Breaking

29 مايو 2019

السيد بدير: عبقري السيناريو والفنان الشامل الذي واجه فجيعة فقدان أبنائه بالصبر

قليلون هم الفنانون الذين استطاعوا الجمع بين عبقرية الكتابة، مهارة الإخراج، وبراعة التمثيل في آن واحد، ولكن السيد بدير كان استثناءً فريداً. هو "عبد الموجود" الذي أضحكنا بعفويته، وهو السيناريست الذي صاغ أعظم كلاسيكيات السينما، وهو الأب المكلوم الذي تحمل ما لا يطيقه بشر من حزن على أبنائه.

النشأة والبدايات: من الطب البيطري إلى محراب الفن

وُلد السيد بدير في 11 يناير 1915 بقرية "أبو شقوق" بمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية. حصل على البكالوريا عام 1932، والتحق بكلية الطب البيطري، لكن نداء الفن كان أقوى؛ فترك الدراسة ليغزو عالم الإذاعة والمسرح والسينما، تاركاً خلفه بصمة لا تُمحى.

مسيرة إبداعية متعددة الأبعاد

بدأت رحلته السينمائية عام 1937 بتأليف وتمثيل فيلم (تيتاوونج)، لتتوالى بعدها الروائع. برز ككاتب سيناريو من الطراز الرفيع في أفلام مثل "جعلوني مجرماً" و"حميدو" و"قمر 14".

أما في التمثيل، فقد حقق شهرة طاغية من خلال تجسيده لشخصية "عبد الموجود" ابن كبير الرحيمية قبلي، وهي الشخصية التي أصبحت أيقونة كوميدية. وفي عام 1955، اقتحم مجال الإخراج المسرحي بمسرحية "صاحب الجلالة"، ثم انتقل للإخراج السينمائي عام 1957 ليقدم أفلاماً خالدة مثل "سكر هانم" و"أم رتيبة".

رجل الدولة والمؤسسات الفنية

لم يكن السيد بدير فناناً فحسب، بل كان إدارياً ناجحاً؛ تدرج في الوظائف الحكومية من أمين مكتبة بمجلس الدولة إلى أن أصبح رئيس مؤسسة السينما والمسرح والموسيقى بدرجة وكيل وزارة. وفي الإذاعة المصرية، ترك إرثاً مهولاً، حيث كتب وأخرج حوالي 3000 تمثيلية ومسلسل إذاعي، بالإضافة إلى إنتاجه وإخراجه لنحو 400 مسرحية.

لغة الأرقام في حياة السيد بدير:

  • التمثيل: 66 عملاً فنياً.
  • الإخراج: 39 فيلماً ومسرحية.
  • التأليف والسيناريو: 94 عملاً سينمائياً.

الجوائز والتكريمات

تقديراً لعطائه الاستثنائي، نال السيد بدير أرفع الأوسمة:

  • وسام الجمهورية (1957).
  • وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (1975).
  • وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى (1986).
  • جائزة الدولة التقديرية في الفنون.

النهاية الحزينة: فاجعة فقدان الأبناء

خلف الابتسامة التي رسمها على وجوه الملايين، عاش السيد بدير مأساة إنسانية كبرى. فقد ابنه الأول "سيد" الذي استشهد في حرب أكتوبر 1973، ثم فُجع باغتيال ابنه الثاني، العالم النابغة سعيد بدير، الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي في الإسكندرية بسبب أبحاثه العلمية المتطورة.

رحل العملاق السيد بدير في 30 أغسطس 1986، بعد أن أثقل كاهله الحزن، تاركاً خلفه تاريخاً فنياً مشرفاً وذكرى بطل صابر قدم للوطن فنه وأبناءه.

"رحم الله الفنان القدير السيد بدير، الذي علمنا أن الفن رسالة، وأن حب الوطن تضحية."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق