الغوغاء دائماً: من "روما" إلى "القاهرة 30".. هل تغير شيء؟
منذ مئات السنين، وفي أروقة الإمبراطورية الرومانية، كان القيصر وحاشيته يطلقون لقب "الغوغاء" على عامة الشعب. لم تكن مجرد إهانة، بل كانت توصيفاً دقيقاً لطبقة مسلوبة الإرادة، لا تملك من الأرض إلا الفتات، وتنتظر عطايا الحاكم الذي يقتات على دماء أبنائها في حروبه العبثية.
التاريخ يعيد نفسه: طبقة الـ 3%
بالنظر إلى واقعنا اليوم، يبدو أن الزمن لم يتغير إلا في التقويم فقط. ففي مجتمعاتنا التي تتغنى بالجمهورية والبرلمانات المنتخبة، لا تزال السلطة محصورة في أيدي أقلية ضئيلة لا تتعدى الـ 3% من السكان. هؤلاء هم من يملكون ويستمتعون، بينما تُترك الغالبية العظمى ليتلاعب القادة بأحلامهم وأفكارهم في كل مرحلة، تماماً كما كان يُفعل بـ "الغوغاء" في روما القديمة.
النخبة المثقفة.. حبر على ورق
يؤسفني القول إن النخبة المثقفة في مجتمعاتنا تظل "بعيدة وغير مؤثرة". فالحراك الحقيقي لا يُصنع بالأفكار أو الأقلام، بل بقوة السلاح والبطش والتعذيب. كلما لاح في الأفق مثقفٌ ذو تأثير، نُصبت له "فخاخ محكمة" لإبعاده عن المشهد، ليبقى الشعب مسيساً أو مهمشاً، يسهل قياده وحكمه تحت شعارات "المصلحة العامة".
"المركز، الشرف، الدنيا .. بالفلوس..... ادفع يدفع لك العالم..."
— محفوظ عبد الدايم، من رواية "القاهرة الجديدة" (القاهرة 30)
بين "القاهرة الجديدة" و"القاهرة 30"
استحضار شخصية "محفوظ عبد الدايم" من رواية نجيب محفوظ العظيمة "القاهرة الجديدة" (التي أصبحت "القاهرة 30" في السينما بضغط من الرقابة)، يعيدنا إلى جوهر القضية: صراع البقاء في مدينة لا ترحم. إننا نعيش في عالمٍ أصبح فيه الشرف والكرامة سلعة تُباع وتُشترى لمن يدفع أكثر.
لا حياة لمن تنادي في عمق صحرائنا، ولا إحساس في قصور القاهرة الفخمة؛ فالمسافة بين الحاكم والمحكوم لم تتقلص، بل ازدادت اتساعاً خلف ستائر القوانين والمسميات الرنانة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق