نجد العباقرة يهتمون بنقد جمهورهم، لأن النقد هو بوصلة التطور ومعالجة نقاط الضعف.

معظم قصص النجاح لأشهر الشخصيات عالمياً بدأت بسلسلة من الإخفاقات، والعظة الأهم هنا هي أن النجاح لا يعترف بزمان أو مرحلة عمرية؛ فكثيرون اعتلوا القمة بعد الخمسين والستين، بشرط التخطيط الجيد والاجتهاد، والمرونة في تغيير الأفكار لتواكب متطلبات العصر.

مقبرة الابتكارات: بين الغرب ومجتمعنا

الفرق الجوهري بين مجتمعاتنا العربية والمجتمعات الغربية يكمن في "التعامل مع الفكرة". في مجتمعنا المصري تحديداً، تتكدس آلاف الاختراعات العبقرية على الأرفف، والرد الجاهز والدائم هو: "لا توجد ميزانية للتنفيذ، من يرغب فلينفذ على نفقته الخاصة!". بينما في الخارج، أي فكرة بسيطة لتطوير أداة تُدرس فوراً، وإذا أثبتت جدواها المجتمعية تُنفذ في لمح البصر.

"عجلة الاستثمار" الوهمية ومصانع الأواني!

هل تعلم أن أول بندقية آلية طُورت في أمريكا أصبحت نواة لأكبر دخل اقتصادي من تجارة السلاح عالمياً؟ في المقابل، نجد أن مصانعنا الحربية في مصر تفرغت لتصنيع "أواني الطهي وعدادات الكهرباء"، أو تكتفي بتعديل أسلحة مستوردة لتكلفنا أضعاف ثمنها الأصلي!

هذا هو حالنا؛ نعيش في جنة المؤتمرات الوزارية والتصريحات الرنانة. وأكثر جملة تستفزني هي "دفع عجلة الاستثمار"! ولهم الحق في ذلك؛ فمن أجل هذه "العجلة" تم بيع مئات الآلاف من الأفدنة في توشكى للأمير الوليد بن طلال برخص التراب مع امتيازات مائية هائلة، ومن أجلها تُباع مصانع قطاع الأعمال العام لمستثمرين أجانب ليتحكموا فيها وفي تصديرها، بأسعار لا توازي حتى ثمن معداتها الخردة. ولا عزاء لشعب صامت مكمم الأفواه يشاهد أصول وطنه تُباع وتُبدد!

الحقيقة المُرة: الشعب هو من يصنع مصيره

الشعب في أي مجتمع هو المسئول الأول عن قدره وليس قياداته. القيادات هي مجرد رؤوس، لكن الشعب الواعي بحقوقه وواجباته هو المحرك الحقيقي. وأول وأقدس هذه الحقوق هي الحرية التي فطرنا الله عليها.

ما نراه في مجتمعنا ليس غريباً؛ فالقادة ليسوا بخاطئين من وجهة نظرهم، فهم يقمعون الحريات للحفاظ على عروشهم ومناصبهم. ولكن العيب كل العيب على مجتمع لا يدرك قوة كتلته البشرية! لو تحرك المجتمع فلن يوقفه أي جيش، لكن التغيير لن يحدث إلا إذا تحرر الفرد من قيوده الذاتية التي صنعها لنفسه وبات يصفق لأي تصريح تافه.

المجتمع الذي مهد لانقلاب عسكري سُمي لاحقاً بـ "ثورة يوليو" ليحكمه أبناؤه، ظن أنه يتحرر، لكنها كانت النكبة. لقد فهم الحكام الجدد سيكولوجية الكيان المصري، ولاعبوه بالعصا التي لا يستطيع مقاومتها: "لقمة العيش". لقد أصبح المجتمع يلهث جوعاً خلف رغيف الخبز، وفقد القوة أو الرفاهية للتفكير في التغيير!

استئناس الوحش الضاري

هذا الكيان المسيطر منذ عقود لم ولن يتغير، بل تضخم وتوحش حتى ضاقت عيناه عن رؤية الفقر والجهل والبطالة. هذه لم تعد مشكلته، بل هي مشكلة من سمح له بالأكل من مائدة الشعب حتى تكوّر "كرشه" وضاق به مسار الوطن.

كل هذا بسبب مَن؟ ومَن الملوم دائماً؟
إنه الشعب.. المجتمع الذي استأنس وحشاً ضارياً في بيته، آواه وأطعمه، حتى كبرت مخالبه ونمت أنيابه، فكان أول من افترسه ومزق لحمه.. هو من آواه واستأنسه!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق