Breaking

19 مارس 2011

مقال رأي: هل يكتب المنهزمون التاريخ؟ حين كسر المصريون مقولة ابن خلدون

هل يمكن أن يكتب المنهزمون التاريخ؟ حين كسر المصريون مقولة ابن خلدون

ابن خلدون والتاريخ يكتبه المنتصرون

"التاريخ دائماً يكتبه المنتصرون".. كلمة خالدة تركها لنا العلامة ابن خلدون، لتصبح قاعدة تحكم قراءة التاريخ البشري.

على مر العصور وتوالي الحضارات، لم نرَ أبداً شعباً أو حضارة مهزومة استطاعت أن تخط تاريخها بيدها؛ بل يذهب كل علمها ووجودها إلى طي النسيان الأبدي، ولا يتبقى منها سوى ما يكتشفه المنقبون في عصورنا الحديثة. وفي أغلب الأحيان، يكون هذا التنقيب غير دقيق لقلة المعطيات، وتعتمد نتائجه على التصور الشخصي أكثر من اعتمادها على الوثائق التاريخية الدامغة.

بينما الأمم المنتصرة ترسم وتخط تاريخها كما ترغب، وكما تحب أن يراها القادم الغائب. ففي العصور الوسطى، لم يصل إلينا من العلوم سوى ما رغبت الكنيسة آنذاك في وصوله، بل وعمدت إلى تدمير أو طمس أي أبحاث تراها مخالفة لرأيها.

بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين: من يملك القلم؟

عندما انتصر "ريتشارد قلب الأسد" ملك إنجلترا في معاركه، كُتبت تفاصيل الحروب وأهدافها تِبعاً لتوجهاته وتوجهات الكنيسة التي كانت تدير دفة المجتمع. وحينما انتصر "صلاح الدين الأيوبي" بجيوش المسلمين، كُتب التاريخ ليُلحن بطولات صلاح الدين (وهذا حقه المطلق)، ولكنه أغفل تدوين تحركات ريتشارد وتطور جيوشه العسكري الذي كان يجب أن يُكتب بالتفصيل لنستفيد منه.

ومرت السنوات، وجاءت حرب "العدوان الثلاثي" على مصر عام 1956، وروجت الدول المعتدية (إسرائيل، فرنسا، إنجلترا) لأهدافها وسرديتها كما ترغب، ليقرأها الغريب ويصدقها دون اعتراض. ولم تعد إلينا دفة الأمور و"قلم التاريخ" إلا بعد حرب أكتوبر 1973، عندما حققت مصر انتصاراً ساحقاً ومدوياً، فجاءت الفرصة لنكتب تاريخاً يوضح للعالم من نحن ومن هم. ولكن تبقى الفكرة راسخة: صاحب القوة هو من يفرض قانونه وروايته.

ثورة 25 يناير: حين تمرد المنهزمون على النص

هكذا كان الحال على مر التاريخ، ولكن بين الحين والآخر تخرج علينا أحداث استثنائية تنسف هذا المبدأ من جذوره، تماماً مثلما حدث في ثورة 25 يناير.

تلك الثورة التي انطلقت شرارتها على يد شباب مصري مثقف، ليلتحم معه كافة طوائف الشعب، ويقلبوا الحال، وينتصروا على جبروت الرصاص المطاطي والحي، وقنابل الغاز منتهية الصلاحية. انتصروا على جبروت المال والسلطة التي تضخمت في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك.

طوال السنوات التي سبقت الثورة، كانت الاحتجاجات تقوم، لكن ذلك الجبروت الضخم كان يقتلها، يفتتها، يعتقل رموزها ويسحل شبابها، مستخدماً كل الأساليب القمعية. كان النظام يعتبر نفسه "المنتصر" الدائم، والشعب هو "المنهزم" الذي لا يحق له الكلام.

نعم.. المنهزمون يمكنهم كتابة التاريخ!

جاءت الثورة الطاهرة لتُزيح الذل والقهر، وتكشف أهرامات الفساد التي توغلت في كل مؤسسات الدولة. في ظاهرة من المرات المعدودة في التاريخ البشري، أثبت المصريون أنه من الممكن للمنهزمين أن يكتبوا التاريخ.

فالشعب المصري ظل مقهوراً ومهزوماً طوال 30 عاماً، بينما مبارك وأعوانه "منتصرون" ومغترون ببطشهم... لكن هذا الشعب الأصيل والمكافح نفض عن كاهله غبار الذل، وضرب أروع الأمثلة، وكسر كل القواعد المجتمعية، ليصرخ في وجه العالم أجمع: "التاريخ يمكن أن يكتبه المنهزمون، إذا قرروا الانتفاض!"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق